بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 67 - 74

سورة طه (20): آية 120

سورة طه (20): آية 120

سورة طه (20): آية 121

سورة طه (20): آية 122

سورة طه (20): آية 123

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (120)

120 - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ ممّا يدل أنّ هاجس الإنسان من البداية كان توقه إلى الخلود، انظر [الأعراف 20/ 7]، وأنّ شجرة الخلد المشار لها ليست سوى رمز للحدود التي وضعهاتعالى لرغبات الإنسان التي إن تجاوزها لم يضر سوى نفسه وطبيعته التي خلق لأجلها، وأنّ توق الإنسان للخلود ليس سوى رغبة منه في إنكار الموت، ومن ثم إنكار البعث والحساب والمسؤولية، ومن ثم التوصل إلى ما أشار إليه الشيطان بقوله: وملك لا يبلى، وما في ذلك من إنكار الإله وإنكار المغزى من الحياة.

﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (121)

121 - ﴿فَأَكَلا مِنْها﴾ من شجرة الخلد المزعومة ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ما يسوؤهما النظر إليه ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ولباس التقوى ذلك خير، انظر [الأعراف 26/ 7]، والعري هنا كناية عن الإخفاق والعجز ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ خاب عمله وضلّ، واكتشف عجزه المطلق واعتماده الكليّ على الخالق.

﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ (122)

122 - ﴿ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ووفقه للتوبة ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قبل توبته ﴿وَهَدى﴾ هداه إلى الصراط المستقيم.

﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123)﴾

67

سورة طه (20): آية 124

سورة طه (20): آية 125

سورة طه (20): آية 126

سورة طه (20): آية 127

123 - ﴿قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ انتقال الخطاب إلى الجمع، كناية عن الجنس البشري بكامله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ﴾ عن الصراط المستقيم ﴿وَلا يَشْقى﴾ في دنياه وآخرته، بخلاف من يعرض عن هدي الأنبياء والرسل.

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (124)

124 - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن القرآن الكريم، وعن هدي الرسل من قبله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقة شديدة، مادية عقيمة خالية من أي مغزى روحاني ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ استمرارا لما كان عليه في دنياه من عمى البصيرة.

﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (125)

125 - ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ لم يدرك عمى بصيرته في دنياه.

﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ (126)

126 - ﴿قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا﴾ رسالات الرسل ﴿فَنَسِيتَها﴾ أعرضت عنها، ولم تكثرت بها ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ بما نسيت في دنياك، فتترك في العمى الروحاني، والمعنى أن حياة الآخرة أو ثوابها أو عقابها ليست سوى استمرارية، بل مرحلة ثانية من الحياة، تكمل الحياة الدنيا.

﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)﴾

68

سورة طه (20): آية 128

سورة طه (20): آية 129

سورة طه (20): آية 130

127 - ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ تجاوز الحدود في دنياه ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ بل أنكر رسالات الرسل، ولم يتفكر في الآيات الآفاقية ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى﴾ من عذاب الدنيا، ومن الانهماك بها والجري وراء مادتها.

﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ (128)

128 - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي الكفار الذين يحجبون الحقيقة عن ناظرهم رغم الآيات والوحي ﴿كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ فيعتبرون ويهتدون بما حلّ بالأمم والمجتمعات قبلهم ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ في قراهم ومدنهم وآثارهم التي صارت خاوية ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ دلائل وعبر لذوي العقول الراجحة.

﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (129)

129 - ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالإمهال ليوم الحساب، وإعطاء فرص التوبة ﴿لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي لكان العقاب فوريا، ولكن رحمته تعالى وسعت كل شيء، انظر [الأعراف 156/ 7]، ولولاها لهلك كل كافر وعاص على الفور.

﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ (130)

130 - الخطاب من هذه الآية حتى آخر السورة إرشاد للمؤمنين لما يجب أن يكونوا عليه تجاه إصرار الكفار على الكفر:

﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها المؤمن ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ ما على المسلم سوى الصبر تجاههم، وليس عليه إكراههم، انظر [الغاشية 21/ 88 - 26]، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ﴾

69

سورة طه (20): آية 131

سورة طه (20): آية 132

سورة طه (20): آية 133

﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ تحديد لمواعيد الصلاة كما فصّلتها السنة الشريفة، والمعنى أن يستعين المرء على الكفار وعلى الغافلين بالصبر والصلاة.

﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (131)

131 - ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ﴾ نهي عن الغيرة والحسد ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ما يتمتع به الكفار والغافلون من مادة الدنيا ليس سوى اختبار وابتلاء لهم ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين، بما فيه الرزق المادي والمعنوي ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ لما يتمتعون به من السلام الروحاني في دنياهم، ثم ما ينتظرهم من ثواب الأخرة.

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ (132)

132 - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ لأن العبادة يعود مردودها على المرء وحده، ولا يستفيد منها الخالق عز وجل، انظر [الذاريات 56/ 51 - 57].

﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (133)

133 - ﴿وَقالُوا﴾ المصرّون على الكفر ﴿لَوْلا يَأْتِينا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية تلمسها حواسهم لأنهم عطّلوا عقولهم عن الفكر والنظر ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ جاءهم القرآن الكريم مبينا لهم صحة ما جاءت به الكتب المقدّسة من قبل، ومغربلا الصحيح منها من الزائف، ومصدقا ما بقي فيها من الوحي الصحيح، ومهيمنا عليها، انظر [المائدة 48/ 5]، ومحققا النبوءات التي وردت فيها عن مبعث خاتم الأنبياء والرسل، فماذا يريد المكابرون أكثر من ذلك؟

70

سورة طه (20): آية 134

سورة طه (20): آية 135

﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (134)

134 - ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ الله تعالى لم يترك الأعذار للناس بعد أن هداهم بالفطرة، ثم بعث لهم الأنبياء والرسل، وتبيّن لهم الحق من الباطل، فلا يعاقبهم تعالى قبل أن تبلغهم الرسالة، انظر [التوبة 115/ 9].

﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (135)

135 - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ الكفار ينتظرون تحقق ما يعتقدون أنه الصواب، وكذا المؤمنون ينتظرون تحقق معتقدهم، وتلك الطبيعة البشرية أن يعتقد كل امرئ أنّ طريقته في الحياة هي الصحيحة ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ في الوقت المناسب أن في الدنيا ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم ﴿وَمَنِ اِهْتَدى﴾ منّا من الضلالة، ومن بقي عليها؟

71

سورة الأنبياء - 21 - مكية

مقدمة

نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.

ارتباط السورة بما قبلها

اختتمت سورة ﴿طه﴾ بأن كل امرئ يعيش ما يظن أنه السبيل القويم في الحياة، وينتظر تحقق معتقده، ثم لا يدرك الحقيقة والعاقبة إلاّ بعد كشف الغطاء:

﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ (135/ 20)، ثم تفتتح سورة الأنبياء بأن حساب الناس قد اقترب وهم غافلون: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (1/ 12).

محور السورة

إن الناس في غفلة لاهون، رغم نزول القرآن الكريم عليهم: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (2)، وذلك سبب انحطاط الأمم وزوالها لإصرارها على تجاهل حقائق الوحي التي تتعارض مع مفهومها المادي للحياة: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (6)، وإن القرآن الكريم نزل على البشرية من أجل سعادتها وحفظا لكرامتها من اتّباع الأوهام ومن ذلّ عبادة المادة والأفراد: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (10).

وإن معجزة (الانفجار الكبير) للكون وجعل الأحياء من الماء معجزات جديرة بالإيمان: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾

72

﴿فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (30)، وإن عناد المصرّين على الكفر سببه أنّ حقائق الوحي غير معروفة لديهم، كما أنهم لا يبذلون المجهود الكافي للاطلاع عليها وتقويم الرسالة من حيث جدارتها: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (24)، وإن الإنسان مبتلى في دنياه بالشر والخير، ثم لا مفر له من المعاد والحساب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (35)، وإنه عجول قليل الصبر يستبق الأمور فيرفض الإيمان بالمعاد والحساب: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (37)، رغم أن الرحمن وحده حافظ للناس على الدوام: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (42).

وأنّ الإنسان يغتر بطول العمر حتى يظنّ أن الرخاء الذي يتمتع به دائم إلى الأبد وينسى أن الأيام دول: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (44)، ولكن لا سبيل لسماع من صمّوا آذانهم عن الحق: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ﴾ (45)، إذ ينكرون القرآن الكريم رغم كثرة خيراته: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (50)، وإن الله تعالى لا يهلك المجتمعات ببعض أخطائها، بل لإصرارها على الاستغراق بضلالها، فلا ترجع إلى جادة الصواب فتهلك: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يرجعون عن غيّهم (95)، وإن رحمة الرحمن وحده، الذي وسعت رحمته كلّ شيء، تحفظ الإنسان رغم محاولاته تجسيد الإله وعبادة الأوهام والأصنام:

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (112).

73

سورة الأنبياء (21): آية 1

سورة الأنبياء (21): آية 2

سورة الأنبياء (21): آية 3

سورة الأنبياء (21): آية 4

سورة الأنبياء (21): آية 5

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (1)

1 - ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الموت والبعث والحساب، أقرب بعيد ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ في دنياهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أكثرهم معرضون عن الوحي.

﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (2)

2 - ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية ﴿إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ بشيء من اللهو وعدم الاكتراث.

﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (3)

3 - ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ عن الوحي، مستغرقين في دنياهم ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بإنكار الوحي ﴿هَلْ هذا﴾ أي محمد ﴿إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فكيف نؤمن لبشر؟ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ينسبون إعجاز القرآن إلى السحر، ويزعمون إنهم مبصرون للحقيقة، في حين أنهم يكتمون ملكاتهم الفكرية في تقويم القرآن الكريم من حيث جدارته، وتهربا من أي مسؤولية أخلاقية يفرضها عليهم قبول الإسلام.

﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (4)

4 - ﴿قالَ﴾ النبي ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ما تنزّل به الوحي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم.

﴿بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)﴾

74