بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 3 · ص 491 - 498

سورة الزمر (39): آية 29

سورة الزمر (39): آية 29

سورة الزمر (39): آية 30

سورة الزمر (39): آية 31

2/ 12]، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ خال من التفاوت والاختلاف والخلل، انظر [النساء 82/ 4]، وهو أيضا واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ العواقب السيئة.

﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (29)

29 - استمرار الخطاب من الآية (27) في ضرب الأمثال:

﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ مشركا ﴿فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ رجل مملوك، له أسياد كثر متشاكسون، أي مختلفون عسرون، كناية عن كثرة معبوديه، فهو مشرك يتنازعه معبودوه ﴿وَرَجُلًا﴾ ورجلا موحّدا ﴿سَلَمًا﴾ خالصا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فرد، أي له سيد واحد فقط ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ المعنى لا يستويان، الأول في لوم وعناء دائمين، والثاني في راحة بال وسكينة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وحده، بعد إبطال القول بالشركاء ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس مشركون ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وحده مستحق الشكر على نعمائه.

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (30)

30 - بعد أن ضربت الآية المتقدمة مثلا بالمشركين والموحّدين، وأن أكثر الناس مشركون، تبين هذه الآية والتي تليها أن الحسم بين المشركين وبين دعوة النبي لهم يكون يوم القيامة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أيها النبي ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ لا محالة، لأن الدنيا ليست دار قرار، والمشركون في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت.

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (31)

31 - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ إذ لا سبيل لردع المشركين عن شركهم رغم الدلائل القاهرة، بسبب تمسكهم بالتقليد وابتعادهم عن الفكر المستقل، فلا ينفتحون على الحقيقة إلا في الآخرة.

491

سورة الزمر (39): آية 32

سورة الزمر (39): آية 33

سورة الزمر (39): آية 34

سورة الزمر (39): آية 35

سورة الزمر (39): آية 36

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (32)

32 - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بزعم تعدد الآلهة، أو الزعم بتجسد الإله في بشر، أو بنسب بعض خصائص الألوهية للقديسين والأولياء ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ مثوى لا مفرّ منه، والسبب أن الكافر يجلب الدمار على نفسه.

﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (33)

33 - ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هم الرسل والأنبياء ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أتباع الرسل ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يتّقون عذاب جهنم، بنتيجة أعمالهم المترتبة على تصديق الرسل.

﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (34)

34 - ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من حسن المآب ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا العبادة والعمل.

﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (35)

35 - ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بعد أن صدّقوا الرسل وعملوا بحسب صدقهم، يسقط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجورهم متناسبة مع أحسن أعمالهم.

﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (36)

36 - ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ عطف على الآية (33)﴾، والمقصود أن الله تعالى يكفي عبده محمدا ﷺ شرور الكفار، كما يكفي غيره من الرسل ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة

492

سورة الزمر (39): آية 37

سورة الزمر (39): آية 38

سورة الزمر (39): آية 39

سورة الزمر (39): آية 40

المزعومة، والمنسوب إليهم من خصائص الألوهية أحياء كانوا أم أمواتا، كما يخوفونك بالزعامات وأصحاب النفوذ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لدرجة أن يغفل عن كفايته تعالى لعبده ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يهديه إلى خير ما.

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ﴾ (37)

37 - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ ليس من مضلّ يستطيع أن يصرفه عن طريق الخير ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالب على أمره ﴿ذِي اِنْتِقامٍ﴾ ينتقم من مروّجي الشر، والانتقام بهذا المعنى يفيد تحقيق العدالة.

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (38)

38 - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بصورة عفوية؛ لأن فطرة العقل شاهدة بصحة هذا القول ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الشركاء المزعومين أو الأشخاص المؤلهين ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يستطيعون كشف الضر إذ لا خالق سواه ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فيمنعهاسبحانه عني؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ يكفيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته.

﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (39)

39 - ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ الذين تنكرون الحقيقة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما بإمكانكم في الإنكار، فالعواقب تعود عليكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ كل ما بإمكاني في سبيل الله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المستقبل القريب والبعيد:

﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40)﴾

493

سورة الزمر (39): آية 41

سورة الزمر (39): آية 42

40 - ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الحياة الدنيا، والمغزى أنّ استسلام المجتمع للكفر وللقيم الزائفة يؤدي به إلى الانحطاط الروحي، ومن ثمّ إلى الكوارث الاجتماعية والعذاب الدنيوي ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة.

﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (41)

41 - عودة لموضوع الآيات (28، 27، 23، 18، 2، 1):

﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجل الناس قاطبة ولأجل مصالحهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ متضمنا ومبيّنا الحق ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بهدي القرآن ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يكون ذلك لمنفعته ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن هدي القرآن ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يكون ذلك وبالا عليه ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لا تستطيع، وليس من واجبك أن تجبرهم على الهدى، فلست مسؤولا عن سلوكهم وما وظيفتك إلاّ البلاغ.

﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (42)

42 - قال الرازي عن ارتباط هذه الآية بما قبلها: إن الهداية أشبه بالحياة واليقظة، والضال أو الغافل الذي يتوصل للهداية أشبه بالنائم الذي يستيقظ على الحقيقة، كما أنّ الضلال أشبه بالموت، انظر [الأنعام 122/ 6]:

﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ التوفّي يعني أخذ الشيء وافيا، وقد استعمل التعبير مجازا بمعنى الموت لأن الإماتة تقتضي استيفاء جميع الإشارات الحيوية من النفس بشكل دائم ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ تشبيه النوم بالموت لأن الأنفس وقت النوم تبدو غائبة عن الوعي مؤقتا وإلى حدّ ما ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الله تعالى الأنفس ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الدائم ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ يرسل الأنفس النائمة فيعيدها إلى اليقظة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حين موتها الدائم،

494

سورة الزمر (39): آية 43

سورة الزمر (39): آية 44

سورة الزمر (39): آية 45

ويجب الانتباه هنا إلى دقيقة وهي التفريق بين النفس وبين الروح، فالموت هو للنفس، أما الروح فلا تموت بل تستمر في الحياة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفية تعلق الأنفس بالأجساد، والفرق بين النفس والروح.

﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (43)

43 - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ مع كل هذه البراهين القاهرة على قدرته تعالى، فإن معظم الناس يميلون إلى تجاهلها، بل يظنون أن الشفيع يمكنه أن يشفع من دون إذنه تعالى، وقد نقض القرآن الكريم ظنهم بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء 28/ 21]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا﴾ الشفعاء ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ من المقدرة ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم إما جمادات أو أموات أو شخصيات مؤلهة أو آلهة مزعومة.

﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (44)

44 - ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ يملك الشفاعة كلها، فلا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا أن يكون المشفوع له مرتضى والشفيع مأذونا له بالشفاعة، وما في ذلك من تكريم للشفيع والمشفوع له ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يتصرف أحد بدون إذنه ورضاه ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتتحقق العدالة في الآخرة على أتم وجه.

﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (45)

45 - ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ ولم تذكر معه آلهتهم ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لأن الإيمان بالآخرة يتضمّن اعترافهم بالمسؤولية الأخلاقية ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من المعبودات الوهمية ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لأن تلك المعبودات لا تفرض عليهم أي مسؤولية.

495

سورة الزمر (39): آية 46

سورة الزمر (39): آية 47

سورة الزمر (39): آية 48

﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (46)

46 - نتيجة الخلاف بين المؤمنين والكفار: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، انظر شرح [الأنعام 14/ 6]، ﴿عالِمَ الْغَيْبِ﴾ الغيب ما يغيب عن إدراك البشر ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما تدركه حواسهم من عالم المشاهدة ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ من المهتدين، ومن الضالين، المشار إليهم بالآيات (41 - 45)، ﴿فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من العقائد، لأن الإنسان مكرّم بالعقل وبحرية الخيار فيتحمل مسؤولية خياره كما هو مذكور في الآيات التالية:

﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (47)

47 - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بالكفر وبإنكار الآخرة ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ المغزى أن جميع أعمالهم (الحسنة) في الحياة الدنيا، ولو كانت مضاعفة، تذهب هباء فلا تفديهم من عذاب يوم القيامة للسبب المذكور تاليا: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ يصبح واضحا لهم أن مآل الإنسان في الآخرة، وسعادته أو تعاسته فيها، مترتبة بشكل طبيعي على سلوكه وحسن استخدام ملكاته العقلية في الدنيا من الإيمان أو الكفر.

﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (48)

48 - ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من عقائد فاسدة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاطت بهم حقيقة الحياة بعد الموت، والحقائق التي جاء بها الأنبياء والرسل، بعد أن كانوا يستهزئون بها.

﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49)﴾

496

سورة الزمر (39): آية 50

سورة الزمر (39): آية 51

سورة الزمر (39): آية 52

49 - بعد أن بينت الآية (43) إنهم اتخذوا شفعاء من دون الله، وإن قلوبهم تشمئز من ذكر الله وحده، الآية (45)، تضيف هذه الآية خصلة أخرى من خصالهم الفاسدة:

﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ يفزعون إلى الله تعالى عند وقوعهم في الضرّ من مرض أو فقر ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أعطيناه على سبيل التفضّل ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ كالعافية والغنى ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أوتيت النعمة أو شيء منها ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي استحقاقي لها كان بسبب مهارتي وحذاقتي لا غير ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ردّ لقوله ذلك، فهي فتنة على سبيل الاختبار المقصود منها إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، انظر شرح [الأنفال 25/ 8]، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون أن التخويل كان على سبيل الاختبار، كي تبرز خصال المرء إلى حيّز الواقع.

﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (50)

50 - ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لأن الكلام عن جنس الإنسان ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا، وما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل.

﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (51)

51 - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من الأعمال والعقائد الفاسدة ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ المشركين في كل زمن ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ فتلك قاعدة عامة، لأنّ أمور الدنيا والآخرة لا تسير اعتباطا ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون التنصل من العواقب ولا الهرب منها.

﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)﴾

497

سورة الزمر (39): آية 53

سورة الزمر (39): آية 54

52 - استمرار الخطاب من الآية (49): ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يبسط ﴿وَيَقْدِرُ﴾ لمن يشاء أن يقدر، فلا يكون للإنسان يد في ذلك ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بمدلولات الأمور والحكمة منها، فكم من عاقل كادح قدر عليه رزقه، وكم من جاهل مبذّر بسط له في رزقه.

﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (53)

53 - ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الذين أفرطوا في المعاصي، من أمثال المشار إليهم بالآية (49)، ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ لا تيأسوا من مغفرته سبحانه، فتوبوا إليه قبل أن تداهمكم المنية وقبل فوات أوان التوبة، انظر الآية التالية (54)، ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ بالتوبة والإنابة، انظر شرح آية [النساء 48/ 4] حيث تستثني الشرك لما فيه من مذلة للإنسان ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ المراد؛ التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مفرّ له من العذاب البتة، لأن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، فعليه أن يتوب ويعود عن غيّه عاجلا قبل الفوات، انظر قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام 54/ 6]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء 110/ 4].

﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (54)

54 - استمرار الخطاب، والمغزى: لا تقنطوا من رحمة الله فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ ارجعوا إليه وتوبوا ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ﴾ في الدنيا قبل الآخرة ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ بعد فوات أوان التوبة، وفي الحديث: «من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ولكن

498