بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 358 - 365

سورة هود (11): آية 122

سورة هود (11): آية 122

سورة هود (11): آية 123

﴿وَاِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (122)

122 - ﴿وَاِنْتَظِرُوا﴾ ما تتمنّون لنا من انتهاء أمرنا بالهلاك أو الفشل ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما وعدنا ربّنا من النصر، وظهور هذا الدين ولو كره الكافرون.

﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (123)

123 - ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له وحده علم الغيب، ممّا لا يعرفه أحد من البشر ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فيرجع إليه أمر المؤمنين وأمر الكفار ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ما دام عنده علم الغيب، وإليه ترجع الأمور، فاعبده كما أمرت، من عبادة شخصية قاصرة عليك، وعبادة متعدية النفع لغيرك، وهي الدعوة إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وتوكل عليه ليتم لك ما وعدك، ما لا تبلغه باستطاعتك، فالتوكل لا يصح بغير العبادة، والأخذ بالأسباب المستطاعة، ومن دونهما يكون التوكّل من التمني الكاذب والآمال الخادعة، كما أن العبادة، وهي ما يراد به وجه الله من كل عمل، لا تكمل إلا بالتوكل الذي يكمل به التوحيد ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ من مؤمنين وكفار، فيوفيكم جزاءه في الدنيا والآخرة.


358

سورة يوسف - 12 - مكية

المقدّمة

نزلت في المرحلة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وقالوا إن يونس نزلت، ثم هود، ثم يوسف، بهذا الترتيب.

نبذة تاريخية

روى البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام "، كان ليعقوب اثنا عشر ولدا من أربع زوجات، أصغرهم يوسف وبنيامين من زوجة واحدة، والباقون من الزوجات الثلاث الأخر، وقد أخذت السيارة يوسف من فلسطين إلى مصر [يوسف 19/ 12] خلال حكم الهكسوس لها، والهكسوس قبائل من أصل عربي ارتحلت من فلسطين وسورية إلى مصر وحكمت الجزء الشمالي منها خلال الفترة (1630 ق م - 1520 ق م)، ويشير إليهم المؤرخون باسم الملوك الرعاة، كما يشير إليهم المؤرخون والمفسرون العرب باسم العمالقة، ويبدو أن أصلهم العربي الفلسطيني ساعد في تقبلهم يوسف وفي تبوئه الزعامة عندهم، خاصة أن لغتهم كانت واحدة وهي اللغة العربية، أما العبرية فلم تكن سوى لهجة من اللهجات العربية انبثقت عنها، وقد نسبوا إلى الهكسوس اختراع الأبجدية السامية المكونة من 22 حرفا والتي، من خلال الفينيقيين، صارت أم الأبجديات الحديثة كما ساهمت في تحول الكتابة المصرية الهيروغليفية من الحروف التصويرية إلى الحروف الصوتية.

359

وذلك يفسر أيضا استيطان بني يعقوب في مصر زمن يوسف وبعده ونفوذهم الديني والسياسي في مصر طيلة حكم الهكسوس، وقد كانت بعثة يوسف إلى المصريين مقدمة لبعثة موسى عليه السلام لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر 34/ 40]، مما يدل أن قبول بعثة يوسف كان مقتصرا على الهكسوس دون عامة المصريين، والثابت أن الهكسوس حكموا شمال مصر فقط واتخذوا مدينة أفاريس Avaris في الشمال الشرقي عاصمة لهم، في حين انتقل حكم المصريين من عاصمتهم ممفيس Memphis في الشمال إلى عاصمتهم الجديدة طيبة Thebes في الجنوب - الأقصر حاليا - مستقلين عن الهكسوس.

ثم حصل الارتكاس إلى الوثنية بعد خروج الهكسوس من مصر وتعرض بنو يعقوب - إسرائيل - لاضطهاد الفراعنة إلى أن كانت بعثة موسى عليه السلام، مما ذكر القرآن الكريم بعض تفصيله، انظر مثلا آية [البقرة 49/ 2] و[غافر 25/ 40].

ونلاحظ الدقة الفائقة والإعجاز في السورة من حيث إشارتها إلى لقب "الملك" في آيات عديدة (76، 54، 50، 43) وهو ملك الهكسوس، وليس فرعون مصر على النقيض من زعم العهد القديم بأنه فرعون (سفر التكوين 1/ 39)، ذلك أنّ لقب فرعون خاص بحكام مصر، وقد بقي الهكسوس في مصر لحين ظهور ما يسميه المؤرخون: "الامبراطورية الجديدة " New Empire (1075 - 1539 ق م) التي امتدت أراضيها خارج مصر فشملت سورية والعراق، وقد بدأت بحكم السلالة الثامنة عشرة th dynasty ^18 وهي السلالة الفرعونية التي أخرجت الهكسوس من مصر، وكان أخناتون - أمنحوتب الرابع - وهو أحد فراعنة الامبراطورية الجديدة من السلالة الثامنة عشرة هو الذي ابتدع عبادة الشمس في عاصمته الجديدة، العمارنة، وسط مصر بعد أن نقل العاصمة إليها من طيبة في الجنوب، ثم قامت بعد ذلك السلالة التاسعة عشرة 19^ th

360

dynasty التي كان منها رمسيس الثاني - الكبير - فرعون الاضطهاد، ومنبتاح فرعون الخروج الذي أخرج بني إسرائيل من مصر عام 1213 ق. م. وتلا ذلك تفكك الامبراطورية الجديدة وسقوطها ثم استيلاء الليبيين على حكم مصر، وبعدهم النوبيون، ثم الفرس، ثم الإسكندر الكبير والبطالسة، ثم الرومان، ثم الإسلام، وقد يكون ذلك معنى قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان 28/ 44].

ونلاحظ أيضا إشارة السورة إلى لقب "العزيز" في مصر، الذي يبدو أنه الوزير المفوض عند ملك الهكسوس، قال مالك بن نبي في كتابه "الظاهرة القرآنية": لقد تكيفت الثروة اللفظية التي جاء بها القرآن الكريم في جميع تفاصيلها تكيفا رائعا، كما حدث لذلك الاسم الخاص - المذكور في رواية سفر التكوين - بوتيفار أو قطفير Potiphare والذي أطلق عليه القرآن لقب "العزيز"، ولنا أن نتساءل إن كان هنالك صلة في المعنى بين الاسم الإسرائيلي واللقب القرآني، فالتفسير العبري يبدو أنه يقصد بكلمة بوتيفار اشتقاقا مصريا من الأصل " favori-Puti عزيز" والأصل: " Phare مستشار أو ناصح"، ونقلا عن بحث القسيس فيجورو Vigoureux (الكتاب المقدس والوثائق العلمية) في الموضوع نعرف أن هذه الكلمة مصرية مركبة معناها "عزيز الإله"، ولكن التكييف الاشتقاقي القرآني قد حذف اللفظ الإضافي ليتمثله في صورة أكثر تطابقا مع روح التوحيد الإسلامية فإذا به يكتفي بلفظ "العزيز"، ولذا قال يوسف لصاحبيه في السجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف 39/ 12].

وبحسب العهد القديم (سفر التكوين) فإن يوسف عليه السلام كان ابن سبعة عشر عاما أو نحوها عندما وصل مصر، فأقام في بيت العزيز عامين أو ثلاثة، ثم سجن ثماني أو تسع سنوات، ثم تولى منصب العزيز في مصر [يوسف 78/ 12] وهو في الثلاثين من عمره، وعمّر حتى بلغ المئة وعشرة أعوام، وإذا صح

361

ذلك فيكون يوسف تقلد منصب العزيز عند ملوك الهكسوس لفترة 80 عاما من أصل 110 أعوام فترة وجودهم في مصر، وخلال تلك الفترة هاجر بنو إسرائيل يعقوب إلى مصر لقول يوسف لإخوته: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف 93/ 12] وكان عددهم وقتئذ سبعين فقط بحسب سفر التكوين (27/ 46)، ثم بقوا في مصر بعد خروج الهكسوس فحكمهم فراعنة "الإمبراطورية الجديدة" حتى خروجهم مع موسى عليه السلام فتكون فترة بقائهم في مصر حوالي أربعة قرون من الزمن ازداد عددهم خلالها حتى بلغ أكثر من ستمئة ألف وقت خروجهم من مصر بحسب ما زعمه سفر الخروج (37/ 12)، مما يدل أن الكثير من المصريين دخلوا في ديانتهم وخرجوا من مصر معهم، ومما يدل أيضا أن تعبير بني إسرائيل وقتها لم يكن تعبيرا عنصريا مقتصرا على سلالة يعقوب وإنما شمل كلّ من اهتدى بهدي يعقوب ويوسف وصار مسلما، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة 133/ 2].

ارتباط السورة بما قبلها

المناسبة بين سورة يوسف وبين سورة هود المتقدمة أنها متممة لما جاء فيها من قصص الأنبياء عليهم السلام، وهي أطول قصة في القرآن الكريم، وقد اختتمت سورة هود بقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود 120/ 11]، ثم تفتتح سورة يوسف بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ [37/ 12]، وتختتم بقوله تعالى:

﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [111/ 12]،

362

وفي سورة هود كان تركيز قصص النبيين على مجيئهم أقوامهم بالبينة - الدليل العقلي -، وبالوحي، وكذا في سورة يوسف نقرأ الدليل العقلي في قوله تعالى على لسان يوسف: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [40/ 12]، ورحمته تعالى ليوسف بالوحي: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (56)، كما في آيات (هود 28/ 11) و(هود 63/ 11).

محور السورة

لاحظ الرازي تشابها شديدا بين قصة يوسف مع أخوته وبين قصة النبي ﷺ مع قومه في الكثير من مراحل دعوته لدرجة أن السورة كانت تذكرة لقريش بكيدها السيئ، وبما ستؤول إليه عاقبتها مع النبي ﷺ، فقد فشل أخوة يوسف في كيدهم ضده حتى انتهى بهم المطاف أن خرّوا له سجّدا، تماما كما كادت قريش للنبي ﷺ تريد قتله حتى انتهى بها المطاف أن طلبت منه الرحمة بعد فتح مكة، وقد أشارت الآية (7) إلى هذا المغزى سلفا، وهكذا عن طريق الربط بين قصة يوسف وبين سيرة النبي مع قومه تنبأت السورة عمليا بالخاتمة التي صدّقتها الأحداث خلال عشر سنوات تقريبا، إذ قال النبي ﷺ لقريش بعد الفتح:

» أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وتدور السورة حول قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ [يوسف 40/ 12، 67]، فكأن هذه الآية تهيمن على جميع مجريات الأحداث في قصة يوسف عليه السلام، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة 216/ 2]، ففيها إشارة إلى الحكمة الإلهية في مجريات الأمور، الخافية عن معظم الخلق.

363

وقوله تعالى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف 104/ 12 - 105]،

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (1)

سورة يوسف (12): آية 1

سورة يوسف (12): آية 2

سورة يوسف (12): آية 3

1 - ﴿الر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة 1/ 2]، يوسف هي الثالثة من السور التي تفتتح بحروف ﴿الر﴾، وقد افتتحت بها ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿الْمُبِينِ﴾ الظاهر أمره الواضح في الإعجاز، والواضح لمن يتدبره أنه من عند الله وليس من كلام البشر، وهو أيضا يبيّن حقيقة الدين ومصالح البشر، كما يفصح عن الأشياء المبهمة ويبينها للناس.

﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (2)

2 - ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء 198/ 26 - 199]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد،

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تستخدمون عقولكم في معانيه، فالقرآن موجّه إلى العقل البشري، لأن العواطف وحدها لا تشكل أساسا كافيا للإيمان.

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (3)

3 - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لا يعني أنّ قصة يوسف أحسن القصص، وإنّما يعود الحسن إلى حسن البيان وإعجازه، كما يعود إلى دقة

364

سورة يوسف (12): آية 4

ومغزى المعاني وصحتها، والعبر الأخلاقية منها، وإلاّ فالقصة مذكورة في كتب اليهود (سفر التكوين بالفصول 37 - 50) بثغرات عديدة واختلافات كثيرة عن القصة القرآنية، إذ إنّ قصة سفر التكوين خالية من المباديء الأخلاقية وقواعد السلوك السليم وفيها تمجيد واستحسان لأحابيل اليهود ضد المصريين، أما القصة القرآنية فهي أقرب إلى روحانية الموعظة وإظهار العبر والحكمة الإلهية من الكثير من الأحداث التي تخفى على معظم الناس، وقد أورد مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية وجوه التباين بالتفصيل بين القصتين في القرآن الكريم والكتاب اليهودي المقدس.

قال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل 103/ 16]، فهم يزعمون أن النبي ﷺ تعلم القرآن من كتب اليهود والمسيحية مع أن تلك الكتب أعجمية، كانت باللسان السرياني، طبعة البسيطة Peshitta، أو اليوناني، الطبعة السبعينية Septuagint، أو اللاتيني، الطبعة الشائعة Vulgate، ولم تترجم إلى العربية إلا بعد بعثة النبي ﷺ بحوالي أربعة قرون،

ويحتمل المعنى أيضا: نحن نقص عليك أحسن القصص بما فيها من العبر الهامة جدا: أن الحكم لله تعالى لا راد لمشيئته، الآية (67)، ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ بوحينا إليك هذا القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل هذا الوحي ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن قصة يوسف وأخوته، أو من الغافلين عن حقائق الدين والشريعة،

﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (4)

4 - وهي القصة المشار لها بأحسن القصص: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في الرؤيا وليس في الرؤية، لقوله ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ (5)، ولقوله ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ (100)﴾، والرؤيا وإن كانت بمعنى الرؤية إلا أنها

365