بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 40 - 47

سورة الشورى - 42 - مكية

سورة الشورى - 42 - مكية

اشتق اسم السورة من كلمة (الشورى) المذكورة بالآية (38) بأنها من صفات المجتمع المسلم.

ارتباط السورة بما قبلها

اختتمت سورة فصّلت المتقدمة بنفي شكوك المشكّكين في أصالة القرآن:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت / 5241]

ثم تفتتح سورة الشورى بتأكيد نزول الوحي على النبي ﷺ: ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى / 142 - 3] وأنه استمرار لما سبق من نزول الوحي على الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى / 1342]،

وكان تركيز سورة فصّلت السابقة أن الكفار أصرّوا على الكفر لأنهم أغلقوا عقولهم سلفا عن محاولة فهم القرآن أو دراسته دون تحيز ذهني مسبق،

40

بل هم عاملون في الصدّ عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت / 641]،

ثم تبين سورة الشورى أن هنالك مغزى من حرية الخيار التي كرّم الله تعالى بها البشر: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى / 642]، وأن لو شاء تعالى لجعل الناس كلهم على الإيمان:

﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى / 842]،

محور السورة

تركيز السورة أنّ الوحي الذي نزل على الأنبياء واحد منذ الأزل: ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [/ 342]، غير أنّ رسالة الإسلام غير مقتصرة على العرب بل هي عالمية للناس كافة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [/ 742]،

ومع ذلك فقد كرّم الله تعالى الناس بحرية الخيار: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [/ 842]، وأنّ الاختلاف بين الناس يحكم به الله يوم القيامة: ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [/ 1042]،

وأنّ من أهداف الرسالة الإسلامية تحقيق المودة بين الناس والأقرباء: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [/ 2342]، وأنّ الشورى من صفات المجتمع المسلم:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [/ 3842]، ومن صفات هذا المجتمع أنه لا يستكين ولا يخلد إلى الضعف، بل يدفع البغي بلا تجاوز، مع تفضيل العفو والإصلاح:

﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [/ 3942 - 40]، لكن الرسول -

41

وبالأحرى غيره من البشر - ليس حفيظا على الناس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [/ 4842].

النظم في السورة

سورة الشورى (42): الآيات 1 إلى 3

سورة الشورى (42): آية 4

سورة الشورى (42): آية 5

سورة الشورى (42): آية 6

سورة الشورى (42): آية 7

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تبدأ السورة بالبيان أن الوحي السماوي الذي نزل على النبي استمرار للوحي الذي نزل على من قبله من الأنبياء والرسل: ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (1 - 3)،

لأن الله تعالى المتصرّف بشؤون عباده لا يتركهم بلا هداية: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (4)،

وأن الملائكة تسبح بحمده وتستغفر للإنسان كونه ميالا للخطأ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء / 284]، فمن صفاته تعالى أنه الغفور الرحيم: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (5)،

ومن ثمّ فإن النبي، ومن باب أولى غيره من الناس، ليس وكيلا على المصرّين على الكفر أو الشرك، فالله تعالى هو الذي يحفظ عليهم أعمالهم ويحاسبهم عليها: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (6)،

وأنّ القرآن، بخلاف الرسالات السابقة، نزل رسالة عالمية للبشر كافة:

﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)﴾،

42

سورة الشورى (42): آية 8

سورة الشورى (42): آية 9

سورة الشورى (42): آية 10

سورة الشورى (42): آية 11

سورة الشورى (42): آية 12

سورة الشورى (42): آية 13

﴿ولو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة بأن ألجأهم إلى الإسلام طوعا أو قسرا، ولكنّ حكمته اقتضت تكريم الإنسان بحرية الخيار، فمنهم من يختار الهداية ومنهم من يظلم نفسه، ثم في النتيجة يلقى كل فرد عاقبة خياره: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (8)،

وبإساءة استخدام حرية الخيار اتّخذ الكفار والمشركون لأنفسهم أولياء وهميين لا يقدرون على شيء: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (9)،

وعلى المؤمنين بعد أن يستنفدوا إمكانات الحوار والإقناع والتفاهم مع الآخرين أن يتركوا الحكم لله يحكم به بينهم يوم القيامة (انظر الآية 15): ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (10)،

لأن الله تعالى ليس كالأولياء المزعومين، بل مختلف عن كل ما يمكن للإنسان أن يتخيل أو يتصور أو يحدّد أو يقارن، وحتى كيفية وجوده ليست بوسع الفكر البشري: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (11)،

وهو وحده المهيمن على الخلق، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بحسب المصلحة: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (12)،

وأن النبي ﷺ علم من خلال الوحي ما نزل عليه وعلى الأنبياء قبله من الدين الواحد، غير أنّ استكبار المشركين واعتدادهم بالشركاء المزعومين أدّى بهم إلى التفرّق شيعا رغم أن دعوة الأنبياء واحدة لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران / 193]:

43

سورة الشورى (42): آية 14

سورة الشورى (42): آية 15

سورة الشورى (42): آية 16

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (13)، وفي ذلك عودة لموضوع (الآية 3)،

﴿وأنّ تفرق أتباع الأديان السماوية طوائف وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، سببه البغي وحب الدنيا والتعصّب للأفكار المتوارثة وعدم الاستفادة من حرية الفكر التي أكرمهم بها تعالى بأن أجّل القضاء بينهم إلى يوم الدين، حتى أن الذين توارثوا التوراة والإنجيل بعد موسى وعيسى وصلوا إلى حد التشكيك بالوحي: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (14)، انظر أيضا آية [المؤمنون / 5123 - 52].

فلذلك لزم الدعوة إلى التوحيد، مع الاستقامة والقدوة الصالحة في العمل، والإيمان بالأنبياء والعدل بين الناس والتسامح، والتأكيد بأن المسؤولية فردية فكل إنسان يحاسب على عمله، واستبعاد التشنج الفكري، والإيمان أن الفصل بين الناس يكون يوم الحساب: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (15)،

أما الكفار الذين يحاجّون في رسالات الله بالباطل، أو في صفاته وأسمائه ممّا هو في علم الغيب، ويجادلون المؤمنين المستجيبين لله ورسوله ليصرفوهم عن سبيل الهدى فإن جهودهم تذهب سدى، وتؤدي بهم إلى أسوأ العواقب:

﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)﴾،

44

سورة الشورى (42): آية 17

سورة الشورى (42): آية 18

سورة الشورى (42): آية 19

سورة الشورى (42): آية 20

سورة الشورى (42): آية 21

سورة الشورى (42): آية 22

﴿لأن الله تعالى أنزل الوحي على الأنبياء والرسل مبيّنا للناس معايير الصواب من الخطأ، وموضحا أسس العدالة، ثم يكون الحساب يوم وقوع الساعة: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (17)،

وفي حين يتهكم الكفار باستعجال الساعة كونهم منكرين لها بلا برهان يقيني، فإن المؤمنين في رهبة من وقوعها إذ بها تتحقق العدالة والثواب والعقاب:

﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (18)،

غير أنه تعالى يلطف بعباده إذ يمهلهم ولا يعاجلهم، ويظهر مناقبهم ولا يكشف مثالبهم، وفي الحديث: "يا من أظهر الجميل وستر القبيح"، وهو يرزق من يشاء بحسب المصلحة فلا ينازعه في ذلك أحد: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (19)،

ومن لطفه تعالى بعباده أنه يرزق المؤمن والكافر على السواء بحسب سننه في الكون، ولكن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف فلا تتحقق العدالة بالكامل إلا في الآخرة: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (20)،

ما يؤدي بالكفار إلى الغرور والانهماك في الدنيا والمادة حتى تصبح المادية دينا لهم ومقياسا لم يأذن به الله، في حين اقتضت المشيئة الإلهية أن تكون الحياة الدنيا مرحلة أولى فقط من الحياة الكاملة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (21)،

وعندها تقع بالظالمين عواقب ما كسبوا من السيئات، ويتمتع المؤمنون الذي عملوا الصالحات بحياة هانئة كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الهدى:

45

سورة الشورى (42): آية 23

سورة الشورى (42): آية 24

سورة الشورى (42): آية 25

سورة الشورى (42): آية 26

سورة الشورى (42): آية 27

سورة الشورى (42): آية 28

﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (22)،

﴿وأن النبي لا يسأل المؤمنين أجرا على الرسالة سوى تحقق المودة والمحبة بين بعضهم البعض: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (23)،

ومع ذلك فإنّ الكفار في كل زمان يدّعون أنّ النبي افترى الرسالة، فلو كان الأمر كذلك لما أنزل تعالى عليه القرآن المعجز، بل على النقيض من ذلك فإنه ثبّت الإسلام بنزول القرآن منجّما على لسان نبيّه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (24)،

وفيه قبول توبة العباد وإحاطة علمه تعالى بهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (25)،

وفيه من الإعجاز والعبر ما يستجيب له ذوو الفطرة السليمة والعقول النيّرة، في حين ينكره من فسدت فطرته وتشنّج فكره على التقليد المتوارث:

﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (26)،

وأن العبرة من بسط الرزق في الحياة الدنيا بالقدر المحدد تتضح تماما في الآخرة عندما يجمع الخلائق وتتحقق العدالة على أكمل وجه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (27)،

ومن الرزق تنزيل الغيث على العباد القانطين: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)﴾،

46

سورة الشورى (42): آية 29

سورة الشورى (42): آية 30

سورة الشورى (42): آية 31

سورة الشورى (42): آية 32

سورة الشورى (42): آية 33

سورة الشورى (42): آية 34

سورة الشورى (42): آية 35

سورة الشورى (42): آية 36

﴿وأن آيات الخلق تشير إلى وجود الخالق وإلى وجود مغزى من الحياة ومن ثمّ البعث: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ (29)، انظر آية [الطلاق / 1265]، وما بها من إشارة إلى تعدد الخلق في الأكوان،

ومن ذلك أن الإنسان يحصد نتيجة عمله السيئ فيلقاه إن في الدنيا أو في الآخرة، وأنه تعالى يعفو عن الكثير من العصاة فلا يعاجلهم: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (30)،

وهو محيط بهم لا يفوته منهم شيء: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (31)،

والآيات محيطة بهم من كل جانب ليدّبروا، فهنالك السفن الجارية بفعل الرياح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (32)،

فإذا سكنت الريح ظلّت السفن راكدة بلا حراك: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (33)،

وقد يهلكها تعالى بمن فيها بالريح العاصفة، وبما كسب أهلها من الذنوب، مع سبق عفوه تعالى عن الكثير من ذنوبهم: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (34)،

أما المصرّون منهم فمصيرهم المحتوم إلى العذاب والدمار الروحي، فينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (35) أي إنهم يجادلون في مصداقية الوحي أو إمكانية حدوثه مطلقا أو في الوحدانية والبعث والحساب، ثم يوقنون بعد فوات الأوان أن لا مهرب لهم من الحقيقة.

وأنّ ما اغترّوا به من متاع الدنيا زائل، ويبقى للمؤمنين رضوان الله ونعيمه دائمين: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)﴾،

47