بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 326 - 333

سورة هود (11): آية 28

سورة هود (11): آية 28

ولتطلّعهم إلى تحقق العدالة الاجتماعية في الدنيا وإلى سعادة الآخرة، وهذه النقطة الثورية بالذات جعلت مهمات الرسل والأنبياء بغيضة في قلوب الطبقات الحاكمة والطبقات المهيمنة على المجتمع ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي سارعوا إلى اتّباعك في بادي الرأي أي في ظاهره وما يبدو منه، أو في بادئه وأوّله قبل التفكير فيه والتمعّن في حقيقته ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ في القوة والمال والجاه ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ فيما تدّعونه جميعا، نوح في النبوة، وأتباعه في تصديقه، وقد احتاطوا بالظن دون الجزم تكريما لأنفسهم.

﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (28)

28 - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن رأيكم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ البيّنة ما يتبيّن به الحق، وهي الدليل العقلي المؤيد بالفطرة السليمة بحيث يكون المرء على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة، ومغزى قول نوح: ما رأيكم إن كنت على بيّنة ظاهرة منه تعالى ليست من عندي وكسبي البشري الذي تشاركوني فيه وإنما فوق ذلك:

﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهي النبوّة وتعاليم الوحي التي هي سبب رحمة الله لمن يهتدي، انظر آية [البقرة 105/ 2] وآية [آل عمران 74/ 3] في معنى الرحمة بأنها الوحي ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حجبها عنكم غروركم وعنادكم واستكباركم ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنلزمكم البيّنة بالإكراه ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ في حين أنكم منكرون لها؟ والمعنى لا نفعل ذلك، لأنّ الإسلام لا يصحّ إلاّ بإيمان الإذعان بمطلق إرادة الفرد وحريته، ولا إكراه في الدين، وتلك سنته تعالى في البشر أن الإيمان لا يكون بالإلزام، وأن الكاره للشيء لا تتوجه إرادته إلى طلبه ولا إلى فهم ما يدل عليه من الحجج والآيات، وأن دعوة الرسل والدعاة يجب أن توجّه إلى ما لدى الناس من الاستعداد للنظر والاستدلال، وفي ذلك إشارة للآية (17)﴾.

326

سورة هود (11): آية 29

سورة هود (11): آية 30

سورة هود (11): آية 31

﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (29)

29 - ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا﴾ لا أسألكم على تبليغ الدعوة مالا ولا أسعى وراء مصالح دنيوية ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما زعمتم أنهم أراذل الناس ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ وهو يتولّى حسابهم وجزاءهم لما يتّهمون به أنهم آمنوا بادي الرأي، وليس على الرسول أن يشقّ قلوبهم ليتأكد من صحة وصدق إيمانهم ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ تجهلون دعوتي لكم، وتجهلون أنّ الناس لا يقاسون بالجاه والمال وإنما بالعلم، والآية شاهد على تفضيل الرسل أدنى المؤمنين من أتباعهم على أعظم الكبار من خصومهم.

﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (30)

30 - ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي لا تستطيعون ذلك أنتم ولا غيركم، وكانوا يسألونه أن يطردهم كي يؤمنوا هم به، أنفة وكبرياء أن يكونوا معهم على سواء ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أن العبرة بالإيمان والعمل وليس بالشرف والنسب.

﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (31)

31 - ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ لأن ضعاف العقول والكفار والمشاغبين في كل العصور، يتوهمون أو يريدون أن يتوهّموا أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلاّ أن تكون له من خصائص الألوهية أو تكون له قدرات خارقة لا يستطيعها البشر، فأجابهم أن ليس من موضوع النبوة أن يكون الرسول قادرا على التصرف بالمخلوقات وتغيير الأسباب والمسببات ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ممّا اختص به تعالى في علمه، ومن سرائر العباد، ومن ثمّ لا أجزم

327

سورة هود (11): آية 32

سورة هود (11): آية 33

سورة هود (11): آية 34

إن كان إيمان المستضعفين عن عقيدة، أو عن طلب دنيا، فذلك موكول إلى الله تعالى وللإنسان الظاهر فقط ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وهو ردّ على قولهم إنه بشر مثلهم ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ من ضعاف الناس المؤمنين وتريدون مني طردهم ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا﴾ لا أجزم أنّه تعالى لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من صدق العقيدة، أو طلب الدنيا، وهو وليّ أمرهم، وربّما كان باطنهم من الإيمان كظاهرهم فيؤتيهم الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إن حكمت عليهم بالظنّ وطردتهم كي تنتظموا في صفوفي.

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (32)

32 - بعد أن أفحمهم نوح بالحجج على مدى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت 14/ 29]، ضاقوا به ذرعا وهم مصرّون على العناد والمكابرة حتى وصل عجزهم معه إلى حدّ اليأس فقالوا له: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ دون أن تقنعنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أتيت بأنواع كثيرة من الجدال، فأطلتها خلال هذه السنين الكثيرة، انظر آيات [نوح 5/ 71 - 6]، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من العواقب الوخيمة أو العذاب المعجّل ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوتك لنا.

﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (33)

33 - ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ﴾ أي إنّ نزول العذاب ليس إليّ، ولا في قدرتي، وإنّما هو لله تعالى الذي كفرتم به، يأتيكم بالعذاب عاجلا أو آجلا إن تعلقت به مشيئته المعلقة بالحكمة ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا سبيل لكم للإفلات منه.

﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (34)

34 - ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إذا عرف الله تعالى من الكافر إصرارا خلاّه وشأنه ولم يلجئه إلى

328

سورة هود (11): آية 35

سورة هود (11): آية 36

الإيمان، ويسمّى ذلك إغواء وإضلالا، والمعنى: إن كنتم أيها الكفار من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله وألطافه فكيف ينفعكم نصحي؟ أو: إن اقتضت سنته تعالى أن تكونوا من الغاوين بمقتضى ارتباط الأسباب بمسبباتها فلا ينفعكم نصحي، والغيّ الفساد المعنوي، وهو أيضا الخيبة، والإغواء وقوع الغواية والخيبة بمقتضى سنة الله تعالى في تأثير أسبابهما من الأعمال الاختيارية لصاحبها ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقكم والمتولّي أموركم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.

﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ (35)

35 - يلاحظ في هذه الآية انتقال مفاجيء في الخطاب من الماضي - في حوار نوح مع قومه - إلى المضارع لذا قال بعضهم إنّها معترضة وذات ارتباط بالآية (13)، بمعنى أنّها دحض لادعاء مشركي مكة أن قصة نوح مفتراة، غير أنه يحتمل أنّ الآية من قصة نوح ولا مقتضى لاعتراضها في وسطها:

﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ أي أم يقول مشركو مكة أن النبي ﷺ قد افترى ما يحكيه عن قصة نوح - أو يقول قوم نوح أنه يفتري الكلام عن الله - ﴿قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ إن صحّ وثبت أني افتريته فعليّ عقوبة إجرامي أي افترائي ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أثبت الإجرام عليهم وهو اتهامهم له بالافتراء وتكذيبهم الوحي.

﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (36)

36 - ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ لم يعد يرجى أدنى أمل من إيمان الباقين ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لا تحزن من عنادهم، وقد آن وقت العقاب.

329

سورة هود (11): آية 37

سورة هود (11): آية 38

سورة هود (11): آية 39

سورة هود (11): آية 40

﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (37)

37 - ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة التي سوف يتم بها إنقاذ نوح وأتباعه من الغرق، والفلك يطلق على المفرد والجمع من السفن ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ وأنت محفوظ برعايتنا أي بعنايته تعالى محفوظ من الأعداء، وجمع الأعين لإفادة شدّة العناية الإلهية بالمراقبة والحفظ ﴿وَوَحْيِنا﴾ بإلهامنا لك كيف تصنع الفلك فلا تخطيء فيه ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فتطلب لهم الرحمة ودفع العذاب عنهم، وفيه إشارة إلى رقة قلب نوح كما هو شأن الصدّيقين ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي محكوم عليهم بالغرق.

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ (38)

38 - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وأقبل يصنع الفلك ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ لظنّهم أن أصبح به مسّ من الجنون إذ يصنع سفينة لا حاجة لها على اليابسة ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لحسبانكم أنّ ما نصنعه يثير السخرية أو تظنّون بنا الجهل أو الهوس ﴿فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ لما أنتم عليه من جهل وكفر ومن ثمّ لما تعرّضون به أنفسكم لسوء العاقبة ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ منّا، فنحن أولى أن نسخر منكم وليس العكس، وفي الآية إشارة إلى الفارق الكبير بين من يعلم حقائق الأمور وبين من هو مغرور بالظاهر.

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (39)

39 - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد إتمام الفلك ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة.

﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (40)

40 - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بهلاكهم ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ قيل هو تنور الخبز المعروف، ابتدأ منه الينبوع على غير العادة، وكان ذلك علامة لنوح عليه

330

سورة هود (11): آية 41

سورة هود (11): آية 42

السلام، والفوران شدة الغليان، وقيل ليس المراد تنورا معيّنا بل الجنس، والمراد فار الماء من التنانير، لقوله تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر 12/ 54]، فيكون بدء فوران الماء وتفجير الأرض عيونا من أماكن التنانير أو الينابيع لأن الينبوع من باطن الأرض كالتنور في تجويفه، ولذا فسّروا التنور أيضا بسطح الأرض ﴿قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها﴾ في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ من الحيوانات ﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكر وأنثى، وليس بالضرورة أن نوح عليه السلام حمل زوجين من كل أنواع الحيوانات، بل حمل فقط الأليفة منها بما سوف يحتاجه بعد النجاة، فالطوفان لم يكن عامّا لأن المقصود إغراق قوم نوح الذين أصرّوا على الكفر وليس المعمورة بأسرها كما تزعم كتب اليهود ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرقين، استثناهم لكفرهم ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ عطف على الأهل المحمولين في الفلك، وهم قلّة: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي إن القلّة فقط من قوم نوح آمنوا،

﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (41)

41 - ﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ وهو قول نوح عليه السلام عندما أمرهم بركوب السفينة امتثالا لأمره تعالى في الآية السابقة، أمرهم قائلا: اركبوا فيها قائلين باسم الله، أي بقدرته حين تجري وحين ترسو، لا بحولنا وقوّتنا ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعباده إذ لم يهلكهم جميعا بذنوبهم وتقصيرهم وإنما يغرق المصريّن على الكفر منهم.

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (42)

42 - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ لشدة فوران المياه وتفجّرها من وجه الأرض وانهمارها من السماء ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ بدافع عاطفة الأبوّة، قبل انقطاع الصلة بين السفينة الجارية وبين البر ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ لأنه عزل نفسه عن أبيه وعن أهله وعن المؤمنين، والعزلة حقيقة في المكان، ومجازا في العقيدة ﴿يا بُنَيَّ﴾ قالها تحببا إليه ﴿اِرْكَبْ مَعَنا﴾ مع أهلك والمؤمنين ﴿وَلا تَكُنْ﴾

331

سورة هود (11): آية 43

سورة هود (11): آية 44

﴿مَعَ الْكافِرِينَ﴾ في العقيدة، وهو نهي عن مشايعة الكافرين، والمغزى أن الدخول في غمارهم يوجب الغرق،

﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (43)

43 - ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ﴾ ألجأ إلى جبل عال ﴿يَعْصِمُنِي﴾ يحفظني بارتفاعه ﴿مِنَ الْماءِ﴾ فلا يصل الطوفان إليّ، قال ذلك ظنّا منه أن ارتفاع الماء أمر معتاد يحصل وقت السيول فيمكن الاتقاء منه بالصعود إلى جبل من الجبال دونما حاجة لركوب السفينة، جهلا منه أنّ الطوفان كان لإهلاك الكفرة فلا بدّ أن يدركهم أينما كانوا ﴿قالَ﴾ له أبوه مبيّنا له حقيقة الحال ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ للمبالغة في نفي كون الجبل أو غير الجبل عاصما للكفار من وقوع الواقعة، وقوله ﴿الْيَوْمَ﴾ للتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام التي ربما تكون فيها النجاة بالالتجاء للأسباب العادية ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ وهو الله سبحانه، إشعارا بعلية رحمته وسبقها غضبه، وتعظيما له جلّ شأنه ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ بين نوح عليه السلام وبين ابنه فانقطع الحوار بينهما ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ مع سائر الكفرة الذين أغرقوا.

﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (44)

44 - ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ﴾ على سبيل المجاز عن الإرادة العليا وتمثيلا لكمال قدرته تعالى وانقياد العقلاء وغير العقلاء لأمره وتدبيره، والمراد من بلع الأرض للماء جفافها ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ كفّي عن الإمطار، فما هي إلاّ أن قيل كن، فكان ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ غار في الأرض ونضب ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين إشعارا بأن لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه ﴿وَاِسْتَوَتْ﴾ استقرّت السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الجبل المعروف بالجوديّ الواقع قرب بحيرة فان - في أقصى الشرق من تركية اليوم - على بعد حوالي أربعين

332

سورة هود (11): آية 45

سورة هود (11): آية 46

كيلومترا إلى الشمال الشرقي من جزيرة ابن عمر الواقعة بأقصى الشمال الشرقي من منطقة الجزيرة السورية، والجوديّ جزء من سلسلة جبال آرارات الممتدة من أرمينية حتى كردستان ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا الهوى دون الحق، وجعلوا الطبيعة مكان الشريعة، والمعنى هلاكا لهم وبعدا، بحيث لا يرجى عودتهم، وخصّ بدعاء السوء

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (45)

45 - ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ بعد رسو السفينة على الجوديّ ﴿فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني بنجاة أهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ أعلم الحكام وأعدلهم، وقد يكون أنّ سؤال نوح عن حال ابنه في الآخرة، لعلمه أن سبق عليه القول بالغرق (الآية 40)، ويحتمل أيضا أنّ نوحا التبس عليه أمر ابنه إن كان من الذين سبق عليهم القول أم لا، إذ لم يكن مطلعا على باطن أمره فلذلك سأل.

﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (46)

46 - ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ المعنى هو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، لأن الوعد مقتصر على نجاة من آمن من أهل نوح وباستثناء الكافرين منهم ممّن سبق عليه القول، كما يحتمل المعنى أيضا أنّ الابن ليس من أهل نوح أي ليس من أهل دينه، فيكون عماد الأهلية هو القرابة الدينية التي تنقطع بالكفر ﴿إِنَّهُ﴾ أي الابن ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أي ذو عمل غير صالح، بحذف المضاف لجعل الابن كأنه العمل الفاسد نفسه للمبالغة، ويحتمل تقدير الخطاب أيضا: إنه - أي الابن - عمل عملا غير صالح ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ممّا هو في علم الغيب أو ممّا ليس لك به علم صحيح أنّه حق وصواب ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ الذين يسألون أن يبطل تعالى تشريعه أو حكمته وتقديره في خلقه إجابة لشهواتهم وأهوائهم في أنفسهم وأهليهم ومحبيهم،

333