بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 366 - 373

سورة يوسف (12): آية 5

سورة يوسف (12): آية 5

مختصة بما كان منها في المنام فقط دون اليقظة ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ فسّر الكواكب بالأخوة وهم أخوته الأحد عشر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فسّر الشمس والقمر بالأب والأم ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ كناية عن تواضع الجميع ودخولهم تحت إمرة يوسف في المستقبل، وتكرار قوله ﴿رَأَيْتُ﴾ و﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ أنه في الأولى ذكر مجرد الرؤيا بالمنام، وفي الثانية لبيان صفة رؤيتهم في واقع الأمر بحال السجود أي متواضعين له خاضعين لأمره.

﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (5)

5 - ﴿قالَ﴾ يعقوب لابنه يوسف: ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ فهم يعقوب رؤيا ابنه، وعلم أن ابنه سيكون نبيا عظيما ذا سلطان يسود به حتى أباه وأمه وإخوته، وخاف أن يعلم إخوته بذلك ويفهموا الرؤيا فيحسدوه ويكيدوا لإهلاكه، فنهاه أن يقص رؤياه عليهم، وعلّله بقوله:

﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي يكيدوا له كيدا شرّا بنتيجة حسدهم، لأن الكيد قد يكون للخير أو للشر، كما في قوله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ (76)﴾، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس بين الناس بداعي الشر.

أما القصة اليهودية في سفر التكوين فتزعم أن يوسف أوغر صدر أبيه على إخوته فأخبره عنهم بريبة شنيعة، ثم أنه أخبر إخوته أولا بالرؤيا فحقدوا عليه، ثم أخبر أباه فوبخه قائلا: ما هذا الحلم؟ أمك وأنا ننحني أمامك؟ بمعنى أن يعقوب ظنّ رؤيا يوسف من قبيل التمنّي والتبجّح، وبالمقابل تبين الآية القرآنية أن يعقوب، بثاقب نظرته النبوية، علم ما سيكون من مستقبل ابنه في النبوة فازداد حبه له وعطفه وحرصه الشديد عليه، وخشيته عليه من كيد إخوته وحسدهم له، وأيقن بما أعدّه الله تعالى لابنه، قال الشيخ رشيد رضا: ولكن علم يعقوب ويقينه بذلك كان إجماليا لا تفصيليا، وقد جاءت قصته من أولها إلى آخرها تفصيلا لهذا الإجمال الذي هو من أبدع بلاغة القرآن الكريم.

366

سورة يوسف (12): آية 6

وقد ذكر الألوسي في روح المعاني إنّ اخوة يوسف لم يكونوا أنبياء، ونقل عن ابن تيمية قوله: ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا في الحديث ما يؤيد نبوتهم، وإنما احتج من قال بإنهم نبئوا بقوله تعالى ﴿وَالْأَسْباطَ﴾ [البقرة 140/ 2] و[النساء 163/ 4]، وفسروا ذلك بأولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس بنو آدم، كما أن قوله تعالى ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف 159/ 7 - 160] صريح في أن الأسباط هم الأمم من قوم موسى من بني إسرائيل، فلا معنى لتسمية أبناء يعقوب الاثني عشر أسباطا قبل أن تنتشر عنهم الذرية، فتخصيص الأسباط في الآية ببني يعقوب لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى، ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا، والصواب أيضا أنهم سمّوا أسباطا من عهد موسى عليه السلام وليس قبله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ [الأنعام 84/ 6] فذكر يوسف ولم يذكر الأسباط، أضف لذلك أن القرآن لم يذكر عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه اقترف مثل هذه الأمور المنكرة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وإرقاق الأخ وبيعه والكذب البيّن، فلو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه الأمور العظام عنهم لكفى، لأن الأنبياء - عند الأكثرين - معصومون عن صدور مثل هذه الذنوب قبل النبوة وبعدها، ومما يؤيد ذلك اعترافهم ليوسف بقولهم له: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (91)، أي الله تعالى آثرك علينا بمنصب النبوة، ولأن جميع المناصب تكون كالعدم بالنسبة إليه وأن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة (الرازي).

﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)﴾

367

سورة يوسف (12): آية 7

سورة يوسف (12): آية 8

6 - ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ استمرار الخطاب من يعقوب ليوسف، أي كما اختارك ربّك بمثل هذه الرؤيا العظيمة فهو يجتبيك أي يصطفيك ويختارك لأمور عظام ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ من معاني الرؤى وفهم مضامينها وما تؤول إليه، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أما مطلق التأويل والعواقب فلا يعلمه إلا الله، لأنّ الأحاديث بالمعنى العام لا تقتصر على الرؤى، وقد يكون تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة والرسالة والملك والرئاسة ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بإخراجهم من البدو، وتبوئهم المقام الكريم في مصر ثم بتسلسل النبوة فيهم إلى أجل معلوم ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ وهما جده وجد أبيه، إذ اختصهما تعالى بالنبوة وبالنجاة من المكاره ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ عليم بمن يصطفيه، حكيم باصطفائه، وبإعداد الأسباب وتسخيرها لمن يشاء.

﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ (7)

7 - ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ أي في قصتهم علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء، وهي كثيرة لمن تتّبعها، للراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها، لأنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها، دون عداهم،

﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (8)

8 - ﴿إِذْ قالُوا﴾ وهم إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ أخوه بنيامين، كان مع يوسف من أم واحدة، خلافا للباقين إذ كانوا أخوة يوسف وبنيامين لأبيهم فقط ﴿أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ كان يعقوب يحب يوسف خاصة لما رأى فيه من دلائل النبوة، وبالمقارنة مع باقي العشرة لما رأى فيهم من سوء الخلق والفساد والحسد ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ تبجحوا فيما بينهم أنهم مجموعة كبيرة أكثر قوة وأكثر قياما بمصالح الأب منهما، خاصة في مجتمع البدو حيث الأولاد الكبار هم الذين يدفعون المخاطر عن العائلة ويشتغلون بتحصيل الرزق والمنافع، ولذلك

368

سورة يوسف (12): آية 9

سورة يوسف (12): آية 10

نسبوا إلى أبيهم الضلال: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لما اعتقدوه من واقع أفضليتهم وأحقيتهم بحبه، ويحتمل أنهم ظنّوا الخرف بأبيهم لتقدمه في السن فنسبوا إليه الضلال بزعمهم.

﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ (9)

9 - ائتمروا فيما بينهم لما قوي حسدهم وبلغ منتهاه فوجدوا الحل في قتله:

﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فتتخلصوا منه ﴿أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ الطرح رمي الشيء وإلقاؤه، ويقال طرحت الشيء أي أبعدته، والمعنى أبعدوا يوسف واتركوه في أرض نائية بحيث لا يعود منها، وعللوا ذلك بقولهم: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فلا يتوجه إلى أحد غيركم، أي إذا افتقد الأب يوسف بعد أن شغفه حبا لم يجد بدّا من التفرغ لإخوته الباقين ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد ذهاب يوسف ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ أي تتوبون إلى الله من فعلتكم الشنيعة وتكفّروا عنها فيرضى عنكم أبوكم ويرضى ربكم، وهذا من وسواس الشيطان أنه يزيّن للناس سوء أعمالهم، والمغزى أن أمثال هؤلاء الناس يظنون أن بمقدورهم الجمع بين التقوى والصلاح من جهة وبين اقتراف الجريمة والسلوك الأناني من جهة ثانية، إذ يقومون بتعطيل متطلبات الأخلاق والشرع مؤقتا ريثما يمررون مآربهم الشريرة، ثم يقنعون أنفسهم أن الإثم مؤقت اضطروا لارتكابه للوصول إلى هدف هام ثم يتوبون بزعمهم، وهذا الداء يسري في عروق الكثير من الناس.

﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (10)

10 - ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه القرآن لعدم وجود فائدة أو عبرة من معرفته، وإنما الفائدة في وصفه أنهم لم يجمعوا على الجريمة، وأنه وجد منهم من استهول القتل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وتكرار القائل لاسم يوسف - دون ضميره - لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو، ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾

369

الجبّ البئر غير المبنية من داخلها بالحجارة، وسمّي جبّا لأنه جبّ من الأرض أي قطع، والغيابة كل ما غيّب شيئا وستره فأصبح غائبا عن النظر، ولعلهم ألقوه في حفرة جانبية مظلمة من البئر يدخلها عادة من يدلي فيه لإخراج شيء وقع فيه أو لإصلاح خلل، أو أن الماء في عمق الجب لم يكن كافيا لإغراق يوسف في حين أن عمقه يبعده عن الأنظار فتكون غيابة الجب قعره لغيبوبته عن أعين الناظر، وإدخال أل التعريف على الجب دليل على أنه معروف لذا قال: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ السيارة الجماعة الذين يسيرون في طريق السفر وهم غالبا ما يردون ذلك البئر في أسفارهم، ولذا كان طرح يوسف فيها أقرب إلى السلامة، لأن السيارة عندما يردون البئر يشاهدون يوسف ويخرجونه ويأخذونه معهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ والأولى ألاّ تفعلوا شيئا من القتل أو الطرح في أرض نائية، أما إن كان ولا بدّ، فاقتصروا على هذا القدر من الأذى.

﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ (11)

سورة يوسف (12): آية 11

سورة يوسف (12): آية 12

سورة يوسف (12): آية 13

11 - ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ بعد أن أضمروا المؤامرة على يوسف استدرجوا أباهم فخاطبوه متسائلين عن سبب عدم ائتمانه لهم عليه، بما يفيد أن يعقوب كان يخافهم عليه، وقد يكون أنهم سألوا أباهم قبل ذلك أن يخرج يوسف معهم فأبى ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ زعموا أنهم حريصون عليه ولا يضمرون له سوى الخير.

﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (12)

12 - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ أثناء الرعي ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه.

﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ (13)

13 - ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي لقلة صبر أبيه على مفارقته لشدة محبته له ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ وهو سبب آخر لامتناعه وتردده في إرساله مع إخوته، لما يعلمه من حسدهم له وقلة اكتراثهم به

370

سورة يوسف (12): آية 14

سورة يوسف (12): آية 15

واحتمال غفلتهم عنه وإهمالهم له، ولعله قاله من باب الاحتياط أو الاعتذار بالظواهر وإن كان على يقين من حسن عاقبة يوسف في الباطن، على أن علمه هذا كان مجملا مبهما مقيدا بالأقدار المجهولة، وقيل لو لم يذكر خوفه هذا لأولاده لما خطر ببالهم ادعائهم اللاحق بقصة الذئب،

﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ (14)

14 - ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جديرون بحمايته ﴿إِنّا إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ أي خائبون ضعفا وعجزا، أو أننا مستحقون الهلاك لو أكله الذئب، أرادوا بذلك طمأنة أبيهم من ناحية هذا الاحتمال، أما حجة أبيهم لجهة حزنه أن يفارق يوسف فقد أعاروه آذانا صمّاء لكراهتهم يوسف وحسدهم له.

وها هنا اختلاف بيّن في رواية القصة اليهودية في سفر التكوين عن القصة القرآنية، ففي سفر التكوين أن إخوة يوسف مضوا ليرعوا غنم أبيهم فقال يعقوب ليوسف: إمض فافتقد سلامة إخوتك وسلامة الغنم وإتني بالخبر، فلما رأوه قادما إليهم ائتمروا عليه ليقتلوه أو يلقوه في الجب، ومن الواضح أن يعقوب ما كان ليرسل يوسف إليهم من تلقاء نفسه وقد علم سلفا بحقدهم وخطورتهم عليه وحسدهم له،

﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (15)

15 - ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ في الغد من ليلتهم التي أقنعوا فيها أباه على كره منه أن يأخذوا يوسف معهم يرتع ويلعب ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ فجعلوه فيه، بعد ما كان من اختلافهم في قتله أو تغريبه ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ بما هوّن الله تعالى عليه من كربته ومصيبته وأزال الحزن، عنه فعلم أنها مصيبة في الظاهر ونعمة في الباطن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون الآن بما أنت عليه من المنزلة والمكانة الرفيعة عند الله تعالى، كما لا

371

سورة يوسف (12): آية 16

سورة يوسف (12): آية 17

سورة يوسف (12): آية 18

يشعرون بوحيه تعالى إليه وأنسه بالوحي وعدم وحشته وهم يحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له، ولا يشعرون بما سيؤول إليه أمره من النبوة والرياسة، ولا يشعرون بعظم فعلتهم الشنيعة، ولا يشعرون بجهلهم وعاقبة عملهم، كما أنهم في المستقبل لا يشعرون بأنه يوسف عندما يأتونه طالبين الكيل والصدقة، الآيات (89 - 90).

﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ﴾ (16)

16 - ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً﴾ أي في وقت العشاء، وإنما جاؤوا عشاء إمّا لأنهم لم يصلوا من مكانهم إلاّ في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل لا تطلب الحاجة في الليل فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين مظهرين البكاء بتكلّف لأنه لم يكن عن حزن، تمويها لشنيع فعلهم، وكثيرا ما يفعل بعض الكذّابين ذلك، فلما سألهم أبوهم عن بكائهم أجابوه:

﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ (17)

17 - ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ إذ لا يستطيع مجاراتنا في استباقنا المرهق ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ إذ أوغلنا في البعد عنه فلم نسمع صراخه واستغاثته ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أي بمصدّق لنا في قولنا هذا لاتهامك إيانا بكراهة يوسف وحسدنا له ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في واقع الأمر، أو لو كنا عندك من أهل الصدق والثقة ما صدّقتنا في هذا الخبر لشدة حبك يوسف، ولظننت أنا قد كذبنا.

﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (18)

18 - ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، أو ذي كذب، ووصفه بالكذب مبالغة في ظهور كذبهم وادعائهم أنه دم يوسف على القميص،

372

سورة يوسف (12): آية 19

فكأنه الكذب بعينه، وقوله ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ لكون الدم موضوعا على ظاهر القميص وضعا متكلّفا، ولو كان الدم سببه افتراس الذئب لكان قميصا ممزقا متغلغلا الدم فيه، فلما شاهد يعقوب القميص سليما لم يصدّقهم، فقال لهم:

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ سهّلت وزيّنت لكم أنفسكم أمرا سيئا منكرا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى من الجزع، لا شكوى فيه إلا لله تعالى ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ﴾ أستعينه وحده دون غيره ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ من هذه المصيبة، وقد يستشف من كلام يعقوب علمه من الوحي أن يوسف حي معافى، لأنه سبق أن قال له: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (6)، وذلك ظاهر أيضا من قوله بعد ذلك: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (83)، وفي مقابل الصبر الجميل زعمت رواية سفر التكوين اليهودية أن يعقوب مزّق ثيابه وناح على ابنه أياما عديدة وقال إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الجحيم.

﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (19)

19 - ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ على وزن جوّالة أو كشّافة، أي قوم يسيرون وهم قافلة سفر هبطوا على أرض فيها الجبّ الملقى فيه يوسف، كان في طريق سفرهم المعتاد ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ في الجبّ، فتعلّق به يوسف فلمّا خرج ورآه ﴿قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ يبشّر به جماعته السيارة، فاستبشروا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أخفوه من الناس متاعا للتجارة لئلاّ يدعيه أحد من أهل ذلك المكان ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ بما يعمله هؤلاء السيارة، وما يعمله إخوة يوسف، فلكل منهم أرب في عمله:

السيارة يدّعون بالباطل أن يوسف عبد لهم فيتّجرون به، وإخوة يوسف يتخلصون منه ويدعون أمام أبيهم أن الذئب أكله، وحكمته تعالى مسبب الأسباب فوق كل شيء، فقد كان حسد اخوة يوسف له واحتيالهم عليه والتخلص منه سببا لأن يصل إلى مصر ويؤول أمره إلى تحقيق رؤياه.

373