بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 318 - 325

سورة هود (11): آية 9

سورة هود (11): آية 9

سورة هود (11): آية 10

﴿يَأْتِيهِمْ﴾ في أجله ووقته المحدد ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ لا يصرفه عنهم صارف، واستخدام الجملة الاسمية لتأكيد وقوع العذاب بهم ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي وسوف يحيط بهم من كل جانب، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحقق وقوعه في وقته حتى كأنه وقع بالفعل ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاط بهم ما كانوا يستعجلونه من العذاب.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ (9)

9 - هذه الآية بيان لحال الكفار خاصة - المشار إليهم سابقا - والإنسان عامة: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ كأنواع النعم من صحة وأمن ورزق ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ﴾ عندما يقع في مرض وعسر وفتن بما يحدث من الأسباب بمقتضى سنته تعالى في الخلق ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ في هذه الحالة يكون شديد اليأس من الرحمة، شديد الكفران لغيرها من النعم التي لا زال يتمتع بها، فضلا عمّا سلف منها، فهو يجمع بين اليأس ممّا نزع منه، والكفر بما بقي له من النعم، والخطاب عن جنس الإنسان عامّة، فهنالك الكثيرون الذين مع كونهم مؤمنين بالله، إلا أنهم بسبب ضعف إيمانهم سريعي التأثر بالعوامل الخارجية وخاصة بما ينزل بهم من نوائب، ثم استثنى تعالى في الآية (11) الصابرين منهم.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (10)

10 - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ لفظ الإذاقة يفيد أنّ الإنسان يقع في التمرد والطغيان بمجرّد أن ذاق القليل من الخيرات العاجلة مع أن هذه الخيرات ليست سوى متاع قليل في جنب الآخرة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضرّاء مضرّة يظهر أثرها على صاحبها ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي ذهب أثر السيئات عنّي - بحذف المضاف -، ويعزو ذلك إمّا لمجهوده المحض أو للصدف والحظ! ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ شديد الفرح حتى أنه يبطر النعمة ويستكبر ويتعالى على الناس ويرى أنّ ما تحقق له من خير نتيجة لجدارته، أو مجرّد حظ واتفاق الصدف، لا نعمة منه تعالى، فهو لا يقابل حصول النعمة

318

سورة هود (11): آية 11

سورة هود (11): آية 12

بالتواضع والشكر عليها، بل يأمن مكر الله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص 76/ 28]، إشارة إلى فرح البطر بالنعمة.

﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (11)

11 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما أصابهم من الضرّاء إيمانا بالله واحتسابا للأجر ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ في جميع أحوالهم وخاصة بعد كشف الضراء عنهم وتبديل النعماء بها ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تمحو ذنوبهم وتسترهم من الفضيحة ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ في الآخرة.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (12)

12 - ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي لا تعجل في الترك بل كن من الصابرين الذين يعملون الصالحات، وهو ارتباط الآية بما قبلها، وقالوا إنّ لعل هنا للتبعيد وليس للترجّي، والخطاب للنبي ﷺ، فالمعنى يستحيل أن تترك بعض ما يوحى إليك ويستحيل أن يضيق به صدرك، والترك المشار إليه هو ما يشقّ على المشركين سماعه كالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والإنذار والوعيد الشديد لهم أنظر الآية (2)﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ لأنّ كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، أو أنزل عليك من الرزق ما تستغني به وتغني أتباعك وأنصارك من الكد والعناء، وإن كنت صادقا فهلاّ أنزل الله معك ملكا يشهد على نبوّتك ويعينك على أمرك فتزول الشبهة عن دعوتك، والخلاصة أنهم أحجموا عن استعمال عقولهم في فهم الدعوة، وأصرّوا على أدلّة مادية حسية ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا أن تنذرهم بالدعوة وتدعوهم لاستخدام العقل، والباقي على الله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الموكل بأمور عباده والرقيب عليها، وليس عليك أيها النبي من أمور الخلق والتدبير شيء، وإنّما عليك البلاغ والدعوة.

319

سورة هود (11): آية 13

سورة هود (11): آية 14

سورة هود (11): آية 15

﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (13)

13 - بعد أن طلبوا المعجز بنزول كنز على الرسول ﷺ أو مجيء ملك معه، أجابهم أنّ المعجز هو القرآن وتحداهم بمعارضته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعموا أنّه جاء بالقرآن من عنده ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ أي افتروا من مثله ما استطعتم، والتحدي يفيد أنّ وحيا كالقرآن لا يمكن أن يصدر عن بشر ﴿وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من مثل آلهتكم التي تزعمون أنها تمدّكم في المصاعب وكهنتكم التي تلجؤون إليها وشعرائكم وخطبائكم وبلغائكم وحكمائكم، والمعنى أنّ الله وحده القادر على إنزال مثل هذا الوحي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى الافتراء، انظر شرح آية [يونس 38/ 10].

﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (14)

14 - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ استمرار الخطاب للمأمورين بدعاء من استطاعوا، أي إن لم يستجيب لكم من تدعون من دون الله إلى المعارضة بعشر سور مفتريات ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ أي هذا القرآن أنزل على محمد بمقتضى علم الله، مبينا لما أراد أن يبلغه لعباده من دينه على لسان رسوله ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ واعلموا أيضا أن الله تعالى وحده المختص بالألوهية وأحكامها، فاخلعوا الأنداد والآلهة واعبدوه وحده ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هل أنتم أيها الكفار مذعنون مستسلمون لطاعة الله.

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (15)

15 - علاقة هذه الآية بسابقتها أنّ غرض الكفار في مسعاهم هو الحياة الدنيا بما فيها من المادة والزعامات والوجاهة وليس هدفهم الوصول إلى الحقيقة ولا التعرف عليها، لا سيّما أن فكرة التوحيد ومبادئ الأخلاق التي نزل بها الوحي تتعارض مع مصالحهم الدنيوية، والآية وإن نزلت في كفار مكة فمغزاها صالح في كل مكان وزمان:

320

سورة هود (11): آية 16

سورة هود (11): آية 17

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بأعماله ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ التمتع بالدنيا فقط دون الاستعداد للآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها﴾ يحصلون على ثمرة أعمالهم في الحياة الدنيا وفق سنته تعالى في نظام الأسباب والمسببات ونظام الأقدار، حتّى لو أنكروا القرآن وزعموا أنه افتراء ﴿وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون - بسبب كفرهم - من نتائج كسبهم، لأن مدار الأرزاق على الأعمال السببية، لا على النيات والمقاصد الدينية، ولا يمنع ذلك أنّ لهداية الدين لحسن المعاملة والأمانة والاستقامة تأثيرا إيجابيا في الوصول إلى المطلوب.

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (16)

16 - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ أي أولئك المتهالكين على الدنيا والغافلين عن الآخرة، ينتهي بهم المطاف إلى دار العذاب المسماة بالنار، فيحصل عكس مقصودهم لقصور فكرهم عن إدراك الحياة الآخرة ولاعتقادهم أنّ الدنيا هي نهاية المطاف ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ ممّا ظاهره البر والإحسان فلا يثابون عليها في الآخرة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لبطلان العمل بلا إيمان،

﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (17)

17 - هذه الآية متعلقة بما قبلها وتقدير الخطاب: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ البيّنة هي الدليل العقلي، أي من هو في سلامة الفطرة والعقل السليم بحيث يكون على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة والتمسك بالعقائد السليمة، وأيضا: من كان من أهل الكتاب على بينة من ربّه بإدراكه حقيقة رسالة موسى وعيسى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي وهو يتلو القرآن معتبرا

321

معانيه، والضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ يعود إلى القرآن الكريم فالإشارة إليه في الآية (13) إذ هو نفس الضمير في قوله ﴿اِفْتَراهُ﴾،

﴿شاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي القرآن الكريم - بإعجازه - شاهد منه تعالى بأنه تنزيل إلهي، وهو أيضا يشهد بصحة البينة ويؤيد الدليل العقلي، ويصدّق الصحيح المتبقي من التوراة والإنجيل، وقد يكون المعنى أيضا أنّ الإعجاز القرآني شاهد من القرآن يشهد أنه من عند الله.

وقد يعود الضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ أيضا إمّا لمن ﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أو للبينة نفسها بالنظر إلى المعنى، فيكون المقصود: ويتلوه أي يليه الوحي الإلهي المنزّل على الأنبياء الذي ختم بالقرآن.

﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿كِتابُ مُوسى﴾ التوراة التي تلت البيّنة في حينها - والمقصود التوراة الأصلية وليست المحرفة التي عند اليهود - ﴿إِمامًا﴾ وهو القرآن، أي يؤتّم ويقتدى به في العقائد والعبادات والمعاملات ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن يهتدي به ﴿أُولئِكَ﴾ أي الموصوفون أنهم على بينة من ربهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ من أصناف الكفار في كل وقت ممّن تحزّب ضد الإسلام ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ في عذاب الآخرة ﴿فَلا تَكُ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شكّ من الوعد، أو من القرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كاملا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانا كاملا، بالنظر لتحريفهم في كتب أنبيائهم، ولاستكبار زعمائهم وكهنتهم وحرصهم على الزعامة، ولحرص العامة على تقليد زعمائهم وأسلافهم.

وقد رأى الألوسي أنّ في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي، والنقلي، ومعنى كون الثاني تاليا للأول - من حيث أنه يتبعه - أنه موافق له لا يخالفه، ومن هنا قالوا إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، فالآيات النقلية القرآنية توافق الأدلة العقلية وتؤيدها، ولذا أوّلوا الدليل النقلي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي.

322

سورة هود (11): آية 18

سورة هود (11): آية 19

سورة هود (11): آية 20

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (18)

18 - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بالإدعاء أن القرآن مفترى وأنه ليس كلام الله وهم المشار إليهم بالآية (13)، ﴿أُولئِكَ﴾ المفترون ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ وهم الرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم، انظر آية [النساء 41/ 4]، وقيل المراد بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وهو قول الأشهاد ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي بعدا لهم من رحمة الله،

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (19)

19 - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهم الظالمون المشار إليهم آنفا، ليس فقط أنهم على ضلال بل يحاولون إضلال غيرهم عن الدين الصحيح ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يبتدعون لها اعوجاجا إذ يصفون دين الله بالانحراف عن الصواب بابتداع الشبهات من عندهم، كما أنهم يبغون اعوجاج الناس عنها ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ استبعادا لمسؤولياتهم الأخلاقية،

﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (20)

20 - ﴿أُولئِكَ﴾ الذين يفترون الكذب ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يكونوا معجزين الله أن يعاقبهم في الحياة الدنيا ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ يتولّون أمرهم وينصرونهم ويمنعون عنهم العقاب، لكن حكمته تعالى اقتضت إمهالهم إلى يوم الحساب وإعطاءهم فرص التوبة ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ لإصرارهم على الضلال والباطل، ولسعيهم إضلال غيرهم وصرف الناس عن الحق ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ليس أنهم فقدوا حاستي السمع والبصر، ولكنهم لما رجح عندهم من حب الدنيا والتمسك بالمادة والزعامة وعدم الفكاك من

323

سورة هود (11): آية 21

سورة هود (11): آية 22

سورة هود (11): آية 23

سورة هود (11): آية 24

التقليد والقيود الاجتماعية، جمّدوا أفهامهم على مواقف مسبقة، فأصرّوا أن القرآن مفترى، وصمموا على الضلال والإضلال، وأغلقوا سمعهم وبصيرتهم عن دراسة القرآن دراسة موضوعية وبذهن منفتح.

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (21)

21 - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، خسروها بالسعي وراء الباطل في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من عقائد مادية، وآلهة مختلقة، وشفعاء مزعومين، وأنصاف حقائق،

﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (22)

22 - ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى حقّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لأنّ الخسارة الكبرى هي خسارة الأنفس.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (23)

23 - بعد أن ذكر تعالى عاقبة الكافرين وخسرانهم، أتبعه بذكر عاقبة المؤمنين وخلودهم في الجنة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكل ما يجب التصديق به من القرآن وغيره ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الأعمال الصالحات ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ خضعوا له وخشعوا واطمأنّت نفوسهم إليه ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (24)

24 - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ المذكورين من الكفار والمؤمنين ﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ﴾ الكفار الذين عميت بصيرتهم، وصمّوا آذانهم عن الحق ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ المؤمنون الذين أبصروا الحقيقة بعقولهم وسمعوا القرآن سماع تفهّم وتدبّر للمعاني ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ بل هما على طرفي نقيض في استخدام الملكات العقلية ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الكفار ما هو مغروس في فطرتكم من معرفة الخالق والتوحيد، بالعهد الفطري المقطوع عليكم عندما كنتم في الأصلاب،

324

سورة هود (11): آية 25

سورة هود (11): آية 26

سورة هود (11): آية 27

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (25)

25 - قصة نوح سبق ذكرها مختصرة مرتين في ترتيب المصحف: الأولى في سورة [الأعراف 59/ 7 - 64]، والثانية في سورة [يونس 71/ 10 - 74]، ذكرت كل منها بعبر مختلفة عن الثانية، وفي هذه السورة ترد بمزيد من التفصيل، والقصة هنا معطوفة على ما ذكر في أول السورة من بعثة النبي ﷺ، بل هي عطف على الآيات (24/ 1)، ولبيان أن حال النبي مع قومه كحال من قبله من الرسل من الرفض والتكذيب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وهو قول نوح لقومه إنه ينذرهم بيوم الحساب.

﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (26)

26 - ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أنذركم بألاّ تعبدوا إلاّ الله ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وهو يوم الحساب كونه أليما للكفار الظالمين.

﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ (27)

27 - ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي فبادر الملأ من كبار القوم، واقتران جوابهم بالفاء لأنه الأصل في الردّ السريع، أي إنهم بادروا بالرفض فورا بما يبطل دعوة نوح بزعمهم، وفي سورة الأعراف ورد قولهم مفصولا لا يعلم متى وقع منهم: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف 60/ 7] وهو من إعجاز القرآن، وقالوا إنّ كبار القوم سمّوا ملأ لأنهم يملؤون الأعين هيبة وأبهة، أو لأنهم يتمالؤون ويتساندون ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَرًا مِثْلَنا﴾ وهي الشبهة الأولى عندهم، تعريضا بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في أحد من الناس لجعلها فيهم ﴿وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾ وهي الشبهة الثانية، أي اتّبعه من الفقراء والضعفاء من هم دونهم في الطبقة الاجتماعية، وهو دأب المترفين مع رسلهم من قبل، وأكثر ضعاف الناس وفقرائهم يقبلون الحق عادة إذا فهموه لعدم استكبارهم عن اتباع غيرهم،

325