بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 347 - 354

سورة الأحزاب (33): آية 8

﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ وقتما كانوا في عالم الذرّ، عندما أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم، انظر [الأعراف 172/ 7]، وقد أخذ تعالى ميثاقهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعوة إلى الدين الحق، وتصديق بعضهم بعضا، واتّباع بعضهم بعضا ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ عطف الخاص على العام، إيذانا بالمزيد من فضلهم ومزاياهم وكونهم من كبار الأنبياء ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عهدا عظيم الشأن، تأكيدا على تأديتهم الرسالة على أتم وجه.

﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا﴾ (8)

8 - ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ﴾ الأنبياء ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ ماذا كانت استجابة الناس لرسالاتهم الصادقة؟ انظر [المائدة 109/ 5]، و[الأعراف 6/ 7]، ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر والإنكار وماتوا عليه ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ بما اختاروا لأنفسهم.

سورة الأحزاب (33): آية 8

سورة الأحزاب (33): آية 9

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (9)

9 - بعد أن ذكرت الآيتان (7 - 8) أخذ الميثاق من النبيين، وسؤال الصادقين عن صدقهم، ينتقل الخطاب إلى مثال تطبيقي عمّا قد يترتّب عن التبليغ والدعوة من مشاقّ، وهو وقعة الأحزاب أو وقعة الخندق كما عرفت:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ما أنعم الله تعالى عليكم يوم الأحزاب ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ من قريش وحلفائها من قبائل جزيرة العرب، وبنو النضير وحلفاؤهم من يهود المدينة ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ من عوامل الطبيعة كالبرد القارص والأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة ما جعل مستحيلا على الأحزاب متابعة الحصار، انظر الخلفية التاريخية ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق واستعدادكم واتخاذكم الإجراءات

347

سورة الأحزاب (33): آية 10

سورة الأحزاب (33): آية 11

سورة الأحزاب (33): آية 12

العملية للحرب إعلاء لكلمته تعالى، والتجائكم إليه ورجائكم نصرته ﴿بَصِيرًا﴾ بأحوالكم، فأيّدكم بنصره بعدما أعددتم للأمور عدّتها.

﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (10)

10 - ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ جاءت بنو غطفان، ومن تابعهم من قبائل نجد وبنو النضير وبنو قريظة، من أعلى الوادي بالجهة الشمالية الشرقية للمدينة ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ جاءت قريش ومن تابعها من قبائل الحجاز وأهالي تهامة الساحلية، من أسفل الوادي بالجهة الجنوبية الغربية للمدينة، والخلاصة أن العدو أحاط بالمسلمين من كل جنب ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ أبصار المؤمنين مالت وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ خافت خوفا عظيما كأنها تحرّكت من مواضعها لتخرج من الحناجر ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ظنونا كثيرة، فظنّ المخلصون الثابتون في أرض المعركة أن ينجز الله وعده لهم بالنصر، وظنّ البعض أن يمتحنهم تعالى فتزلّ أقدامهم ولا يتحمّلون ما نزل بهم، وظنّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنّ محمدا وأصحابه سوف يستأصلون، كما سوف تبيّن الآيات التالية.

﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ (11)

11 - ﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبرهم الله تعالى بظهور أعمالهم من النوايا إلى التنفيذ ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ لقلّتهم وكثرة الأعداء، اضطربوا اضطرابا شديدا من شدة الفزع.

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُورًا﴾ (12)

12 - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المذبذبين أنصاف المؤمنين ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام ﴿إِلاّ غُرُورًا﴾ وعد غرور، أي قولا باطلا يغرّنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به.

348

سورة الأحزاب (33): آية 13

سورة الأحزاب (33): آية 14

سورة الأحزاب (33): آية 15

سورة الأحزاب (33): آية 16

﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ (13)

13 - ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ من المنافقين وضعاف النفوس ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ يا أهل المدينة لا ينبغي ولا يمكن لكم الإقامة هنا ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم بالمدينة فيكون ذلك أسلم لكم من القتل، يريدون بذلك الفرار، وارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك، وعمّا بايعتم محمدا عليه ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ استئذانا ظاهرا ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا﴾ بالمدينة ﴿عَوْرَةٌ﴾ يزعمون أنّ بها خللا، يمكن اختراقها ويخشى عليها من العدو ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرارًا﴾ لا يريدون بالاستئذان سوى الهرب من القتال.

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا﴾ (14)

14 - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة، أو بيوتهم ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ من جميع جهاتها واشتدّت الحرب ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ طلب منهم الردّة والرجوع إلى الشرك ﴿لَآتَوْها﴾ لاستجابوا لما طلب منهم ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيرًا﴾ المعنى أنهم في تلك الحال لا يبقون على ما ارتدّوا إليه من الفتنة والكفر إلا لبثا قليلا، لأن الله تعالى يهلكهم بردّتهم.

﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ (15)

15 - ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ كانوا قد جبنوا يوم أحد، ثم تابوا وعاهدوا قبل يوم الخندق ألاّ يفرّوا ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلًا﴾ عن الوفاء به.

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا (16)﴾

349

سورة الأحزاب (33): آية 17

سورة الأحزاب (33): آية 18

سورة الأحزاب (33): آية 19

16 - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ لأن المقدّر المكتوب عليكم واقع لا محالة ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ وإن نفعكم الفرار مؤقّتا بأن أخّر عنكم القتل فمتّعتم فلا يكون لكم إلاّ متاعا قليلا أو زمانا قليلا، فأيام الحياة وإن طالت قصيرة.

﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ (17)

17 - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا، ومن يمنع رحمة الله عنكم إن أراد بكم رحمة؟ ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا﴾ ينفعهم ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يدفع الضرر عنهم.

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (18)

18 - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ المثبّطين عن نصرة الرسول ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ المنافقون واليهود كانوا يقولون لإخوانهم من أهالي المدينة تعالوا وكونوا معنا، ولا تكونوا مع محمد ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ الحرب ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ لا يقاتلون إلاّ قتالا قليلا، أو يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.

﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (19)

19 - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ جمع شحيح، أي هم بخلاء على أهل المدينة بالنفقة وبالنصرة وبكل ما فيه منفعة لهم، كما يخافون على أنفسهم في حال تحققت الغلبة للنبي ﷺ ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ من العدوّ، وتوقّع المعوّقون أن يستأصل أهل المدينة ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أحداقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كالذي يعاني سكرات الموت

350

سورة الأحزاب (33): آية 20

﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وتحققت الغلبة للمؤمنين ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ آذوكم بالكلام، وخاصموكم بألسنة سليطة ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ بخلاء حريصين أن يأخذوا من مال الغنائم ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالإخلاص، فهم منافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ لأنها باطلة إذ صحتها مشروطة بالإيمان بالإخلاص وهم يبطنون الكفر ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ لا يبالي به.

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ (20)

20 - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بسبب خوفهم وجبنهم لم يصدّقوا أن الأحزاب انهزمت ورحلت ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية، ويحتمل أنّهم اعتقدوا أنّ الأحزاب ستعود لحصار المدينة بقوة كبيرة ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ في البدو مع الأعراب خارج المدينة ليكونوا سالمين من القتال ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ يتعرفون أحوالكم بالاستخبار عن بعد لا بالمشاهدة، لشدة جبنهم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلًا﴾ يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.

﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (21)

سورة الأحزاب (33): آية 21

سورة الأحزاب (33): آية 22

21 - ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ القدوة الحسنة في كل أعماله وأقواله وثباته في الحرب ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ يأمل رحمة الله ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ لقاء اليوم الآخر ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ ذكرا كثيرا باستحضار معناه وليس بمجرّد القول، والمغزى أن الأسوة الحسنة لا تتحقق ولا تكون إلاّ لمن توافرت فيه هذه الخصال الثلاث.

﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (22)﴾

351

سورة الأحزاب (33): آية 23

سورة الأحزاب (33): آية 24

سورة الأحزاب (33): آية 25

22 - ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قد يكون في ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة 214/ 2]، ﴿وَما زادَهُمْ﴾ هول الموقف ﴿إِلاّ إِيمانًا﴾ بالله تعالى وبوعده بالنصر ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ استسلاما لأمر الله ولأوامر النبي ﷺ.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (23)

23 - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات في الحرب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ وفّى بنذره، فقاتل حتى قتل، لأن النحب النذر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يوما فيه جهاد، فيقضي نحبه ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ما بدّلوا عهدهم، وما غيّروه تبديلا.

﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (24)

24 - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ بسبب صدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب.

﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (25)

25 - ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ بل كانت حملتهم وبالا عليهم ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بأن سلّط على الأحزاب عوامل الشتاء القاسي من العواصف والأمطار والبرد القارص، وأوقع الفرقة بينهم فانهزموا ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ غالبا على كلّ أمر.

352

سورة الأحزاب (33): آية 26

سورة الأحزاب (33): آية 27

﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (26)

26 - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم يهود بني قريظة ظاهروا قريشا في وقعة الخندق ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ كان بنو قريظة أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين، إذ حالفوا قريشا والأحزاب في أثناء وقعة الخندق، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم أن تقتل الرجال منهم، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقتل منهم 600 - 700 رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه (محمد واليهود) أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ خمس مئة.

﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (27)

27 - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أصبحت ملكا للمسلمين ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها﴾ ومنها خيبر، وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون بعد ذلك، وصاروا بعد ذلك في حالة من اليسر، وذلك وجه اتصال هذه الآية بما بعدها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ومنها نصرة دينه والمؤمنين.

353

سورة الأحزاب (33): آية 28

سورة الأحزاب (33): آية 29

سورة الأحزاب (33): آية 30

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ (28)

28 - عندمانزلت هذه الآية كان المسلمون قد فتحوا خيبر بأراضيها الزراعية الغنية، وتغيّرت حالهم من العسر والضيق المادي إلى اليسر، غير أن حالة اليسر هذه لم تنعكس على بيت الرسول ﷺ ممّا كانت تتوق إليه زوجاته، فالرسول كان يرى أن وضعه المادي يجب أن يضاهي وضع فقراء المسلمين وليس أغنياءهم، ممّا أدّى به أن يعرض على زوجاته الخيار بين سراحهنّ أو البقاء معه، وقرأ عليهنّ الآيتين (28 - 29) فاخترن جميعا البقاء معه:

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي السعة والتنعّم فيها ﴿وَزِينَتَها﴾ زخرفها ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكنّ متعة الطلاق، انظر [البقرة 241/ 2]، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا﴾ طلاقا ﴿جَمِيلًا﴾ لا ضرار فيه، ولا خصومة ولا مشاجرة.

﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (29)

29 - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بغضّ النظر عن الدنيا ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ﴾ في أقوالهنّ وأعمالهنّ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الآخرة.

﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ (30)

30 - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ من الكبائر، كمعصية النبي، أو طلبهنّ منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعا ويغتم لأجله، وعقوقه وفساد عشرته ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهرة القبح ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يوم القيامة يعذّبن ضعفي عذاب غيرهنّ ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعه جلّ شأنه كونهنّ نساء نبيّه.

354