بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 315 - 322

سورة الروم (30): آية 51

سورة الروم (30): آية 51

سورة الروم (30): آية 52

سورة الروم (30): آية 53

50 - ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ على العابد ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة بلا نبات، أو بعد الشتاء والجمود ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ يوم البعث ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه أيضا يحيي موتى القلوب، فيهدي من لديه القابلية للهداية.

﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ (51)

51 - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا﴾ حارّة ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ رأوا بساتينهم ومحصولاتهم الزراعية مصفرّة محترقة بسبب الرياح الحارقة ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ بما سبق لهم من نعم الله، إذ يريدون أن تسير الأمور على هواهم، ناسين سنن الله تعالى في الأسباب والمسبّبات، وتوسط هذه الآية بين سابقتها وما بعدها فيه إشارة لكون الخطاب مجازا عن إحياء النفوس التي ماتت بالكفر، والنفوس المصرّة على الكفر:

﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (52)

52 - ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ لا سبيل إلى إسماع موتى القلوب والعقول الذين أغلقوا عقولهم سلفا عن سماع الدعوة ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الذين أغلقوا أسماعهم سلفا عن السماع سماع ذهن مفتوح ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ عن دعوتك لهم، أيها النبي، أو أيها المؤمن.

﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (53)

53 - ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ ولا سبيل لهداية عمي القلوب أيضا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج 46/ 22]، ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الذين عندهم قابلية للسمع بذهن مفتوح غير متشنّج على التقليد، فهؤلاء يؤمنون، بخلاف منغلقي الذهن فلا طائل منهم ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يسلمون وجوههم لله تعالى.

315

سورة الروم (30): آية 54

سورة الروم (30): آية 55

سورة الروم (30): آية 56

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (54)

54 - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ في طفولتكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ في شبابكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ في كهولتكم ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بحسب الحكمة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ العليم بالمصالح ﴿الْقَدِيرُ﴾ يخلق ما يشاء، بقدر ما يشاء.

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (55)

55 - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ يغيب عنهم مفهوم الزمن الحقيقي، والآية تبرز نسبية الزمن، وإن فترة لبث الإنسان في الدنيا في منتهى القصر بالمقارنة مع طول اللبث في الآخرة ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحقيقة، لأنهم يريدون إقناع أنفسهم أن فترة اللبث في الدنيا كانت قصيرة جدا لدرجة لم تسمح لهم بالتوبة.

﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (56)

56 - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا علم الكتاب - القرآن - وأيقنوا به ﴿وَالْإِيمانَ﴾ وأوتوا الإيمان اليقيني ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علم الله القديم الشامل ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ القيامة ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لم تكونوا تريدون العلم، بل رفضتموه في عقلكم الباطن، تهربا من الشعور بالمسؤولية وتهربا من الحساب.

﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)﴾

316

سورة الروم (30): آية 58

سورة الروم (30): آية 59

سورة الروم (30): آية 60

57 - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم في دنياهم، ولم يتوبوا فيها، بل أنكروا آخرتهم ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا تنفعهم الأعذار بعد الفوات ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم الاعتذار.

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (58)

58 - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ تمثيلا لما غاب عنهم من علم الغيب بما يعرفون من المحسوس ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ برسالة من ربهم ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المتشنّجون المصرّون على الكفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ تدّعون أمورا باطلة.

﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (59)

59 - ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الذين لا يريدون العلم يمنعهم تعالى من توفيقه وألطافه، ويخلّيهم لأنفسهم، انظر [البقرة 7/ 2].

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (60)

60 - ﴿فَاصْبِرْ﴾ عليهم أيها المؤمن ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فلا بد من تحقق العدالة في الآخرة على أكمل وجه ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يستفزّونك ولا يجعلونك خفيف التفكير ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ لا يوقنون بالآخرة.

317

سورة لقمان - 31 - مكية

مقدمة

نزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر لقمان بالآيات (12 - 13) وهو حكيم عربي قديم.

ارتباط السورة بما قبلها

اختتمت سورة الروم بأن الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل:

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (58/ 30)، وفي سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (6/ 31).

محور السورة

القرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام مداركهم العقلية:

﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (3)، ومن ثم فإنّ شكر الله لا يقتصر على القول، ولكن يتجاوزه إلى العمل، ما يعود مردوده على المرء نفسه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (12).

318

سورة لقمان (31): آية 1

سورة لقمان (31): آية 2

لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة:

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (7)، ما يوجب الانعتاق من الفكر المتحجّر المتوارث إن كان يخالف العقل، كما في وصايا لقمان لابنه: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (15)، وسبيل ذلك تجنب الاستكبار والإعجاب بالنفس: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (18 - 19)، وتجنب التقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (21).

وأن علم الله القديم وحكمته وآياته في عالم المشاهدة وعالم الغيب لا متناه ويستحيل أن تحيط به الكتب: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (27).

ولذا وجب حسم الأمور، واغتنام الفرصة قبل فوات الأوان: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (34).

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الم﴾ (1)

1 - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة 1/ 2].

﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (2)

2 - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، وهو حكيم من عدة وجوه: لأنه الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة،

319

سورة لقمان (31): آية 3

سورة لقمان (31): آية 4

سورة لقمان (31): آية 5

سورة لقمان (31): آية 6

والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة 106/ 2].

﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (3)

3 - القرآن أيضا ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يحسنون استخدام إمكاناتهم ومداركهم العقلية، ويستفيدون منها، فيكون فهم القرآن الكريم هدى لهم من جهة، كما هو رحمة لهم من الله تعالى في الدنيا والآخرة.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (4)

4 - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ تصديقا لإيمانهم، وما يترتّب عليه من تكليف ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إنّ الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة أولى وجيزة، تتبعها الآخرة.

﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (5)

5 - ﴿أُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ باتّباعهم آيات الكتاب الحكيم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في التوصّل إلى عاقبة سعيدة في الدنيا وفي الآخرة.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (6)

6 - ومع ذلك: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ شريحة من الناس المصمّمين على الكفر، وهم على النقيض من المذكورين بالآيات (3 - 5)، ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يبتدعون وينشرون كلاما لا طائل منه سوى الضلال والإضلال، كالنظريات الفلسفية في خلق الكون والإنسان، والسفسطة، بعيدا عن هدي القرآن الذي هو أحسن الحديث، انظر [الزمر 23/ 39]، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بهدف

320

سورة لقمان (31): آية 7

سورة لقمان (31): آية 8

سورة لقمان (31): آية 9

سورة لقمان (31): آية 10

إضلال الناس عن الطريق السوي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، وإنما باتباع الظن والتقليد ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ يتخذ سبيل الله والآيات القرآنية مجالا للهزء تنفيرا للناس منها، وإمعانا في الضلال ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وأمثال هؤلاء الناس موجودون في كل العصور، وليسوا مقتصرين على كفار مكة.

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (7)

7 - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ من الناس المذكورين أعلاه ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ الوقر المانع من السماع، فقد أصمّ الاستكبار أذنيه عن سماع الحقيقة ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ يتناسب مع ما اختار لنفسه من الاستكبار، والضلال والإضلال.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ (8)

﴿خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (9)

8 - 9 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ * خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ بخلاف المذكورين آنفا بالآية (7)،

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (10)

10 - بعد أن ذكرت الآيات (1 - 9) أن القرآن مشتمل على الحكمة بما يكفي لإيمان المحسنين، بخلاف المستكبرين الذين يشترون لهو الحديث، تبين الآيتان (10 - 11) من الإعجاز في خلق الأكوان ما لا يترك مجالا غير الإيمان بخالق واحد، وإبطال كلام المبطلين:

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ المعنى هنالك عمد لا ترونها، وهي قوانين الفيزياء التي أوجدهاتعالى، وبموجبها يسير النظام الكوني ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلاّ تميد الأرض وتهتز بكم،

321

سورة لقمان (31): آية 11

سورة لقمان (31): آية 12

سورة لقمان (31): آية 13

فالجبال تساعد على توازن القشرة الأرضية ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ أنواعا كثيرة ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ المطر ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل جنس، لأنّ كلاّ منها مشتمل على عناصر التذكير والتأنيث ﴿كَرِيمٍ﴾ كثيرة النفع من النباتات، والتغير في الضمائر من الغائب إلى الحاضر في اسم الجلالة، كما هي العادة في تغيير الضمائر في الكثير من الآيات، يفيد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تحيط به الضمائر التي تستخدم للبشر.

﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (11)

11 - ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ بما فيه من إعجاز وآيات باهرات ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ممّن تشركون ﴿بَلِ الظّالِمُونَ﴾ المشركون الذين يعتقدون الألوهية في غير الله تعالى ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أمام هذا الإعجاز.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (12)

12 - بعد مقدّمة الآيات (1 - 11) ينتقل الخطاب إلى ذكر نصائح لقمان لابنه، الآيات (12 - 19)، ولقمان: حكيم قديم عند العرب، ورد ذكره قبل الإسلام في قصيدة للنابغة الذبياني.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يعود نفع الشكر على صاحبه، كما الجحود ينعكس عليه سلبا ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عن العالمين، غير محتاج للشكر، ولا يتضرر بجحود جاحد ﴿حَمِيدٌ﴾ جدير بالحمد وإن لم يحمده حامد.

﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾

322