بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 323 - 330

سورة لقمان (31): آية 14

سورة لقمان (31): آية 14

سورة لقمان (31): آية 15

سورة لقمان (31): آية 16

13 - ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأن الإنسان يظلم نفسه بالشرك، بالنظر لما في الشرك من تحقير لصاحبه إذ يخضع نفسه للأوهام والزيف والزعامات، وما في ذلك من إهانة للعقل السليم، والشخصية السليمة.

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (14)

14 - قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ حسنا ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ﴾ ضعفا على ضعف، فهو ضعيف وهي ضعيفة، ويزداد ضعفها ضعفا بازدياد الحمل ﴿وَفِصالُهُ﴾ فطامه وترك إرضاعه ﴿فِي عامَيْنِ﴾ في انقضاء عامين على رضاعه، وقيل أيضا: هي الفترة الإجمالية التي تبدأ بالحمل وتنتهي بالفطام، أي هي فترة اعتماد الطفل على والدته اعتمادا كلّيا ﴿أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ جعل الله تعالى شكر الوالدين بعد شكره، إذ بعد أن خلقه جعل الوالدين السبب المباشر لوجوده ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ فأحاسبكم على برّ الوالدين أو عقوقهم.

﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (15)

15 - ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من الزيف والأوهام ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ ولا تحقّر نفسك بالشرك، ولا تهمل عقلك وتفكيرك المستقل ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ بما يرتضيه الشرع ﴿وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ رجع إلى الله بالتوبة والإخلاص والتوحيد ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازى كلّ بحسب عمله.

﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)﴾

323

سورة لقمان (31): آية 17

سورة لقمان (31): آية 18

سورة لقمان (31): آية 19

سورة لقمان (31): آية 20

16 - عودة الخطاب إلى لقمان لابنه: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ﴾ الخصلة الحسنة أو السيئة ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ إشارة إلى أنها في غاية الصغر ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ محجوبة بها ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ﴾ في غاية البعد ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ في ظلمات الأرض ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يحضرها فيحاسب عليها ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ يصل علمه إلى كلّ خفيّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه.

﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (17)

17 - ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ لأنّ الإيمان يستوجب التكليف ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المعروف في موافقته للفطرة السليمة، وفي المجتمع أنه حسن ﴿وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره الفطرة السليمة، وينكره المجتمع ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ من الشدائد ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ من الأمور الواجبة.

﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (18)

18 - ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تمل خدّك عن الناس تكبّرا ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ متبخترا من الخيلاء ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ المتكبّر المختال.

﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (19)

19 - ﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ لا يكن مشي المتماوت، ولا مشي المتجبّر، بل وسطا بينهما ﴿وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ انقص منه ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لشدة حدّتها وارتفاعها، والخلاصة أن لقمان أمر ابنه بالاعتدال.

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (20)﴾

324

سورة لقمان (31): آية 21

سورة لقمان (31): آية 22

20 - بعد انتهاء وصايا لقمان لابنه، عودة إلى الآية (10):

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مكّنكم من الاستفادة منهما بما أودع فيكم من العقول، وما استنبطتم بها من العلوم ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ من النعم المادية ﴿وَباطِنَةً﴾ من النعم الروحانية، كهدي القرآن ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ مع ذلك، ومع كلّ هذا الإعجاز البيّن، هنالك ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في توحيده، بل في وجوده ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، ولا مستفاد من دليل عقلي، بل مجرّد جدل ظنّي ﴿وَلا هُدىً﴾ مستفاد من الوحي ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ولا هو مبني على القرآن.

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (21)

21 - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ للمجادلين بغير علم ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من الوحي والهدى ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يعبدون ويعتقدون ما عبد واعتقد الآباء بلا تغيير، في ظلم واضح لعقولهم، من حيث عدوا عقول الآباء خيرا من عقولهم ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ ويدعو آباءهم ﴿إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ لأنّه يأمرهم بالتقليد، وبتعطيل عقولهم عن التفكير وعن تدبّر القرآن.

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (22)

22 - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ كناية عن تفويض الأمر إلى الله، والإقبال عليه بالكليّة قلبا وقالبا، لأن الوجه هو الذات ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعماله ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي تعلّق أتمّ التعلّق بأوثق ما يمكن التعلّق به من الأسباب، فلا يقع في هاوية الكفر والضلال، وهذا تشبيه تمثيلي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن في أعماله ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تصير إليه، لا إلى غيره.

325

سورة لقمان (31): آية 23

سورة لقمان (31): آية 24

سورة لقمان (31): آية 25

سورة لقمان (31): آية 26

سورة لقمان (31): آية 27

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (23)

23 - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فقد اختار لنفسه الباطل، ولا عليك قسره ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ للحساب ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ حتى يتبيّن لهم الصواب من الخطأ ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بمن تميل به جبلّته إلى الإيمان، ومن تميل به جبلّته إلى الإنكار بمحض اختياره.

﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (24)

24 - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ في دنياهم لعلهم يتوبون ويتّعظون ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ إن لم يتوبوا، والاضطرار إلى العذاب لأنّه مرتبط بالكفر والجحود ارتباط السبب بالمسبّب.

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (25)

25 - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بلا تفكير ولا تمعّن، بل هي استجابة عفوية منهم دون الإقرار بالتوحيد، ودون الإقرار بأنّ الله تعالى وحده الخالق ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على إقرارهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون ما يترتّب على إقرارهم من نفي الشرك والشركاء المزعومين.

﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (26)

26 - ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده لا شريك له ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن حمد الحامدين ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق الحمد لذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.

﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)﴾

326

سورة لقمان (31): آية 28

سورة لقمان (31): آية 29

27 - ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ لو كانت كل أشجار الأرض أقلاما ﴿وَالْبَحْرُ﴾ المحيط، باعتباره اسم جنس للبحار جميعا، يمدّ الأقلام - الأشجار - بالمداد ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ البحار السبعة تمدّ البحر المحيط، والمراد بالسبع التكثير، أي كثرة الماء والسعة، وليس العدد (سبعة) بالتحديد ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ فالخلق في تجدّد دائم، وكلمات الله وعلومه وحكمته لا نهاية لها ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء جلّ شأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج عن علمه وعن حكمته شيء، إذ أحاطت علومه وحكمته بكلّ شيء، في الماضي والحاضر والمستقبل.

﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (28)

28 - ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لا فرق عنده تعالى بين خلق البشرية بكاملها وبعثها، وخلق نفس واحدة منها وبعثها، فالأمر عنده سيان في السهولة لقوله تعالى: كن فيكون ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (29)

29 - ومن الدلائل مقدرته تعالى على تسخير الشمس والقمر، بحيث يتتابع الليل والنهار:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المؤمن، وأيها السامع، وأيها القارئ ﴿أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ حيث يتتابعان الواحد تلو الآخر، وفي تعبير ولوج كل منهما في الآخر، في آن واحد، دلالة غير مباشرة على كروية الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لحياة الإنسان على الأرض، فالشمس تمدّ الأرض بالطاقة، والقمر يعكس نور الشمس على الأرض، وبه يتم حساب الشهور القمرية ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ضمن مدار كل منهما، الشمس ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في منازله حول الأرض، ثمّ جريانهما معا ينتهي

327

سورة لقمان (31): آية 30

سورة لقمان (31): آية 31

سورة لقمان (31): آية 32

بالقيامة يوم تبدّل الأرض غير الأرض، والسماوات، انظر [إبراهيم 48/ 14]، ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لأنّ من كانت هذه مقدرته في الخلق، وهو أهون عليه، لا يغفل عن أعمال عباده صغيرها وكبيرها.

﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (30)

30 - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما أشارت إليه الآيات (26 - 30) من مقدرته تعالى بلا حدود ﴿بِأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ هو الحقيقة الوحيدة في الكون على الدوام ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾ ما عداه عبارة عن وهم لا وجود حقيقي له، ولا وجود له بذاته، فلا يوجد إلاّ بغيره ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على غيره ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (31)

31 - هذه الآية عطف على الآية (29) لبيان المزيد من الإعجاز:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بما سخّر في الخلق من قوانين الفيزياء التي تحكم جريان السفن فوق الماء، وما أودع في عقول البشر من إمكانات للاستكشاف والتقدم العلمي في مجال السفن وغيره ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ من معجزاته التي ترونها من المسلّمات ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على استنباط الأدلّة من الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾ لله تعالى على ما أنعم به من الخلق والهدى.

﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ (32)

32 - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ﴾ أي المشار إليهم بالآيات (21) و(25)﴾، ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ فارتفع بهم الموج، وهم في عرض

328

سورة لقمان (31): آية 33

البحر، فصار أعلى منهم، كأنّه الجبال، أو كأنه ظلال الموت وهم مشرفون على الغرق ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اضطرّوا لدعائه تعالى وحده، لما دهاهم من الخوف الشديد، بعد أن زال عنهم ما ينازع الفطرة السليمة من الهوى والتقليد ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقسموا فريقين: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ منهم من سلك طريق القصد، أي الطريق المستقيم، وهو طريق التوحيد بلا منازع وطريق العمل الصالح، ويحتمل المعنى أيضا أنّه عاد مقتصدا في سلوكه فهو مذبذب بين الإيمان والكفر، أو بين الإيمان والشرك، ومنهم الجاحد: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ ينكرها استكبارا ومكابرة مع علمه بصحتها ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ﴾ غدّار شديد الغدر، لأنه لا يصبر على العهد الذي قطعه على نفسه في محنته، فينقضه، ﴿كَفُورٍ﴾ مبالغ في كفران نعمه تعالى، وهذا المعنى ينطبق على كل من يقع في الشدائد، وليس مقتصرا على ركّاب السفن في البحر، ولا غيرها من وسائل المواصلات.

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (33)

33 - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ اثبتوا على الإيمان، ولا تكونوا كالمذبذبين بين الإيمان والشرك، ولا كالجاحدين الذين ينكصون إلى الكفر بعد أن نجّاهم الله تعالى من الشدائد، وكلا الفريقين مشار إليهما بالآية المتقدّمة ﴿وَاِخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ عملا بالقاعدة القرآنية: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام 164/ 6]، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ لا بدّ من تحقّقه لا محالة ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ من متاع لا يلبث أن يزول بحلول الأجل، ومن لذّات فانية مؤقتة ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وهو من قبيل الضلالات التي تزيّن للمرء عمله السيّئ، وتمنّيه بالجنة والمغفرة رغم

329

سورة لقمان (31): آية 34

المعاصي، فذلك من قبيل التمنّي الخادع، فاتقوا الله أيها الناس قبل فوات الأوان، كما سيرد بالآية التالية:

﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (34)

34 - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وحده يعلم موعدها، لا تأتيكم إلا بغتة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ المطر ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ ليس فقط أنه يعلم نوع الجنين من ذكر أو أنثى، بل أيضا إن كان سوف يخرج الجنين إلى قيد الحياة، وفي تلك الحال ما سوف تكون عليه جبلّته وشخصيته في الدنيا؟ وما الدور الذي سوف يقوم به في حياته؟ الحياة التي رمزت الآية إلى أوّلها بالغيث، وإلى آخرها بقيام الساعة ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ في مستقبلها من خير أو شرّ ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فمن باب أولى أنها لا تدري توقيت موتها ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده فلا يكشف لهم حجب الغيب من موعد قيام الساعة ولا موعد آجالهم ﴿خَبِيرٌ﴾ في ظواهر الأمور وبواطنها.

330