بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 56 - 63

سورة الزخرف (43): آية 27

سورة الزخرف (43): آية 27

سورة الزخرف (43): آية 28

سورة الزخرف (43): آية 29

سورة الزخرف (43): آية 30

سورة الزخرف (43): آية 31

سورة الزخرف (43): آية 32

﴿فكان يقين إبراهيم بالهداية الإلهية نابعا من فطرته السليمة: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (27)،

ثم جعل تعالى كلمة الإسلام باقية في ذرية إبراهيم لعلهم ينبذون التقليد ويرجّحون العقل: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (28)،

ولم يكن تعالى ليحاسب الناس على ضلالهم قبل أن يبين لهم الصواب من الخطأ، والخير من الشر، فأنزل القرآن على لسان رسوله محمد ﷺ: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (29)،

فلما انبهرت به قريش زعمت من إعجازه أنه سحر: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ (30)،

ولشدة ترفهم زعموا أن لو كان هذا القرآن وحيا إلهيا لكان الأجدر به أن ينزل على رجل عظيم من وجهاء مكة أو الطائف، لا على رجل مثل محمد ليس له من الثروة ولا الزعامة في قومه: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (31)،

مع أنه تعالى قسم المعايش بين الناس وجعل من سنن الحياة ونظامها أن يكون كل فرد مسخّر للآخر، فليس أحد مستغنيا عن أحد، فمن باب أولى أن ليس بطاقتهم ولا من اختصاصهم تحديد منصب النبوة، وأن رحمته تعالى التي يختصّ بها بعض عباده في الدين خير من أموال الدنيا الفانية التي يحرص الآخرون على جمعها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (32)﴾، وفي العبارة: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ التي تكررت مرتين في الآية إشارة لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء 107/ 21]، وإشارة للوحي القرآني: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

56

سورة الزخرف (43): الآيات 33 إلى 34

سورة الزخرف (43): آية 35

سورة الزخرف (43): آية 36

سورة الزخرف (43): آية 37

سورة الزخرف (43): آية 38

[الدخان 6/ 44]، وقد وردت عبارة ﴿رَحْمَةً﴾ بمعنى الوحي الإلهي في أربع آيات من سورة هود: هود [73/ 11، 63، 28، 17]،

﴿وأنّ الإنسان خلق ضعيفا [النساء 28/ 4] تعميه الدنيا والمادة والثراء الفاحش عن الحياة الروحية والأخلاقية فيزداد جشعا وأنانية وقسوة، ولولا أن يغتر البشر بالدنيا فيصبحوا جميعا أمة واحدة على الكفر لبسط الله لهم متاع الدنيا وزخرفها: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ (33 - 34)،

فلا يكون ذلك لهم سوى متاع الحياة الدنيا في حين أنّ حسن الختام في الآخرة يكون للمتقين: ﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (35)،

وأن الغفلة عن (ذكر الرّحمن)، أي القرآن، تفتح الأبواب للشيطان ليدخل حياة الإنسان ويتحكم بها، وقالوا أن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد من اكتساب السيئات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (36)، وذلك اتصال المعنى مع الآية 33 لأن من حصل على الجاه والمال الكثير غفل فصار كالأعشى أي الأعمى عن ذكر الله، وقد تحدّث القرآن الكريم عن شياطين الإنس والجن [الأنعام 112/ 6].

فالشياطين يصدّون الغافلين عن السبيل الصحيح، في حين يحسب الغافلون أنهم مهتدون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (37)،

ثم يوم الحساب يتمنى الغافل أو الكافر لو كان بينه وبين قرين السوء مسافة بعيدة جدا كبعد المشرقين المتتالين بعضهما عن بعض: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)﴾،

57

سورة الزخرف (43): آية 39

سورة الزخرف (43): آية 40

سورة الزخرف (43): آية 41

سورة الزخرف (43): آية 42

﴿فماذا يفيد أحدهما الآخر أن يؤول مصيرهما معا إلى العذاب: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (39)،

وأن من أصمّ أذنيه عن سماع الحقيقة وأغلق عينيه عن نورها لا يمكن هديه:

﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (40)،

ومع ذلك كان لا بدّ أن تظهر رسالة الإسلام قبل أو بعد رحيل النبي ﷺ ثم يؤول مصير الجاحدين إلى العذاب: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (41)،

وقد يشاهد النبي تحقق ذلك في حياته، وقد لا يشاهده، وفي جميع الأحوال فإنّ قدرة الله تعالى محيطة بالكفار: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (42)،

سورة الزخرف (43): آية 43

سورة الزخرف (43): آية 44

سورة الزخرف (43): آية 45

سورة الزخرف (43): آية 46

وذلك مدعاة للصمود تجاه الكفار والتمسّك بالوحي، لأنه يؤدي إلى السلام والرضوان: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (43)،

وأن القرآن الكريم ذكر أو تذكير للناس بالحقيقة المطلقة وبالميثاق، انظر آية [الأعراف 172/ 7]، وأنهم بعد نزول القرآن صاروا في موقع المسؤولية حيث لا ينفع الادعاء بالجهل: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (44)، انظر أيضا آية [الأنبياء 10/ 21]،

ثم تحضّ السورة النبي - وبالتالي كلّ فرد - على النظر فيما سبق من بعث الرسل وما كان في رسالاتهم من الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (45)،

وتضرب السورة مثلا ببعثة موسى إلى فرعون، والقصة مثال أيضا على ما ورد في الآيات (23 و33 - 37) أنّ من شأن الترف أن يؤدي بأصحابه إلى

58

سورة الزخرف (43): آية 47

سورة الزخرف (43): آية 48

سورة الزخرف (43): آية 49

سورة الزخرف (43): آية 50

سورة الزخرف (43): آية 51

سورة الزخرف (43): آية 52

سورة الزخرف (43): آية 53

الجمود الفكري خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (46)،

﴿فقابل فرعون وقومه الآيات بالاستهزاء والضحك: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ (47)،

وتتالت الآيات وازداد الضغط على آل فرعون لعلهم يرجعون إلى معرفة الله وإلى الفطرة السليمة: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (48)،

حتى أدركوا أنّ هنالك قوة خفيّة، لا يملكون معرفتها، تدعم موسى فنسبوها، لشدة ضلالهم، إلى ما اعتادوا عليه من السحر، وبعد أن تحملوا من العذاب فوق طاقتهم أذعنوا لموسى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ (49)،

وسرعان ما ارتكسوا إلى وثنيتهم لأن قناعتهم الفكرية والروحية برسالة موسى لم تكن جدية: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (50)،

واستبدت بفرعون رغبته المحافظة على ملكه وسلطانه فجعل يستجدي الثقة ممّن حوله مشيرا إلى نظام الري الرائع الذي اشتهرت به مصر في عهده:

﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (51)،

وقارن سلطانه ومركزه مع ضعف موسى ورسالته التي لم تبد مقنعة له: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (52)،

فأين فرعون وكنوزه وترفه من فقر موسى الذي لا يملك شيئا، وأين الملائكة لتشهد على صدق رسالته: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)﴾،

59

سورة الزخرف (43): آية 54

سورة الزخرف (43): آية 55

سورة الزخرف (43): آية 56

سورة الزخرف (43): آية 57

سورة الزخرف (43): الآيات 58 إلى 59

سورة الزخرف (43): آية 60

سورة الزخرف (43): الآيات 61 إلى 62

﴿وهكذا كان الاستخفاف بعقول الناس وتفضيل الهوى سببا للفشل في تقييم الرسالة السماوية من حيث مضمونها وكفاءتها: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ (54)،

ثم الهلاك نتيجة طبيعية لمن يتحدّى الرسالة السماوية: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (55)،

فأصبحوا من الماضي المنصرم ومثلا للمترفين من بعدهم: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (56)، انظر الآيات (23 - 25).

وهنا تعود السورة لمغزى آخر من معاني (الآية 45) فقد ضجّ كفار قريش بأن المسيحية يؤلهون ويعبدون عيسى ابن مريم ومع ذلك فالقرآن يصفهم بأنهم أهل كتاب: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (57)،

وقالوا، لمجرد الخصومة وقياس الباطل بالباطل، كما ذكر الزمخشري، لماذا لا نعبد الملائكة (الآية 20) ما دام أنّ النصارى يعبدون عيسى، فالملائكة أحقّ أن تعبد بزعمهم ما دام أن عيسى بشر كما هو مذكور في (الآية 59)، والملائكة فوق جنس البشر: ﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (58 - 59)،

ولو شاء تعالى لجعل من الناس ملائكة يخلفون بعضهم بعضا في الأرض، فما هو وجه اعتبار الملائكة فوق جنس البشر وعبادة قريش لها: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (60)،

وبعد ضرب المثل بموسى وعيسى (الآيات 46 - 60) تعود السورة لصفة أخرى من صفات القرآن الكريم المشار له في (الآية 44)، وهي أنه دليل على حتمية وقوع الساعة والحساب، وبالتالي يكون الإنسان مسؤولا يومها تجاه

60

سورة الزخرف (43): الآيات 63 إلى 64

سورة الزخرف (43): آية 65

سورة الزخرف (43): آية 66

سورة الزخرف (43): آية 67

الخالق وحده فوجب لذلك اتباعه دون غيره: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (61 - 62)،

﴿وتلك فحوى رسالة عيسى بالتوحيد ونفى الشرك: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (63 - 64)،

ولكنّ المسيحيين الذين ضلّوا في اتّباعه تفرقوا أحزابا من بعده بلغ عددها اليوم حوالي/ 21000 /طائفة مسيحية مختلفين في حقيقة رسالته، وأكثرهم يؤلهونه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (65)،

فماذا ينتظرون، قبل أن تباغتهم الساعة، كي يصححوا مسارهم ويستجيبوا لدعوة الإسلام لهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (66)، انظر آية [آل عمران 64/ 3]،

فمن هم على المسيحية أخلاّء في الدنيا، والأخلاّء جمع خليل، لكنهم في الآخرة يصبحون أعداء لبعضهم البعض لأنهم أضلّوا بعضهم بعضا، فالذي ضلّ - من الرعية - يصبح عدوا لمن أضلّه - من الكهنة -، والذي أضلّه - من الكهنة - يعادي الضالين لكونه يحمل أوزار ضلالهم، وهذه الآية عامة بمعنى أن الخلّة في الدنيا إن كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة، كما في آية [العنكبوت 25/ 29]، أمّا المتقون المتحابّون في الله الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى والنصح فإن خلّتهم تبقى يوم القيامة: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (67)﴾،

61

سورة الزخرف (43): الآيات 68 إلى 73

سورة الزخرف (43): الآيات 74 إلى 76

سورة الزخرف (43): آية 77

سورة الزخرف (43): آية 78

سورة الزخرف (43): آية 79

سورة الزخرف (43): آية 80

سورة الزخرف (43): آية 81

﴿فيخاطب تعالى المتقين بقوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (68 - 73)،

وتكون حال المجرمين على النقيض من ذلك: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ (74 - 76)،

ولشدة يأسهم يتمنون الموت فلا يأتيهم: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ (77)

والسبب أنهم كرهوا الإسلام والقرآن في حياتهم، ورفضوا التوحيد الذي دعاهم إليه عيسى من قبل (الآية 64)، وهنا تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها في (الآية 5): ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (78)،

وقد أصرّوا على تأليه عيسى وناقضوا ما جاء به القرآن، فهل كانوا يظنون أن بإمكانهم تكييف الحقيقة على هواهم: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ (79)،

ثم تشير السورة من طرف خفي إلى استغراق المسيحية عبر القرون في النقاش حول "طبيعة" عيسى وتأليهه والزعم أنه ابن الله خلافا للنصرانية الصحيحة: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (80)،

وأن الرسول ﷺ أول العابدين للرحمن وحده ناقضا زعمهم أن المسيح إله أو ابن الله: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81)﴾ أي أوّل العابدين

62

سورة الزخرف (43): آية 82

سورة الزخرف (43): آية 83

سورة الزخرف (43): الآيات 84 إلى 85

سورة الزخرف (43): آية 86

سورة الزخرف (43): آية 87

سورة الزخرف (43): الآيات 88 إلى 89

للرحمن، إذ في الخطاب محذوف وتقديره: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ - ويستحيل أن يكون ذلك - فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ - للرحمن -).

﴿فتنزّه تعالى عمّا يدّعون له من الذرية: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (82)،

وما على المؤمن - بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع معهم - سوى أن يذرهم لحرية خيارهم وما يخوضون فيه من ابتداع نظريات لاهوتية بحسب ما قرروه في مؤتمر نيقية في سنة 325 م وفي المؤتمرات المسكونية بعده، فيتركهم حتى يحين حسابهم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (83)،

فالله تعالى وحده إله السماوات والأرض، بخلاف ما زعموا أنّ المسيح تجوّل في الأرض متقمصا شخصية إله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (84 - 85)،

وأنّ من يدّعون فيهم الشفاعة لا يملكون شيئا، كزعمهم أن المسيح افتدى خطاياهم بالنيابة: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (86)،

وهم مع كل ذلك مقرّون أن الله وحده خالقهم، فمن العجب أن يصرفوا إلى الشرك وينكروا القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (87)،

وأن على الرسول - والمؤمنين من بعده - ألا يتحسروا عليهم بل يتركوا المصرّين منهم لشأنهم ويصفحوا عنهم حتى يوم الحساب: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (88 - 89).

63