بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 48 - 55

سورة الشورى (42): الآيات 37 إلى 39

سورة الشورى (42): الآيات 37 إلى 39

سورة الشورى (42): آية 40

سورة الشورى (42): آية 41

سورة الشورى (42): آية 42

سورة الشورى (42): آية 43

سورة الشورى (42): آية 44

﴿وهم المؤمنون الذين من صفاتهم اجتناب الكبائر والفواحش، ومن صفاتهم التسامح عند الغضب، وإقامة الصلاة والإنفاق، واعتماد الشورى في شؤونهم، ولا يخلدون ويستكينون إلى الضعف، بل يدفعون البغي عن أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (37 - 39)،

أمّا من يتجاوز الحد في ردّ السيئة - البغي - فيكون قد ارتكب سيئة مثلها ويصبح باغيا بدوره، ولذا لا يحب الله المتجاوزين في الانتقام والعدوان، في حين يؤجر من يعفو ويصلح: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (40)،

غير أن العفو ليس إلزاميا فهو راجع إلى صاحب الحق، والعفو دليل على السمو الروحي والأخلاقي لصاحبه، أمّا إن اختار الانتصار لنفسه بلا تجاوز فلا إشكال عليه: ﴿وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (41)،

ويؤاخذ تعالى الظالمين البغاة المفسدين في الأرض فيعاقبهم إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (42)،

وهنالك الصبر والمغفرة الناتجين عن ارتفاع الفرد وسموّه عن نوازع الانتقام:

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (43)،

وأن على الظالمين أن يستجيبوا لله قبل فوات الأوان: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)﴾،

48

سورة الشورى (42): آية 45

سورة الشورى (42): آية 46

سورة الشورى (42): آية 47

سورة الشورى (42): آية 48

سورة الشورى (42): آية 48

سورة الشورى (42): الآيات 49 إلى 50

﴿والمصرّون منهم يحاولون أن يستخفوا من العذاب المقيم حين يعرضون عليه، في حين يرى المؤمنون تحقق الخسران ليس للظالمين الطغاة فقط وإنما لأتباعهم - أهليهم - أيضا: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ (45)،

فلا يكون بمقدرة الطغاة نصرة أنفسهم، ناهيك عن نصرة أتباعهم: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فمن يختار الكفر والطغيان يخليه الله لنفسه فلا يمنحه الهداية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (46)،

والعاقل يستجيب لربّه قبل الفوات، على النقيض ممّن يظلم نفسه فلا ينفعه في الآخرة إنكار ما قدّمت يداه: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (47)،

لكن الرسول ليس حفيظا على المعرضين الذين جعلوا مادية الدنيا مبلغ همّهم ومبتغاهم، فما على الرسول إلا البلاغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (48)،

وأن الإنسان يطغى عند حصول النعم فينسب حصولها إلى مهارته وذكائه، أما إذا أصابه البلاء فيكفر ويشكك بالعدالة الإلهية ناسيا أن كل شيء يسير وفق السنن الإلهية وبعلاقة المسببات بأسبابها وبالتالي ما قدّمت يداه من سوء:

﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ (48)،

وأن الحكمة الإلهية من وهب ذرية الأناث أو الذكور أو كلاهما للبعض، أو جعل البعض الآخر عقيما، من أسباب السعادة أو عدمها، خافية على معظم الخلق: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا﴾

49

سورة الشورى (42): آية 51

سورة الشورى (42): الآيات 52 إلى 53

﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (49 - 50)،

﴿ثم تعود السورة لموضوع المعرضين المشككين بالوحي، المشار لهم بالآية (48)، فتحدد هذه الآية أن الله تعالى يوحي للبشر بثلاث وسائل لا غير: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (51)،

وهكذا أوحى تعالى إلى النبي ﷺ عن طريق جبريل، فتختم السورة بالموضوع الذي بدأته (الآيات 13، 7، 3) أنه تعالى أوحى للرسل من قبل، كما أوحى بالقرآن الكريم إلى النبي فجعله نورا يهتدي به من يشاء الهداية (الآية 8) إلى صراط الله الذي تصير إليه الأمور في الدنيا والآخرة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (52 - 53).

50

سورة الزخرف - 43 - مكية

ارتباط السورة بما قبلها

هنالك ارتباط واضح بين أواخر السورة السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى / 5242]، وبداية هذه السورة تصف النور أنه كتاب عربي مبين تستسيغه العقول: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف / 143 - 3].

وبعد أن بينت سورة الشورى المتقدمة عالمية رسالة الإسلام: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى / 742]، وحدّدت صفات المجتمع المسلم ومنها الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى / 3842]، ودفع البغي دون تجاوز: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى / 3942]، وأن ما على المسلمين سوى البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى / 4842]،

تنتقل سورة الزخرف لبيان بعض الأسباب التي أدت إلى إعراض المعرضين عن الرسالة الإسلامية، ومن ذلك الشرك: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف / 1543]، والتقليد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا﴾

51

﴿عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف / 2243]، وظلم العقل وحب الدنيا وتغليب الهوى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف / 4043]،

محور السورة

إن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يذّكرون ويستخدمون عقولهم بالشكل السوي:

﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [/ 543]، ثم يكاد يكون تركيز السورة بكامله على دحض الشرك بكل أشكاله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [/ 1543]، وذم التقليد الذي يتمسك به المترفون خوفا على امتيازاتهم: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [/ 2343]،

ولولا أن يطغى الناس فيصبحوا أمة واحدة على الكفر لأغدق الله تعالى على عباده من متاع الدنيا ما لا يوصف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [/ 3343 - 35]،

ولكنّ الطغاة يستخفّون بعقول أقوامهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [/ 5443]، وأكثر الناس كارهون للحق يفضلون الأهواء عليه: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [/ 7843]، فما على المؤمنين تجاه ذلك، بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع، سوى الصبر على المصرّين على الكفر والصفح عنهم وترك حسابهم على الله: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [/ 8843 - 89].

52

النظم في السورة

سورة الزخرف (43): الآيات 1 إلى 3

سورة الزخرف (43): آية 4

سورة الزخرف (43): آية 5

سورة الزخرف (43): آية 6

سورة الزخرف (43): آية 7

سورة الزخرف (43): آية 8

سورة الزخرف (43): آية 9

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تبدأ السورة بالإشارة للكتاب المبين الذي جعله تعالى قرآنا عربيا لعل العرب الذين هم واسطة الوحي، والناس من بعدهم، تعمل عقولها في مضمونه: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (1 - 3)،

وأن القرآن الكريم من منبع الوحي وأصله، وأنه عال على الكتب المنزلة قبله كونه ناسخا لها ومهيمنا عليها، انظر آيات [البقرة / 1062] و[المائدة / 485]، وقيل علوّه في علوّ المنزلة التي يمكن للإنسان أن يصل إليها من خلاله، وهو أيضا حكيم أي محكم، أو ذو حكمة بالغة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (4)،

ولذا فإنه تعالى لم يكن ليدع الناس يتخبطون في ضلالهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم فيدلّهم على الطريق السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (5)،

وأن القرآن الكريم لم يكن أول الرسالات السماوية: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ (6)

إذ طالما بعث الله تعالى الرسل إلى الناس فكان دأبهم الاستهزاء بهم كما يفعل العابثون في كل وقت بدلا من التعقل والتفكير بمضمون الرسالة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (7)

فكان أن نزل الهلاك بمن هم أشد بطشا من المكذّبين المشار لهم بالآية 5 وكانوا عبرة لمن يعتبر: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ (8)

وأنّ أكثر الضالّين مقرّون بأنّ الله خالق الكون، ولكن مشكلتهم تكمن في الشرك، انظر آية [يوسف / 10612]، في حين أنّ إقرارهم بأن الله وحده خالق

53

سورة الزخرف (43): الآيات 10 إلى 14

سورة الزخرف (43): آية 15

سورة الزخرف (43): آية 16

سورة الزخرف (43): آية 17

سورة الزخرف (43): آية 18

سورة الزخرف (43): آية 19

سورة الزخرف (43): آية 20

الكون إقرار منهم بعجز الشركاء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (9)،

﴿والآيات الكونية الدالة على وحدة الخالق لا تحصى، وهي بادية في انسجام الخلق: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (10 - 14)،

ومع ذلك فهم مصرّون على الشرك بما فيه من استخفاف بالعقل، فمنهم مّن يدّعي أن المسيح ابن الله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (15)،

ومنهم من يدّعي أنّ الملائكة بنات الله كما فعل مشركو قريش: ﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (16)،

ومن السخرية أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (17)،

ويزعمون أنّ الإناث خلقت للزينة لا غير، وأنها غير مؤهلة للنقاش: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (18)،

وزعموا، ظنّا وتخرّصا، أنّ الملائكة من جنس الإناث: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (19)

كما زعموا، بلا علم يقيني، أنهم مجبرون غير مخيّرين فيما هم عليه من الضلال: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (20)﴾،

54

سورة الزخرف (43): آية 21

سورة الزخرف (43): آية 22

سورة الزخرف (43): آية 23

سورة الزخرف (43): آية 24

سورة الزخرف (43): آية 25

سورة الزخرف (43): آية 26

﴿مع أنّ العقل والنقل معا يبطلان زعمهم: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (21)،

ولكنّهم عطّلوا عقولهم وتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (22)،

وقد تكرر التقليد والتمسك بالمتوارثات الزائفة، وإضفاء القداسة على فكر الآباء، لدى المجتمعات المترفة خاصة، لأن من شأن الترف أن يؤدي بصاحبه إلى الجمود الفكري بنتيجة تجاهل القيم الروحية والأخلاقية خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (23)، راجع آية [هود 116/ 11].

وهم مصممّون سلفا على الرفض وعلى الجمود الفكري قبل النظر في الأفكار الجديدة التي نزل بها الوحي وقبل دراستها من حيث مصداقيتها وجدارتها: ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (24)، انظر آية [الأنبياء 2/ 21]،

ومن شأن مثل هذا الجمود الفكري أن يؤدي بأصحابه إلى الهلاك:

﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (25)،

وتضرب السورة مثلا على ذلك بعثة إبراهيم عليه السلام إلى قومه إذ أدرك بفطرته السليمة ضحالة التقليد المتوارث عندما يتعارض مع العقل السليم ومع الوحي الصحيح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (26)﴾، وقصة بحث إبراهيم عن الحقيقة مذكورة بالتفصيل في آيات: [الأنعام 74/ 6 - 83] و[الأنبياء 51/ 21 - 67].

55