بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 99 - 106

محور السورة

أن ذلك هو المصير الحتمي للمجتمعات الظالمة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (48/ 22).

محور السورة

أنّ المجادلين يجادلون بالباطل بغير علم: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (3)، وبلا هدي من الوحي: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (8)، وهنالك من أنصاف المؤمنين من يقف موقف المتردد فينهار عند الشدائد: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (11)، وأن في الحج تعظيما لحرمات الله ما يوجب اجتناب عبادة القيم الزائفة واجتناب الزور:

﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاِجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (30).

وتأذن السورة بالقتال الدفاعي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (39)، وأن الله تعالى ينصر من ينصره: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (40)، وأن عاقبة المجتمعات الظالمة إلى زوال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (45)، وأن لا معنى حقيقيا لمفهوم الزمن الدنيوي:

﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (47)، ومن ثم لا يغتر الإنسان بأن الله تعالى يمهل الظالمين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (48).

99

سورة الحج (22): آية 1

سورة الحج (22): آية 2

وأن من سننه تعالى في الخلق أن الأمم تتبع ما تظنّه صوابا فلا ينخدع المسلمون بضلال غيرهم، بل يلتزمون بما هم عليه من الهدى، ولا يثنيهم ذلك عن الدعوة إلى الإسلام: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (67)، وأن يتفادوا الجدل العقيم مع المجادلين بالباطل، في إشارة للآيات (3، 8): ﴿وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (68)، والحساب على الله: ﴿اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (69).

وأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل، دين يسر وسهولة وقريب من العقل، ينفي الحرج، ويأخذ بالاعتبار ضعف الانسان: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (78).

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (1)

1 - استمرار الخطاب من آخرسورة الأنبياء: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ قاطبة ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ كونوا على علم بما سوف تؤول إليه الأمور ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يوم القيامة.

﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ (2)

2 - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ تذهل عن أعزّ ما لديها، والمغزى أن كل امرئ يذهل يومها عن أعز ما لديه ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ قبل أوانه ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى﴾ في ظاهرهم، لهول الموقف ﴿وَما﴾

100

سورة الحج (22): آية 3

سورة الحج (22): آية 4

سورة الحج (22): آية 5

﴿هُمْ بِسُكارى﴾ ما هم فيه ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله ﴿وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ لمن غفل عن حتمية هذا اليوم.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ (3)

3 - ومع ذلك ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ الغافلين، المستكبرين، أو المصرّين على الكفر ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل يبتدع النظريات من عنده، فيزعم أن الكون أوجد نفسه، وأن لا خالق ولا بعث ولا نشور ولا حساب، في محاولة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ متمرد من شياطين الإنس أو الجن.

﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (4)

4 - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ النتيجة الحتمية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ﴾ جعله وليا له، متوليا أموره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ إلى أوخم العواقب.

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (5)

5 - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ المصرّون على الكفر وإنكار البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ لديكم أدنى شك ﴿فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون 12/ 23]، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المراحل المتطورة للجنين ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الولادة ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ في شبابه ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الشيخوخة ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يصير في حالة من الخرف، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ جرداء ميتة ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ﴾ المطر ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ بذورها

101

سورة الحج (22): آية 6

سورة الحج (22): آية 7

سورة الحج (22): آية 8

سورة الحج (22): آية 9

﴿وَرَبَتْ﴾ فتحركت ونبتت ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من النبات، دليل على حتمية البعث.

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (6)

6 - ﴿ذلِكَ﴾ الأمر والإعجاز الذي سبق بيانه ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكل ما عداه باطل ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى﴾ وحده القادر على الإمداد بالحياة ﴿وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.

﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (7)

7 - ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ استمرارا للحياة الدنيا، ولضرورة البعث والنشور، حتى تكمل الأخرة الأولى ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ للحساب.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ (8)

8 - ومع كل الدلائل القاهرة الآنفة الذكر على حتمية الآخرة والحساب فهنالك من يجادل ويكابر: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في حقيقته ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، بل عن تخمين، وعن تخبط في الجهل والتنظير ﴿وَلا هُدىً﴾ يهتدي به ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ يهتدي به من الوحي.

﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (9)

9 - ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاويا لجانبه، كناية عن عدم قبوله، متكبرا شامخا بأنفه، معرضا عن الحق ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجادل الآخرين بغرض الإضلال ﴿لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ حتى لو ازدهرت أحواله المادية في ظاهرها، فسوف يعيش بحالة من التعاسة والخواء الروحاني، والاضمحلال التدريجي لكل قيمة أخلاقية ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ من عذاب الغم، وهو أشد أنواع العذاب، انظرالآية (22)﴾.

102

سورة الحج (22): آية 10

سورة الحج (22): آية 11

سورة الحج (22): آية 12

سورة الحج (22): آية 13

سورة الحج (22): آية 14

﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (10)

10 - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ من المعاصي والإعراض في دنياك ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل بعث الرسل وأنذر الناس بالحساب.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (11)

11 - وهنالك من أنصاف المؤمنين: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ المذبذبين ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هو بين الشك واليقين، وبين الحق والباطل ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ﴾ ظانّا أنّه من صنع يديه، وأنّه يستحقه تمام الاستحقاق ﴿وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ كمرض أو ضرر في ماله وأهله ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ نكص إلى الشك والكفر ﴿خَسِرَ الدُّنْيا﴾ فاته ما يسرّه فيها ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ إذ لم يعمل لها، بل كان يتعامى عنها ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ الواضح كونه خسرانا تاما.

﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ (12)

12 - ﴿يَدْعُوا﴾ أي هذا المذبذب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوهام ﴿ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ وينسب كل ما يعتريه إلى الحظ والصدف ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ إذ لا صدفة ولا حظوظ بل عمل واجتهاد.

﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (13)

13 - ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ من الأوهام والزعماء ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ لأن الأوهام والزعماء لن تفيد شيئا في نهاية المطاف ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ من الزعماء المضلّلين ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ من الأصحاب الضالّين الذين يعاشرهم.

﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)﴾

103

سورة الحج (22): آية 15

سورة الحج (22): آية 16

سورة الحج (22): آية 17

14 - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ بالمقارنة مع مصير المذبذبين المشار إليهم آنفا ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ في إيصال الثواب لمستحقيه.

﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ (15)

15 - ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وهو من زمرة الناس الذين يعبدون الله على حرف المشار إليهم بالآية (11)، إذ يشكك في أن الله تعالى ينصر عباده ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ﴾ أي فليطلب، إن استطاع، أسلوبا أو حيلة يصل بهما إلى السماء، بعد أن دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه، الآيات (12 - 13)، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليمض في سبيله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ تخطيطه ﴿ما يَغِيظُ﴾ أي إن تخطيطه قصير الأمد لن يفيده شيئا في إزالة غيظه المترتب على الفتنة التي أصابته فخسر بها الدنيا والآخرة.

﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (16)

16 - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ القرآن الكريم ﴿وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ من غير المذبذبين الذين يعبدونه على حرف.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (17)

17 - بعد أن أشارت الآيات المتقدمة (8 - 13) و(15)﴾ إلى أحوال الكفار المكابرين، والمذبذبين أنصاف المؤمنين، تبين هذه الآية أن الفصل بين الناس يكون يوم القيامة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المسلمين ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ اليهود ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ الصابئين أتباع يحيى المعمدان بن زكريا، لأنه كان يعمّد، أي يصبغ أتباعه في نهر الأردن في دلالة على اعتناقهم رسالته ﴿وَالنَّصارى﴾ الذين نصروا عيسى

104

سورة الحج (22): آية 18

سورة الحج (22): آية 19

سورة الحج (22): آية 20

سورة الحج (22): آية 21

المسيح ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ أتباع زرادشت من عبدة النار ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ حساب الجميع على الله، وليس لإنسان أن يحاسب أخاه الإنسان على عقيدته، أو أن يكرهه عليها ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بعقائد عباده.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (18)

18 - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ طوعا وكرها ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ منقادة لإرادته ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ المؤمنين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ من المصرّين على الكفر ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ من الكفار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ غير الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ إذ كرّم عباده بحرية الخيار الديني والأخلاقي.

﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (19)

19 - ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ أحدهما مؤمن، والآخر كافر ينكر وجود الله ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ بنتيجة ما اختاروه لأنفسهم.

﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (20)

20 - ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ بنتيجة خيارهم وأعمالهم التي حبطت في دنياهم.

﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (21)

21 - ﴿وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ كناية عن معاناتهم الغم، كما هو مذكور بالآية التالية:

105

سورة الحج (22): آية 22

سورة الحج (22): آية 23

سورة الحج (22): آية 24

سورة الحج (22): آية 25

﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (22)

22 - ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ﴾ وهو العذاب الحقيقي الذي يعاني منه الكفار ﴿أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم حبيسو عذاب الغمّ.

﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (23)

23 - ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ بالمقارنة مع الكفار المذكورين آنفا.

﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ (24)

24 - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ في الآخرة كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده نتبوأ من الجنة حيث نشاء، وفي الدنيا: قولهم لا إله إلا الله، بما يعنيه ذلك قولا ومعنى وفعلا ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد، سواء حمده حامد أم لم يحمد.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (25)

25 - بعد أن حشدت السورة من أولها البراهين على البعث والحساب، وأن الناس مع ذلك بين مؤمن ومذبذب وكافر ومشرك، ووصفت مآل كل منهم، ينتقل الخطاب لبيان سلوك الكفار في المسجد الحرام تمهيدا لما سوف يرد من مناسك الحج:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ العاكف المقيم فيه ﴿وَالْبادِ﴾ الطارئ الذي جاء من البدو ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ شيئا ما، أو مرادا ما ﴿بِإِلْحادٍ﴾ بعدول عن القصد

106