بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 227 - 234

سورة النمل (27): آية 4

سورة النمل (27): آية 4

سورة النمل (27): آية 5

سورة النمل (27): آية 6

سورة النمل (27): آية 7

3 - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ استعدادا لآخرتهم ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على يقين من البعث والحساب.

﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (4)

4 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ منتهى نظرهم وأملهم في الحياة الدنيا، على العكس من المؤمنين المشار إليهم آنفا ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ فأصبحت حسنة في نظرهم ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتخبطون على غير هدى، متحيّرين مترددين، بالنظر لسوء جبلّتهم، وإصرارهم على الضلال، وتشنج عقولهم على التقليد، وعنادهم ورفضهم النظر والتفكر بالدلائل، وليس لأن الله تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء، انظر [البقرة 7/ 2].

﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (5)

5 - ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ﴾ في الدنيا، ومن ذلك سعيهم وتهالكهم على مادة الدنيا بما يعمي بصيرتهم وبصائرهم، فتصبح منتهى أملهم وهمّهم ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخسرون أنفسهم بعد كل ما بذلوه في دنياهم، ولا خسارة أعظم من خسارة الأنفس.

﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (6)

6 - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ فيما خلق من خلقه ﴿عَلِيمٍ﴾ بمصالح عباده، فأيّ حكيم، وأي عليم هو! ويلاحظ ارتباط هذه الآية مع أول السورة.

﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (7)

7 - انتقال الخطاب من نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ، إلى نزول الوحي على موسى، وفيه إشعار باستمرارية الرسالات السماوية:

227

سورة النمل (27): آية 8

سورة النمل (27): آية 9

سورة النمل (27): آية 10

سورة النمل (27): آية 11

سورة النمل (27): آية 12

﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ﴾ وهو في طريق عودته من مدين تائها في صحراء سيناء ﴿إِنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ عن بعد ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ عن طريقنا الذي نسلكه ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ شعلة نار مقبوسة، مأخوذة من أصلها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ لأجل أن تستدفئوا بها.

﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (8)

8 - ﴿فَلَمّا جاءَها﴾ أي النار ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ نور الإلهام الإلهي ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ الملائكة عليهم السلام ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنزيه الله تعالى عن كل نقص وسوء.

﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (9)

9 - ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا﴾ المنادي المتجلّي نوره في النار ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يد موسى من المعجزة.

﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (10)

10 - ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ من الجنّ، لأن الجن عند العرب من الخفاء ﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ انهزم ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يرجع ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ تعليل للنهي عن الخوف.

﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (11)

11 - ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ تائبا من ظلمه ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في إشارة لكون موسى قتل القبطي، ثم تاب بعد ذلك.

﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (12)﴾

228

سورة النمل (27): آية 13

سورة النمل (27): آية 14

سورة النمل (27): آية 15

12 - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ جيب قميصك، وقيل تحت إبطك ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ تشع نورا روحانيا ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إنّي مرسلك إلى فرعون وقومه في تسع آيات، أي علامات على بعثتك إليهم، انظر [الإسراء 101/ 17] و[الأعراف 133/ 7]، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ينشرون الفساد.

﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (13)

13 - ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا﴾ ظهرت لهم على يد موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾ بينة واضحة، وهي أيضا جديرة بأن يصبح العقلاء على بصيرة إذا نظروا فيها ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوها إلى السحر في تعام عن حقيقتها.

﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (14)

14 - ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ كذّبوها وأنكروها إنكارا ظاهريا ﴿وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ أيقنت أنفسهم بالآيات يقينا داخليا ﴿ظُلْمًا﴾ وهو التناقض، في الوقت ذاته، بين الجحود الظاهري واليقين الداخلي ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعا واستكبارا عن الإيمان بها ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ما آل إليه فرعون وصحبه بنتيجة الجحود، وهذه الآية تبين العبرة من القصة في هذا الموضع.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (15)

15 - بعد أن بينت الآية (6) نزول الوحي على النبي ﷺ، ثم بينت الآيات (7 - 12) نزول الوحي على موسى ثم بعثته إلى فرعون، تبين الآية (15)﴾ طبيعة العلم الذي أوتيه داوود وسليمان، والآيات من (15 - 44) قصة سليمان مع مخلوقات الله من الطير والنمل، ثم مع ملكة سبأ ومراحل اهتدائها إلى الإسلام:

229

سورة النمل (27): آية 16

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ استنارة روحانية ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما آتانا من العلم.

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (16)

16 - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ في ملكه ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ قال الرازي: قالت العرب: نطقت الحمامة، فالذي علّم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من مقاصده وأغراضه، وقد ورد هذا المعنى في كتب العهد القديم، انظر [سفر الملوك الأول 32/ 4 - 33]، ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ ومن ذلك الريح تجري بها أساطيله: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص 36/ 38]، وأيضا: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ 12/ 34]، وأيضا محبته للجياد: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ * فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص 31/ 38 - 33]، ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ لم يتوافر لأحد من قبله.

﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (17)

سورة النمل (27): آية 17

17 - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتوزّعون بشكل منظم.

﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (18)

سورة النمل (27): آية 18

18 - ﴿حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ في الآية إشعار بفهم سليمان لمنطق النمل أيضا، وتعاطفه مع أضعف خلق الله، ومحبته لها، وامتناعه عن إيذائها، واحترامه للطبيعة وباقي مخلوقات الله، وكل ذلك منبثق

230

سورة النمل (27): آية 19

سورة النمل (27): آية 20

سورة النمل (27): آية 21

سورة النمل (27): آية 22

من إيمانه العميق بالخالق الذي تبهر مخلوقاته العقول، وتلك هي العبرة من القصة.

﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ (19)

19 - ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها﴾ من قول النملة، واحتراما لها ﴿وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ حتى وصلت إلى ما أنا فيه من النعم والفهم والإيمان ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ شكرا لنعمك علينا، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ 13/ 34]، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ تفضّلا منك، وليس بعملي ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ الذين ترضى عنهم.

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ (20)

20 - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ من الذين حشروا له، المشار إليهم بالآية (17)، ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ طير من الطيور ﴿أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾ لسبب من الأسباب.

﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (21)

21 - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بما أنّ التعذيب والذبح لم يحصلا من قبل سليمان، فلنا أن نعتقد أنّ الخطاب عنهما مجرّد اصطلاح على سبيل القول والمجاز وليس الفعل والتنفيذ، ولنا أن نقارن ذلك مع موقفه من النمل واحتياطه بشأنها، قال الرازي: فهذا مما لا يجوز أن يقال إلاّ فيمن هو مكلّف، أو فيمن قارب العقل فيصح أن يؤدّب ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حجة تبين سبب غيابه.

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾

231

سورة النمل (27): آية 23

سورة النمل (27): آية 24

سورة النمل (27): آية 25

سورة النمل (27): آية 26

22 - ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ على مقربة منه ﴿فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فيه تنبيه لسليمان أنّ أدنى خلق الله قد أحاط علما بما لم يحط به، فيكون في ذلك تنبيه له لترك الإعجاب بالنفس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ﴾ مملكة ﴿سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ لا يتطرق إليه الشك.

﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (23)

23 - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ ملكة عليهم ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من متطلبات الملك ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.

﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ (24)

24 - ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ كما هي عادة الأقوام السامية في عبادة الشمس، المصريون القدماء، والبابليون، وغيرهم اعتادوا عبادة ما يمكن تجسيمه ومشاهدته، لقصور عقولهم عن الغيب ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ ما هم فيه من الضلال، فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، انظر قوله تعالى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف 17/ 7]، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن عبادة الله ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ بل يتخبطون في ضلالهم.

﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ (25)

25 - ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ غاب عن عقولهم وجوب عبادة الله الواحد الأحد، الذي بقدرته وحده تدور الشمس، فتختبئ عن ناظرهم ليلا وتعود للظهور نهارا، انظر [الأنعام 78/ 6] ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ﴾ في أنفسكم ﴿وَما تُعْلِنُونَ﴾ منها.

﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾

232

سورة النمل (27): آية 27

سورة النمل (27): آية 28

سورة النمل (27): آية 29

سورة النمل (27): آية 30

سورة النمل (27): آية 31

26 - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده الجدير بالسجود والعبادة ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المدبّر لشؤون خلقه.

﴿قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (27)

27 - ﴿قالَ﴾ سليمان للهدهد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بالتفكر والتأمل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في دعواك عن مملكة سبأ؟ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ما يدل إن سليمان كان جاهلا بكل هذه التفاصيل عن مملكة سبأ، أو وجودها أصلا؟

﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (28)

28 - ﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ صار من واجب سليمان دعوة سبأ إلى الإسلام، فبعث كتابه إليهم مع الهدهد الذي كان أول واسطة اتصال بينهما ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ دعهم يتأملوا ويفكّروا بالكتاب، فالموضوع بحاجة للتأمل والتفكير، لما فيه من الدعوة لهجر الشرك، وعبادة الله وحده ﴿فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ بعد تأملهم وتفكيرهم بفحوى الكتاب؟

﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ (29)

29 - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ مضمونه يدل على ما فيه من الكرم وحسن الدعوة.

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (30)

30 - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ﴾ ابتدأ الكتاب بقوله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (31)

31 - ﴿أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نهي عن الاستعلاء والانقياد للهوى والتكبر ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين، مذعنين، مسلمين أموركم لله تعالى، وليس للشمس التي تعبدون.

233

سورة النمل (27): آية 32

سورة النمل (27): آية 33

سورة النمل (27): آية 34

سورة النمل (27): آية 35

سورة النمل (27): آية 36

﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ (32)

32 - ﴿قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ الحاشية ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ بنتيجة تفكركم وتأملكم بخطاب سليمان ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا﴾ لجسامة هذا الموضوع ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ تدلوا بشهادتكم معي.

﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ (33)

33 - ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ لم يفهم الملأ من خطاب سليمان سوى أنه تهديد لملكهم ودولتهم ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في مقاومة سليمان أو الإذعان إلى مطلبه ﴿فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أعادوا الأمر إليها.

﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (34)

34 - ﴿قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مجتمعا من المجتمعات، إذا دخلوه عنوة، وليس ذلك مقتصرا على الملوك، بل على كل قوة غاشمة ﴿أَفْسَدُوها﴾ فكّكوا عراها الاجتماعية ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ من الحكام وكبار القوم ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بدخولهم القرية، وهكذا استبعدت ملكة سبأ أي احتمال لاستخدام القوة ضد سليمان، لما سوف يسببه ذلك من تفكيك النظام الاجتماعي، والمعاناة، والتدهور الحضاري.

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (35)

35 - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ على سبيل استكشاف النوايا ﴿فَناظِرَةٌ﴾ أنتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ما يكون استجابة سليمان؟ وبذلك تفهم عقليته أيضا.

﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)﴾

234