بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 32 - 39

سورة فصلت (41): آية 4

سورة فصلت (41): آية 4

سورة فصلت (41): آية 5

سورة فصلت (41): الآيات 6 إلى 7

سورة فصلت (41): آية 8

سورة فصلت (41): الآيات 9 إلى 12

﴿أما الذين استولت عليهم الغفلة والتشنج الفكري فيفوتهم - من ثمّ - فهم القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (4)،

بل هم مصممون على سلبيتهم فيصرحون بانغلاق فكرهم سلفا عن أية مفاهيم جديدة تناقض ما توارثوه وما اعتادوا عليه، ويترجمون ذلك إلى تحدّ للرسول وإلى عمل ضد الإسلام: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ (5)،

وقد أجابهم الرسول أنه مجرّد بشر يبلغهم أمر الوحي بالتوحيد والاستقامة والاستغفار عمّا سلف من ذنوبهم، وينذرهم بعاقبة الشرك، وأن الإيمان مرتبط بالزكاة - عمل الخير - وأنّ إنكار أيّ من الإيمان بالله أو الزكاة ليس سوى إنكار للمسؤولية الفردية ومن ثمّ فهو إنكار للآخرة وما يترتب على ذلك من عذاب:

﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (6 - 7)،

وبالمقابل لا ينقطع أجر من يؤمن ويعمل الخير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (8)،

وأنّ الكفار عمون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما من إعجاز وقوانين وسنن باهرة، ولا يدركون أنّ مشيئته تعالى فيهما نافذة لا محالة، وهو سبب إصرارهم على الكفر والشرك: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (9 - 12)،

32

سورة فصلت (41): الآيات 13 إلى 16

سورة فصلت (41): آية 17

سورة فصلت (41): آية 18

سورة فصلت (41): الآيات 19 إلى 22

سورة فصلت (41): آية 23

﴿بل إنهم عمون عن أخذ العبر من مصير الأمم البائدة قبلهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (13 - 16)،

ومثل ثمود التي استحبت العمى على الهدي الإلهي فلاقت عاقبة أمرها:

﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (17)،

في حين نجا المؤمنون الذي اتقوا العمل السيئ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (18)،

ويوم الحساب لا يخفى على الله من أعمال المجرمين شيء: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (19 - 22)،

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء / 1317 - 14]،

وأنّ من حسن الظن بالله أن يحسن المرء العمل، ومن سوء الظن بالله أن يتّبع الإنسان هواه ويتمادى ويسوّف ويتحدّث عن المغفرة فيهلك: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)﴾،

33

سورة فصلت (41): آية 24

سورة فصلت (41): آية 25

سورة فصلت (41): آية 26

سورة فصلت (41): آية 27

﴿ولا ينفع الندم في الآخرة إذ يطلبون فرصة دنيوية أخرى فلا يستجاب لهم:

﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (24)،

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام / 276 - 28]،

وأنّ قرناء السوء - من شياطين الإنس والجن - يزيّنون للمسيئين أعمالهم ويحضّونهم على التمتع بمباهج الحياة - ما بين أيديهم - مطلقا بلا قيود ولا رادع أخلاقي، وينفون لهم حقيقة القيامة والحساب - ما خلفهم - حتى يكفروا بالآخرة أو يستبعدونها فيصبح لديهم شعور زائف بالأمان يؤدي بهم إلى الخسران:

﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (25)،

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف / 3643]، وقوله تعالى على لسان الغافل مخاطبا قرينه في الآخرة:

﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف / 3843]،

بل هم يجتهدون في الصد عن القرآن بزعم أنه من عند محمد أو أنه مقتبس عن الكتب السابقة أو نتيجة هلوسة، والسبب الحقيقي أنه يهدد نظرتهم المادية للحياة - ما بين أيديهم -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (26)،

ثم يذوقون عذاب الآخرة بسوء أعمالهم، وأسوأ العمل الصدّ عن القرآن، إذ لا يكتفون بكفرهم بل يجتهدون بنشر الكفر في غيرهم: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27)﴾،

34

سورة فصلت (41): آية 28

سورة فصلت (41): آية 29

سورة فصلت (41): الآيات 30 إلى 32

سورة فصلت (41): الآيات 33 إلى 34

سورة فصلت (41): آية 35

﴿ويكون خلودهم في العذاب جزاء وفاقا لجحود ما أيقنت نفوسهم أنه حقّ:

﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (28)،

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل / 1427]،

وبعد فوات الأوان يتبرّأ الكفار من قرناء السوء (الآية 25) الذين زيّنوا لهم الدنيا وصدّوهم عن الإيمان بالآخرة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (29)،

والذين آمنوا بالله وحده، واستقاموا بعمل الخيرات، ينعمون بالسكينة وأنّ الله تعالى مولاهم في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (30 - 32)،

وأمّا دفع شرور الكفار - المشار إليها بالآية 26 - فيجب أن يكون بالأحسن وليس بالمثل، والأحسن هو الدعوة إلى الله والقدوة الحسنة بالعمل الصالح:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (33 - 34)،

ولا يستطيع ذلك إلاّ من يتحلّى بالصبر والحلم وكظم الغيظ عند الغضب، فيكون بسلوكه هذا ذا حظّ عظيم عند الله تعالى: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾،

35

سورة فصلت (41): آية 36

سورة فصلت (41): الآيات 37 إلى 38

سورة فصلت (41): آية 39

سورة فصلت (41): آية 40

سورة فصلت (41): آية 41

سورة فصلت (41): آية 42

﴿ولأنه تعالى وحده العليم بما في صدور الناس ودوافعهم في الصدّ عن القرآن، فلا يستجيبنّ المؤمن لنزغ الشيطان في رد السيئة بمثلها، بل يستعيذ بالله منها:

﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (36)،

وهنا تعود السورة لموضوع الدعوة إلى الإسلام المشار إليها بالآية (33)، وأنّ المستكبرين عن إجابة الدعوة لا يضرّوا الله شيئا: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (37 - 38)،

وأن إحياء موتى القلوب من الكفار بيده تعالى وحده فلا ييأس المؤمن من هدي الآخرين بل يصبر ويدفع بالتي هي أحسن: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (39)،

فالله تعالى أعلم بالكفار الملحدين (الآية 26) الذين يحاولون تشويه معاني القرآن، لكنّ رحمته اقتضت إمهالهم ليوم الحساب لعلّ هنالك من يتوب منهم:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (40)،

ثم يحصد المصرّون على الكفر والمصرّون على الصدّ عن القرآن سوء عملهم:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ (41)،

وأن جهودهم في اللغو بالقرآن (الآية 26) كما يفعل كثير من المستشرقين اليوم، باطلة، ولن تبلغ غايتها، لأنه تعالى حفظ القرآن من التحريف والتغيير والتبديل، فيستحيل أن يأتيه الباطل لا بشكل خفي ولا بشكل مكشوف: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ وقالوا

36

سورة فصلت (41): آية 43

أنّ هذه الآية حجّة على مدّعي النسخ في القرآن الكريم، لأنّ النسخ إبطال، والآية تنصّ أن لا يأتيه الباطل.

﴿وقد زعم الكفار في الماضي، كما في الحاضر، أن القرآن من عند محمد ﷺ فأغلقوا عقولهم عنه (الآية 5) والأمر ليس بجديد، فإنكار الوحي الذي نزل على الرسل تكرّر على لسان الكفار في الماضي: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ (43)، والله تعالى يغفر للتائبين، ويلاقي المصرّون عاقبة كفرهم.

سورة فصلت (41): آية 44

سورة فصلت (41): آية 45

في حين أنّ القرآن شفاء من الشك والحيرة للمؤمنين ذوي الذهن المنفتح، وفي نفس الوقت هو عمى على المصرين على عدم السماع (الآيات 5 و26) إذ لا يتيحون لأنفسهم فرصة لفهمه: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (44) والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين لأن الله تعالى اختار العرب لحمل الرسالة للعالم أجمع فوجب أن يكون القرآن بلغتهم،

ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم / 414].

وأن الاختلاف في الرأي والمعتقد مقصود في الخلق وليس مصادفة، إذ كرّم الله تعالى بني آدم بحرية الخيار لكي يستفيدوا - من تلقاء أنفسهم - من عقولهم ومن الوحي الذي نزل على الأنبياء، فليس من الضرورة أن يعاجل الكفار بالعقوبة في الدنيا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)﴾،

37

سورة فصلت (41): آية 46

سورة فصلت (41): آية 47

سورة فصلت (41): آية 48

سورة فصلت (41): آية 49

سورة فصلت (41): آية 50

﴿ولذا بإمكان الإنسان أن يعمل صالحا - لنفسه - أو سيئا فيعود الضرر عليه، وقد تتحقق العدالة في الدنيا، أما في الآخرة فهي تتحقق على أتم وجه: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (46)،

وأما علم الساعة والغيب فعنده تعالى وحده ما ينفي ادعاء المدّعين بحسابها معتمدين على شركاء موهومين: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (47)،

ثم يقرّون يوم القيامة أن ما كانوا يدعون في الدنيا لم يكن سوى أوهام ومصالح دنيوية: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (48)،

ومن الناس من يكثر الدعاء لنفسه بالخير فإذا لحقت به أقل مصيبة وقع في حالة من اليأس والقنوط الروحي: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ (49)،

ثمّ يظن أن ما يحصل عليه من نعم - بعد الشدّة - إنما استحقه بمجهوده الصرف لا غير، فتغلب عليه عقليته المادية حتى يشكك بوقوع الساعة والحساب، ولشدة غروره يزيّن لنفسه أنها لو وقعت يضمن أنّ مآله سيكون حسنا: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50)﴾ فيذوق الكفار العذاب بنتيجة حالة العمى الروحي التي كانوا عليها في دنياهم لقوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء / 7217]

38

سورة فصلت (41): آية 51

سورة فصلت (41): آية 52

سورة فصلت (41): آية 53

سورة فصلت (41): آية 54

﴿فمن أعمته المادة يتكبّر ويعرض عن الله في حال إقبال الدنيا عليه، ثمّ يدعوه في حال إدبارها: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (51)،

وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها (بالآية 2) فتخاطب السورة الذين يتخبطون في الشك بين الحق والباطل، وبين مادية الدنيا وحتمية الآخرة، أن ينفوا الشكوك ويؤمنوا بالقرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (52)،

وتختم السورة بالعودة إلى موضوع (الآيات 5 و26 و44) فتحضّ المنكرين على التفكير في كون القرآن منزلا قبل وقوع العاقبة المترتبة على تشنجهم الفكري، وأنه تعالى سوف يريهم الآيات في أنفسهم وفي الآفاق من خلال تعميق إدراكهم لمعجزة خلق الكون ومزيد من الفهم للنفس البشرية حتى يتبين لهم وجود الخالق المدبّر: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (53).

وفي حين أنهم يشكّكون في الساعة والحساب فإنّ الله تعالى محيط بهم وبأعمالهم، فلا شيء يذهب سدى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)﴾.

39