بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 470 - 477

سورة الحجر (15): آية 92

سورة الحجر (15): آية 92

سورة الحجر (15): آية 93

سورة الحجر (15): آية 94

سورة الحجر (15): آية 95

سورة الحجر (15): آية 96

اليهود والنصارى نزل عليهم التوراة والإنجيل فآمنوا بالقسم القليل منهما وشوّهوا الباقي بحسب هواهم، ثم لمّا نزل القرآن عموا عنه وحاولوا تمزيق معانيه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ التعضية: التفرقة والتجزئة، وفي الحديث:

"لا تعضية في ميراث إلاّ فيما احتمل القسمة"، و﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أيضا يأخذون من القرآن ما يناسب آراءهم ويتركون ما يناقض أهواءهم، فبذلك يقطّعون القرآن الكريم إربا، عمدا أو سهوا، بسبب نظرتهم الجزئية إليه آية آية، فتضيع عليهم معانيه لافتقادهم النظرة الشمولية التي بدونها يعجزون عن فهم القرآن، وفي ذلك أيضا إشارة إلى الذين يتعمّدون تعضيته من المستشرقين والمغرضين لقوله تعالى في الآية (12): ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾،

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (92)

92 - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جميع هذه الأصناف من المقتسمين المذكورة آنفا، سوف يكونون في موقع المسؤولية،

﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (93)

93 - ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنهم في موقع المسؤولية بعد أن بلغتهم الرسالة،

﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (94)

94 - ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أظهره جهارا أيها النبي، وأيها المسلم ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تلتفت لما يقولون، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة 105/ 5]،

﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (95)

95 - ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك أو بهذه الرسالة فلا يضروك شيئا، وهم المشار إليهم بالآية (11)،

﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)﴾

470

سورة الحجر (15): آية 97

سورة الحجر (15): آية 98

سورة الحجر (15): آية 99

96 - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ﴾ وهم كفار قريش والمشركون في كل العصور ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملهم، أو سوف يعلمون الحقيقة في نهاية المطاف،

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ (97)

97 - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ضيق الصدر عكس الشرح، والعرب تسمي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمعنى أن النبي عليه السلام، والمسلم عامة، يضيق صدره بما يقول الكفار، وعلاج ذلك مبيّن بالآية التالية:

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (98)

98 - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ اللجوء للتسبيح والحمد والصلاة لنفي ضيق الصدر،

﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (99)

99 - ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قالوا إنّ اليقين هو الموت لتيقن وقوعه، والمعنى داوم على العبادة ما دمت حيّا،


471

سورة النحل - 16 - مكية

نزلت في مكة خلال الشهور الأخيرة التي سبقت هجرته إلى المدينة، وقيل إن الآيات الثلاث الأخيرة منها نزلت في المدينة، واشتق اسم السورة من الإشارة في الآية (68) إلى واحدة من عجائب الخلق وهي النحل،

ارتباط السورة بما قبلها

اختتمت سورة الحجر المتقدمة بقوله تعالى: ﴿وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [99/ 15]، ثم افتتحت سورة النحل بقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [1/ 16]، وتفصيله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [28/ 16]، ثم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [32/ 16]، وقوله تعالى:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [33/ 16]،

وفي سورة الحجر نزول القرآن الكريم بختم الرسالات: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [9/ 15]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل:

﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [44/ 16]، وقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [64/ 16]،

وفي سورة الحجر بعث الرسل في الأمم السابقة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ [10/ 15]، وتفصيله قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي﴾

472

﴿كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [36/ 16]، وقوله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [63/ 16]،

وفي سورة الحجر: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [85/ 15]، ثم في سورة النحل:

﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [3/ 16]،

وفي سورة الحجر قوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [6/ 15]، وتفصيله في سورة النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [4/ 16]،

وفي سورة الحجر الأمر بترك المشركين إن هم أصرّوا على الكفر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [3/ 15]، وفي سورة النحل أن لو شاء الله لهداهم أجمعين: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [37/ 16]،

محور السورة

إن الله تعالى بيّن للناس طريق الهداية من الضلال وكرّمهم بالخيار: ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (9)، ثم كان استكبار الكفار سببا في إنكارهم الآخرة: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (22)، إذ لم يعتبروا بمصير أمثالهم من سابقيهم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (26)، وأن ذلك من موجبات البعث: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ (39)، وأن كل ابن آدم خطّاء لكن الله تعالى يعطي

473

الناس فرص التوبة، فوجب اغتنامها قبل الفوات: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (61)،

وتدحض السورة عقيدة المثنوية: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (51)، وتبيّن أن بعث الرسل قد تتالى في الأمم البائدة: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (63)، ثم لزم الأمر نزول القرآن الكريم لحسم الخلاف بين الناس: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (64)، سوى أنه لا سبيل لهدي المصرّين على الكفر: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (83)، وأنّ من مقاصد الدين العمل بمكارم الأخلاق: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (90)، وأنّ الله تعالى كرّم الناس بحرية الخيار ما يوجب تحملّهم المسؤولية:

﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (93)،

وأن رسالة الإسلام نسخت الرسالات السابقة: ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (101)، وأن المسلمين على ملة إبراهيم الحنيف: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (123)، وبعد نسخ الرسالات السابقة وجبت الدعوة للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بأحسن الأساليب: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (125).

474

سورة النحل (16): آية 1

سورة النحل (16): آية 2

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (1)

1 - ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ المراد به يوم القيامة، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحققه لا محالة فكأنه وقع، وقد يكون المراد به العذاب المشار إليه بالآية (26) المترتّب على تفسخ المجتمعات الجاحدة وفسادها وانهيارها ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لأن الكفار والمشكّكين في موقع التحدّي والسخرية، وقت البعثة، وفي كل عصر، لأنه بنزول العذاب تنتهي فترة اختبار الإنسان ويصبح الإيمان إلجاء فيخلو من أي خيار أخلاقي، فالاستعجال إذن من شأن الجاهلين والحمقى،

ومع ذلك فالكفار مصرّون على الشرك: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والشرك هنا بمعنى التهالك على الدنيا والمادة وطلب الجاه والزعامات وتكديس المال والثروات واعتبارها هدفا نهائيا بذاتها، وأيضا إعجاب ذي الرأي برأيه، فأمثال هؤلاء المشركين منكرون للآخرة والمسؤولية والحساب، عابدون لشهواتهم ودنياهم وأهواءهم.

﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (2)

2 - المشركون المشار إليهم آنفا حريصون على دنياهم، غافلون عن الوحي الذي نزل على الرسل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ الروح هو الوحي لأنه يحيي النفوس التي ماتت بالشرك والجهل والتهالك على الدنيا والغفلة ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ في الوحي، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، لأن الوحي لا يتنزّل بكل أمور الغيب، وإنما فقط بما يحتاجه العباد لدنياهم وآخرتهم ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فالله أعلم حيث يجعل رسالته ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا﴾ الرسل جميعا جاؤوا برسالة التوحيد ما يوجب التقوى من الشرك: ﴿فَاتَّقُونِ﴾،

475

سورة النحل (16): آية 3

سورة النحل (16): آية 4

سورة النحل (16): آية 5

سورة النحل (16): آية 6

﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (3)

3 - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ على النقيض مما يظن المشركون العابثون فإنّ الخلق تمّ بالحق، أي هو ذو معنى ومغزى، وليس من صدفة في شيء ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ به تعالى من دنياهم، من أوهام، ومن شركاء ووسطاء وشفعاء وهميين لا يقدرون على شيء،

﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (4)

4 - ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ الذي كرّمه تعالى على سائر المخلوقات بالفكر المجرّد فعلّمه الأسماء كلها، وكرّمه بالحرية الفكرية [السجدة 13/ 32]، الآية (9)، وسخّر له من مخلوقاته، الآيات (18/ 5)، وأرشده إلى الطريق القويم، الآية (9)،

﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ من بداية وضيعة بسيطة جدا ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ من بداية النطفة المتواضعة إلى مخلوق قادر على المنطق والمحاجّة، ممّا قد يرتفع به فكريا إلى أعلا علّيين، أو يهبط به أسفل سافلين دون أن يفقه شيئا من مغزى الخلق فيتحدّى ويستعجل العذاب، الآية (1)، وفي الانتقال من البداية البسيطة المتواضعة إلى تمام الخلق من الإعجاز ما فيه، ما يدحض شرك المشركين وحجج المخاصمين،

﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (5)

5 - ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، انظر آيتي [الأنعام 143/ 6 - 144]، ﴿خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ من وبرها وصوفها كما هو مفصّل في الآية (80)، ﴿وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ وما في ذلك مزيد من دلائل الإعجاز من جهة، وتكريم الإنسان بتسخير المخلوقات له من جهة ثانية، وأكثر الناس غافلون عن ذلك،

﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (6)

6 - ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ﴾ للتأمل والتفكّر ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ في المساء ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ بها نهارا للرعي،

476

سورة النحل (16): آية 7

سورة النحل (16): آية 8

سورة النحل (16): آية 9

﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (7)

7 - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ﴾ فضلا عن أن تحملكم على ظهورها، كما في الإبل ﴿إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ تصلون إليه بكل جهد ومشقة ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ وذلك من جملة نعمه عليكم،

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (8)

8 - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ﴾ خلقها بالإضافة للأنعام المشار إليها بالآية (5)، ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ ليس فقط لمنافعها في المواصلات، بل للزينة كما في الخيل ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من وسائل المواصلات في المستقبل، وهو ما نعرفه اليوم من مركبات وطائرات وسفن وغيرها، وهذا التطور في تقدم وسائل المواصلات ينطبق على كل زمن في الماضي والحاضر والمستقبل، وقد نسب تعالى خلقها إلى ذاته العلية، لأنه هو الذي أودع في الإنسان المقدرة على التفكير والإبداع والاختراع،

﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (9)

9 - بعد أن ذكر تعالى أنّ خلق السماوات والأرض ذو مغزى، الآية (3)، وأنه خلق الإنسان وكرّمه بمنحه المنطق والمحاجّة، الآية (4)، وسخّر له المخلوقات، الآيات (5 - 8)، تضيف هذه الآية أن الله تعالى لم يترك الإنسان يتخبط على غير هدى، وهو القصد من الوحي المشار إليه بالآية (2):

﴿وَعَلَى اللهِ﴾ وحده ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ لبيان الطريق المستقيم منها ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ ومن هذه الطرق ما هو منحرف عن الطريق الحق، فالله تعالى ترك للناس حرية اتباع المستقيم منها من الجائر ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قسرا، دونما حرية من جهتكم، لولا أنّ مغزى الخلق مرتبط بالمسؤولية الأخلاقية وبحرية الخيار الأخلاقي للإنسان المشار إليه بالآية (4)﴾، والغافلون عن النعم والإعجاز في الخلق لا يهتدون،

477