البستان في إعراب مشكلات القرآنالجزء 1 · ص 69 - 78

- مآخذُ على استشهاد الجِبْلي بالشِّعر

- مآخذُ على استشهاد الجِبْلي بالشِّعر

1 - قال الجِبْلي (^1): "وقال الراجز:

لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ... لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ".

والبيتُ من الطويل، وليس من الرَّجَز.

2 - استشهد الجِبْلي -على أنّ اللهوَّ في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ (^2) معناه: الجماع- بقول امرئ القَيْس (^3):

أَلا زَعَمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أَنَّنِي... كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمثالِي

وهذه الروايةُ التي أنشَد البيتَ عليها لا شاهدَ فيها، وروايةُ ديوانِ امرئ القيس: "أَلّا يُحْسِنُ اللَّهْوَ" فكان حَرِيًّا به أن يستشهِدَ بهذه الرواية؛ لأنه يستشهِد على لفظ اللَّهو لا على لفظِ السِّرِّ.

3 - أنشد بيتًا مكسورَ الوزن، وهو قولُ دُريدِ بن الصِّمّة (^4):

كَمِيشُ الإزارِ، خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ... صَبُورٌ على الجُلَّى، طَلَّاعُ أَنْجُدِ

وروايةُ ديوانه: "صَبُورٌ على العَزّاءِ"، وعلى رواية "الجُلَّى" بالقصر ينكسر الوزن، وقد رواه ابنُ قُتيبة: "على الجَلّاءِ" بالمد، وبها يستقيم وزن البيت.

  • (^1) البستان 2/ 40.
    (^2) الأنبياء 17.
    (^3) البستان 1/ 184.
    (^4) البستان 4/ 26.
69

4 - في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "يُقال: طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: إذا زارَ لَيْلًا، قال ابنُ الرُّومِيِّ:

يا راقِدَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بِأَوَّلِهِ... إنَّ الحَوادِثَ قد يَطْرُقْنَ أَسْحارا

لَا تَفْرَحَنَّ بِلَيْلٍ طابَ أَوَّلُهُ... فرُبَّ آخِرِ لَيْلٍ أَجَّجَ النّارا".

والبيتانِ ليسا لابن الرُّومي، ولا هما في ديوانه، وإنّما هما لِمُحَمَّدِ بن حازم ابن عَمْرٍو الباهِلِيِّ.

المطلب الثاني: موقفُ الجِبْلي من القياس

القياسُ عليه مدارُ علم النَّحو؛ لأنّ النَّحوَ كلُّه قياس، وقد استَعمَل البصريُّون والكوفيُّون القياسَ في استنباطهم للأحكام وتعليلهم لها، وكان البصريُّون أكثرَ تحفُّظًا من الكوفيِّين فيما يقيسون عليه، وفيمن يأخُذون عنه اللغة (^3).

وأركانُ القياس -كما ذَكَر العلماء- أربعةٌ: أصلٌ، وهو المَقِيسُ عليه، وفَرْعٌ وهو المَقِيس، وحُكْمٌ، وعِلّةٌ جامعةٌ، ولكلِّ واحدٍ منها شروطٌ ذكروها (^4).

أمّا أقسامُ القياس فقد ذكرها السُّيوطي، فقال (^5): "حَمْلُ فَرْعٍ على أَصْلٍ، وحَمْلُ أَصْلٍ على فَرْعٍ، وحَمْلُ نَظِيرٍ على نَظِيرٍ، وحَمْلُ ضِدٍّ على ضِدٍّ".

  • (^1) الطارق 1.
    (^2) البستان 4/ 376.
    (^3) ينظر: مدرسة الكوفة للدكتور مهدي المخزومي ص 116، 317، أثر القرآن والقراءات في النحو العربِي للدكتور محمد سمير نجيب اللبدي ص 45.
    (^4) ينظر: لُمَعُ الأدلة للأنباري ص 93، الاقتراح للسيوطي ص 154، في أصول النحو للأفغاني ص 108.
    (^5) الاقتراح ص 160.
70

- القياسُ عند الجِبْلي

إذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ استخدم القياسَ بأقسامه بصورةٍ واضحة في الأحكامِ النَّحويّةِ والأوجُهِ الإعرابيّةِ التي ذكرها، ومن أنواع القياس التي وَرَدت عنده:

أ - حَمْلُ الفَرْع على الأصل، ومن أمثلته عنده:

1 - صرفُ الممنوع من الصَّرف: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "وفيه وجهان، أحدُهما: أَنَّ مِن العرب مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا ينصرف، وهو لغةُ الشعراء؛ لأنهم اضْطُرُّوا إليه في الشِّعْرِ فصَرَفُوهُ، فجَرَتْ على ألسنتهم كذلك، والوجه الآخَر: أنّ هذا الجمعَ أَشْبَهَ الآحادَ؛ لأنهم قالوا: "صَواحِباتُ يُوسُفَ".

2 - إعلالُ المصدر لإعلال فعله: ففي قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "وظهرت الواو في قوله: ﴿لِوَاذًا﴾ على معنى: لَاوَذْتُ لِواذًا، يقال: لَاوَذَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ يُلاوِذُ مُلَاوَذةً ولِواذًا، ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لَقال: لِياذًا، مثلَ: القِيامِ والصِّيام، ويُقال أيضًا: لَاذَ يَلُوذُ لِواذًا ولِياذًا بقلبِ الواو ياءً".

ب - حَمْلُ الأصل على الفَرْع: ومن صُوَره عنده:

  • (^1) الإنسان 4.
    (^2) البستان 4/ 198.
    (^3) النور 63.
    (^4) البستان 1/ 359.
71

1 - في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "و"لا" بمعنى "ليسَ"، وهو: خَبَرٌ، وليس بِنَهْيٍ، إذْ لا يَجُوزُ أن يُنْهَى الإنسانُ عن النِّسيانِ؛ لأنه ليس باختياره، وقال صاحب إنسانِ العَيْن: هو نَهْيٌ، وإثباتُ الأَلِفِ كقول الراجز:

إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فطَلِّقْ

ولَا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقْ

والمعنى: لا تَنْسَ العملَ به".

والحركة بعضُ الحرف، ومع ذلك حُمِل الحرف عليها في الآية على هذا الرأي الذي حكاه الجِبْلي عن صاحب إنسان العَيْن، كما حُمل عليها في البيت.

2 - حَمْلُ الوَصْلِ على الوقْف: ففي قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "وأَسْكَن الهمزةَ فيهما قُنْبُلٌ، وقَرأ الباقونَ بالخفض والتنوين فيهما. . . ومن أَسْكَن الهمزةَ فعلى نيّة الوَقْف".

جـ - حَمْلُ النَّظِيرِ على النَّظِيرِ: ومن أمثلته عندَه:

1 - ما ذَكَره في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (^5)، فقد قال (^6): "وأصل الوِزْرِ: ما حَمَلْتَهُ، فسُمِّيَ السلاحُ وِزْرًا لأنه يُحْمَلُ. . . ولم يُسْمَعْ لأَوْزارِ الحَرْبِ بِواحِدٍ، إلّا أنه على التأويل: وِزْرٌ". فهذا يعني أنه حَمَله على نظيرِه مثلَ حِمْلٍ وأحمال.

  • (^1) الأعلى 6.
    (^2) البستان 4/ 393.
    (^3) النمل 22.
    (^4) البستان 1/ 450.
    (^5) محمد 4.
    (^6) البستان 3/ 72.
72

2 - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "والحِجارةُ: جَمْع حَجَرٍ، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جَمَلٌ وجِمالةٌ وذَكَرٌ وذِكارةٌ، والقياس: أَحْجارٌ".

3 - في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "وهو يكون مصدرًا واسْمًا، وقال البيوَرْدِيُّ: الوِسْواسُ -بالكسر- المصدر، والوَسْواسُ -بالفتح- الاسم، على قياس الزِّلْزالِ والزَّلْزالِ".

المطلبُ الثالث: موقفُ الجِبْلي من الإجماع

المراد به: إجماعُ نُحاةِ البصرة والكوفة (^5)، وشرطُ هذا الإجماع -كما ذكر العلماء- ألا يخالف المنصوصَ ولا المَقِيسَ على المنصوص، فإذا خالفه لم يكن حجةً (^6).

وقد استعمل الجِبْلي هذا الدّليلَ النَّحْويَّ -أعني: الإجماع- في "البستان"، ورَدَّ به على مَن خالَفَ ما أَجْمَعَ عليه النَّحْويُّون، ومن أمثلتِه عنده ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "وفي موضع ﴿أَنَّهُ﴾ من الإعراب ثلاثةُ أقوال: يجوز أن يكون موضعُها

  • (^1) التحريم 6.
    (^2) البستان 3/ 115.
    (^3) الناس 4.
    (^4) البستان 5/ 146.
    (^5) ينظر: الاقتراح ص 146.
    (^6) قاله ابن جني في الخصائص 1/ 190، ونقله عنه السيوطي في الاقتراح ص 146.
    (^7) فصلت 53.
    (^8) البستان 2/ 420.
73

رفعًا على البدَل على الموضع، والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّين، ويجوز أن يكونَ موضعها خفضًا على اللفظ، ويجوز أن يكون موضعُها نصبًا بمعنى: لأنه على كلِّ شيءٍ شهيد".

فقوله: "والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّينَ" يعني: موضعَ قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾، فقد أجمع العلماء على أنّ الباء صِلةٌ، و"ربك": فاعل "يكفي".

2 - في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "ولا يجوز الإدغامُ في الياءَيْنِ عند النَّحْويِّين كما لا يجوز إذا لم يُنصَب الفعل؛ لأنك لو أدغمتَ لالْتَقَى ساكنانِ، إذ الثاني ساكنٌ، والأول لا يُدْغَمُ حتُّى يُسَكُّنَ، وكذلك كلُّ حَرْفٍ أَدْغَمْتَهُ في حرفٍ بعدَه لا بُدَّ من إسكان الأول، وقد أجمَعوا على مَنْع الإدغام في حال الرَّفع، فأمّا في حال النصب فقد أجازه الفَرّاءُ (^3) لأجل تَحَرُّكِ الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصْريِّين؛ لأن الحركةَ عارضةٌ ليست بأصلٍ".

3 - في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "وقد أجاز النَّحْويُّون: رأيْتُ ثلاثةَ نَفَرٍ وثلاثةَ رَهْطٍ، حَمْلًا على المعنى، ولم يُجيزوا: رَأَيْتُ ثلاثةَ قَوْمٍ ولا: ثلاثةَ بَشَرٍ، والفَرْقُ بينَهما: أن نَفَرًا ورَهْطًا لِما دُونَ العَشَرةِ من العدد، فأُضيف ما دون العشَرة من العدد إليه، إِذْ هو نظيرُه، و"قَوْمٌ" قد يقع لِما فَوْقَ العشَرة، فلم يَحْسُنْ إضافةُ ما دون العشَرة إلى ما فوقَها، فأمّا "بَشَرٌ" فيقع للواحد، فلم يمكنْ إضافةُ عددٍ إلى واحد".

  • (^1) القيامة 40.
    (^2) البستان 4/ 190.
    (^3) ينظر: معاني القرآن 1/ 412.
    (^4) التغابن 6.
    (^5) البستان 3/ 435.
74

فقوله: "وقد أجاز النَّحْويُّون. . . إلخ"، ثم قوله: "ولم يجيزوا. . . إلخ" إجماعٌ منهم أيضًا.

4 - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "يعني: مرجِعُهم ومصيرُهم ومَعادُهم إلينا بعد الموت، يقال: آبَ يَئُوبُ أَوْبًا وإيابًا، والأصل: إيْوابٌ، فأُدغِمت الياءُ في الواو، وانقلبت الواو إلى الياء، وقرأ أبو جعفرٍ بتشديد الياء، قال أبو حاتم (^3): وهذا لا يجوز، ولو جاز لَجاز في الصيام والقيام، وهو شاذٌّ لم يُجِزْهُ أحدٌ غيرُ الزَّجّاجِ، فإنه قال (^4): يقال: أَيَّبَ إِيّابًا، على فَيْعَلَ فيعالًا".

فقوله: "وهو شاذٌّ لم يُجِزْه أحدٌ غيرُ الزَّجّاج" إجماعٌ من نُحاة البصرة والكوفة لم يخالفْهم فيه غيرُ الزَّجّاج كما ذَكَر الجِبْلي.


  • (^1) الغاشية 25.
    (^2) البستان ص 1477، 1478.
    (^3) ينظر قوله في المحتسب لابن جني 2/ 357، الكشف والبيان للثعلبي 10/ 190.
    (^4) معاني القرآن وإعرابه 5/ 319.
75

المبحثُ الثامن مذهبُه النَّحْويُّ واختياراتُه

يمكن القولُ بأنّ الجِبْليَّ كان - كغيره من العلماء المتأخِّرين، الذين كانوا ينتخِبون لأنفُسِهم من آراءِ البصْريِّين والكوفيِّين ما يرَوْنَه راجحًا، دون التقيُّد بمذهبٍ واحدٍ دائمًا، وربّما مَزَجوا بينَ المذهبَيْنِ.

وإن كان الجِبْلي يمزُج بين آراء البصريِّين والكوفيِّين، فإنه كان أكثرَ ميلًا إلى مذهب الكوفيِّين في اختياراته النَّحوية، كما كان أكثرَ ميلًا إلى استخدام مصطلحاتهم النَّحوية، وربما اختار رأيًا من آراء المتأخِّرين، وخاصةً طاهرَ بن أحمد بن بابَشاذ؛ نظرًا لتأثُّر اليمنيِّين بكتُب ابن بابَشاذ بصفةٍ خاصة (^1).

واختياراتُ الجِبْلي في "البستان" كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّني سأضرب. أمثلةً لاختياراته البَصْريّة والكوفية، سواءٌ أكانت هذه الاختيارات للمدرستَيْن: البصريّة والكوفيّة بصفة عامة، أو كانت لأفرادٍ من هاتَيْن المدرستَيْن:

فمن أمثلة ما اختار فيه مذهبَ البصريِّين

1 - اختار مذهبَ البصريِّين في أنه لا يُعْطَفُ على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (^2)، قال

  • (^1) ينظر تأثر اليمنيين بكتب المصريين، وبخاصة كتب طاهر بن أحمد بن بابشاذ 1/ 27 من هذه الدراسة.
    (^2) الأحزاب 7.
76

الجِبْلي (^1): "ولم يقلْ: ونُوحٍ؛ لأنّ المُظهَر إذا عُطِف على المضمَر المخفوض أُعِيدَ الحرفُ، تقول: مررتُ به وبزَيْد".

2 - اختار مذهبَ البصريِّين في أنّ الواو العاطفةَ لا تكون زائدةً، ففي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "واختلف النُّحاةُ في جوابه، فقال بعضُهم: جوابه: "فُتِحَتْ أَبْوابُها"، والواو مُقْحَمةٌ زائدةٌ عند الكوفيِّين، تقديرها: حتى إذا جاءوها فُتِحت أبوابُها، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ (^4)، يعني: ضِياءً، وهذا خطأٌ عند البَصْريِّين؛ لأنها تفيد معنًى، وهي للعطف هاهنا".

3 - اختار قول أَبِي عُبَيدةَ والأخفَش في أنّ "أو" قد تأتي بمعنى الواو، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6): "والألفُ في "أَوْ": صلةٌ، ومعناه واو العطف، كأنه قال: وإنّا وإياكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^7) الألف هاهنا: صلةٌ".

وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (^8)، قال الجِبْلي (^9): ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (^10).

  • (^1) البستان 2/ 100.
    (^2) الزمر 73.
    (^3) البستان 2/ 370.
    (^4) الأنبياء 48.
    (^5) سبأ 24.
    (^6) البستان 2/ 174.
    (^7) الإنسان 24.
    (^8) الصافات 147.
    (^9) البستان 2/ 283.
    (^10) المرسلات 6.
77

وفي قوله تعالى: ﴿ولَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "و﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، والألف صلة، يعني: ﴿وَكَفُورًا﴾ ".

4 - اختار عذهَب البَصْريِّين في أنّ اللام الواقعةَ في خبر "إِنِ" المخفَّفة هي الفارقةُ، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "أي: وقد كانوا لَيَقُولُونَ، واللام: لامُ توكيد، لَمّا خُفِّفت "إِنَّ" دخلت على الفعل، ولزمتها اللام فرقًا بين النفي والإيجاب، والكوفيون يقولون: "إِنْ" بمعنى: "ما"، واللام بمعنى: "إِلّا"، أي: وما كانوا إلا يقولون".

فقد وَجَّهَ الآيةَ على وَفْق مذهب البصريِّين، ثم حكى مذهبَ الكوفيِّين بما يوحي أنه اختار مذهبَ البصريِّين، ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ (^5)، قال (^6): "إِنْ" عند الكوفيِّين بمعنى: "ما"، واللام بمعنى "إِلّا"، تقديره: وما يكاد الذين كفروا إِلّا لَيُزْلِقُونَكَ، و"إِنْ" عند البَصْريِّين مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها مضمَرٌ معَها، واللام لام التأكيد لَزِمَتْ هذا النوعَ لِئَلّا تُشْبِهَ "إِن" الَّتِي بمعنى "ما".

5 - اختار مذهبَ المبرّد والزَّجّاج في جوازِ وصف "اللَّهُمَّ": ففي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "نصبٌ

  • (^1) الإنسان 24.
    (^2) البستان 4/ 220.
    (^3) الصافات 167.
    (^4) البستان 2/ 288.
    (^5) القلم 51.
    (^6) البستان 4/ 28.
    (^7) الزمر 46.
    (^8) البستان 2/ 356.
78