بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 483 - 490

سورة الزمر (39): آية 7

سورة الزمر (39): آية 7

6 - ومن دلائل وحدانيته أيضا خلق البشر والأنعام: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة فهي من ثمّ نفس واحدة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ذكره الرازي، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ [النحل 72/ 16]، انظر أيضا [النساء 1/ 4]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ من الضأن اثنين: الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين:

التيس والعنز، ومن الإبل اثنين: الجمل والناقة، ومن البقر اثنين: الثور والبقرة، وقد ذكرت في سورة الأنعام لجهة ما كانوا يحرمونه في الجاهلية [الأنعام 143/ 6 - 144]، في حين ذكرت هنا لبيان أنها من رزق الله تعالى، لأنّ البشر معتمدون عليه تعالى بالكلية بعد أن خلقهم من نفس واحدة.

﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، انظر [الحج 5/ 22]، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ ظلمة الرحم والبطن وظلمة قبل الولادة ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ولو كان في السماوات والأرض آلهة إلاّ الله لفسدتا، انظر [الأنبياء 22/ 21] ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ عن هذه الحقائق؟

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (7)

7 - بعد بيان نزول القرآن، والدلائل المشار إليها آنفا فإنّ عاقبة الكفر والشكر تعود على صاحبها دون غيره: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ غنيّ عن إيمانكم وشكركم ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لما فيه من الضرر على العباد، فالجحود يعود سلبا على صاحبه ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لما فيه من نفعكم،

483

سورة الزمر (39): آية 8

سورة الزمر (39): آية 9

ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، انظر [لقمان 12/ 31]، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر هو الحمل الثقيل، وهو أيضا الإثم لأنه يثقل صاحبه، والمعنى أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى، أو لا تأثم آثمة بإثم أخرى، وهو مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام بأن لا يحمل أحد ذنب غيره، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ بعضهم يستطيع أن يحمل إثم بعض، ومن جهة ثانية فقد اخترعت المسيحية فكرة (الخطيئة الأصلية) وابتدعوا أن المسيح افتدى واحتمل خطاياهم سلفا نيابة عنهم ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم كلاّ بعمله، وليس بعمل غيره ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يعلم ما في صدوركم من النوايا والدوافع.

﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ (8)

8 - وهذه الآية تبيّن حال المذبذبين أنصاف المؤمنين: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ من مرض وفقر وغيره من المكاره ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعا إليه ممّن كان يدعوه من دون الله في حالة الرخاء، لعلمه أنّ من دون الله عاجز عن كشف المضرة ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إذا أنعم الله تعالى عليه تفضّلا منه ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى لإزالته ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ التحويل ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْدادًا﴾ شركاء ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فلا يقتصر الضلال على نفسه بل يدعو غيره إلى الضلال إما بفعله أو بقوله، لأنّ اللام لام العاقبة ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ زمنا قليلا أو تمتعا قليلا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ فهي النتيجة الطبيعية لأمثاله.

﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (9)﴾

484

سورة الزمر (39): آية 10

سورة الزمر (39): آية 11

سورة الزمر (39): آية 12

9 - ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا﴾ القائم بواجب الطاعات والعبادات في ساعات الليل بعيدا عن الرياء، هل يمكن أن يكون مساويا في العلم والأجر؟ للكفار والمذبذبين المذكورين آنفا؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يحذر ما يؤدي لعذاب الآخرة من الكفر والمعاصي ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فيفوز بما يرجو من النعيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؟ فاستفادوا من نعمة العقل ونعمة الوحي ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ رغم أن وسائل العلم متاحة لهم ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ الذين يعملون بما يعلمون.

﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (10)

10 - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول تلخيصا للآيات (7 - 9): كذلك قال الله ربكم:

﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا﴾ معصية ﴿رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وهي الجنة ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ للذين يبغون الهجرة إلى أرض يمارسون فيها عباداتهم بحرية بعيدا عن الاضطهاد، ويمارسون الدعوة، انظر شرح [النساء 97/ 4]، وأما ما ذكره الفقهاء من تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار كفر فقد كان انعكاسا لأوضاع راهنة فرضت على الأمة، وليس تعبيرا نظريا عمّا يجب أن يكون أبد الدهر ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ﴾ يوفّى الصابرون على المحن الدنيوية من مرض وبلاء، فوق إحسانهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وأمّا ما نالوه في الدنيا فهو عاجل حظهم.

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (11)

11 - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وحده بلا شرك ولا رياء، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام 14/ 6]، فالمطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله.

﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)﴾

485

سورة الزمر (39): آية 13

سورة الزمر (39): آية 14

سورة الزمر (39): آية 15

سورة الزمر (39): آية 16

12 - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالرسول أوّل من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم، انظر [الأنعام 14/ 6].

﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (13)

13 - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عذاب يوم القيامة.

﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (14)

14 - ﴿قُلِ اللهَ﴾ وحده ﴿أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ من الشرك الظاهر والخفي، ومن غير طلب شيء بالمقابل.

﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (15)

15 - بعد الموعظة البليغة بالآيات (10 - 14) لم يبق سوى تفويض الأمر لحرية الفرد مع بيان العاقبة لمن يختار الكفر: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله، من الشركاء والأنداد المزعومين، واعبدوا المادة والثروة والزعامة والجاه ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بمحض اختيارهم ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سوف يجدون أنفسهم وحيدين يوم القيامة فلا أهل ولا أحبّاء ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أن يجد الإنسان نفسه وحيدا، ناهيك عن العذاب الذي سوف يرد وصفه:

﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (16)

16 - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ تمثيل عذاب جهنم بما نعرف في الدنيا من المحسوس ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ التهويل بطريق الإبهام ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا ما يؤدي بكم إلى أوخم العواقب.

486

سورة الزمر (39): آية 17

سورة الزمر (39): آية 18

سورة الزمر (39): آية 19

سورة الزمر (39): آية 20

﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ (17)

17 - ﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ الذين أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو كل رأس في الضلال، كالزعيم من شياطين الإنس والجن، وعبادة الطاغوت بمعنى الطاعة المطلقة له ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ﴾ أقبلوا إليه تعالى إقبالا كليّا معرضين عمّا سواه ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ بالثواب من الله على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت وحين الحشر ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ الموصوفين بالآية التالية:

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (18)

18 - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الذين يستخدمون حجة العقل والنظر والاستدلال للنظر في ما بين أيديهم من الكتب المقدسة فيتّبعون أحسن الهدي وهو القرآن الكريم الذي بقي على أصالته منذ نزوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ وفقهم للهداية ﴿وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول السليمة التي تخلّت عن التقليد والعصبية.

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ (19)

19 - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾ المشار إليهم بالآيات (15 - 16)، بعكس الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها النبي ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ المعنى لا تستطيع ذلك إذا أصرّ الكافر على كفره وتمسّك بالتقليد ولم يتّبع أحسن القول.

﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (20)﴾

487

سورة الزمر (39): آية 21

سورة الزمر (39): آية 22

20 - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عودة إلى المشار إليهم بالآيات (17 - 18)، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وصف الجنة بالمعهود من الدنيا ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ فذلك من المحال عليه تعالى.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (21)

21 - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان، وعلى الأخص الإنسان الجاحد المشار لأمثاله بالآيات (15 - 16)، ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة لدورة الماء في الطبيعة ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ أحيا النبات من العدم ثم جعله حطاما بانتهاء دورته ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في إنزال المطر وإحياء النبات ثم جعله حطاما ﴿لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لأن أولي الألباب من أصحاب العقول السليمة الخالصة من شوائب الخلل والتقليد يتذكّرون من هذا المثل حال الدنيا وقصر لبث الإنسان فيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بها.

﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (22)

22 - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ من ذوي الألباب المشار إليهم في الآية المتقدمة، ومعنى شرح الصدر الإراحة من الهمّ والغمّ، وبالمقابل فالعرب تسمّي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمغزى أن إقبال المرء على الإسلام يرافقه إزاحة الغمّ والهمّ من الصدر ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ لأن المرء يصبح على يقين من أمور الدنيا والآخرة، وتتمة الخطاب محذوف وتقديره: إن الذي انشرح صدره للإسلام ليس كمن بقي يتخبط في الظلام ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ الذين إذا قرئ عليهم القرآن اشمأزوا واستكبروا وازدادت قلوبهم

488

سورة الزمر (39): آية 23

سورة الزمر (39): آية 24

قساوة، وهنالك معنى آخر؛ إذ يحتمل أن يكون في الخطاب محذوف وتقديره:

فويل للقاسية قلوبهم من نسيان ذكر الله، أي بحذف المضاف، وهو شائع في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الثاني ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ذوو القلوب القاسية الذين يشمأزون من سماع القرآن، أو يهملون دراسته، يقعون في أقصى درجات الضلال.

﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (23)

23 - في هذه الآية عودة إلى بداية السورة بالآيات (1 - 2)، وهي في الوقت ذاته استمرار للآية المتقدمة لأن انشراح الصدر للإسلام مترتب على قراءة القرآن وفهمه واستيعاب معانيه:

﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن الكريم ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ لأن القصص والحقائق تتكرر فيه من عدة أوجه فهي تشبه بعضها بعضا ﴿مَثانِيَ﴾ بمعنى التكرير والإعادة ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ من الرهبة ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ تسكن وتطمئنّ إلى ذكر رحمته تعالى ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ من يشاء الهداية، أو يشاءتعالى أن يوفقه للهدى ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لسوء استعداد الفرد ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فيخليه تعالى لنفسه ويخذله ولا يجبره على الهدى.

﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (24)

24 - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ عطف على الآية (22)﴾ واستمرار لمعنى القاسية قلوبهم من ذكر الله لأنهم سوف يواجهون عذاب الآخرة بوجوههم وليس من شيء يتّقون به، وتتمة الخطاب محذوف تقديره: هل يكون كمن هو آمن من العذاب؟ ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ استخدام

489

سورة الزمر (39): آية 25

سورة الزمر (39): آية 26

سورة الزمر (39): آية 27

سورة الزمر (39): آية 28

الفعل الماضي في الخطاب للإشعار بتحقق العذاب لا محالة ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي هذا العذاب نتيجة طبيعية لما كسبتم لأنفسكم وليس اعتباطا.

﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (25)

25 - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كذّبوا الرسل والوحي ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ظنّوا أنفسهم في مأمن من العذاب بإنكارهم الآخرة والمسؤولية، وغاب عنهم أن العذاب مترتب على التكذيب.

﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (26)

26 - ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ عذاب الذل والهوان في الدنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من عذاب الخزي في الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نظام الأسباب والمسببات.

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (27)

27 - عودة إلى موضوع الآيات (23، 2، 1)، وبعد أن ذكرت الآيات (16، 26، 24، 20، 19) أحوال أهل الجنة وأصحاب النار، تبيّن هذه الآية أن القرآن الكريم يضرب الكثير من الأمثال بما يعهده الناس من المحسوس في الدنيا، تمثيلا لما لا نعرفه من عالم الغيب: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ لما هو خارج إدراك البشر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيتّعظون.

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (28)

28 - ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء 198/ 26 - 199]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد، انظر شرح [يوسف

490