بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 180 - 188

سورة البقرة (2): آية 274

سورة البقرة (2): آية 274

سورة البقرة (2): آية 275

سبيل ذلك ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ لا يستطيعون السفر في البلاد طلبا للرزق لأنهم كرّسوا أنفسهم وأوقاتهم للجهاد ممّا يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ الجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء، لأنهم لا يسألون أحدا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ السمة هي العلامة، والمعنى أنّ أثر الجهد والفقر والحاجة ظاهر عليهم، لا يخفى على فراسة المؤمن ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافًا﴾ السائل الملحف هو اللحوح الذي يستخرج المال من غيره بكثرة إلحاحه وتلطّفه، والمعنى أنهم لا يسألون الناس، وإذا سألوا عن ضروة لم يلحّوا، لأنّ السؤال محرّم لغير ضرورة ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيثيبكم عليه.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (274)

274 - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذه الآية عامة في الذين ينفقون الصدقات في جميع الأوقات وجميع الحالات، كلّما ظهرت لهم حاجة محتاج أنفقوا عليها دون انتظار موسم أو وقت معيّن ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا يحزنون لفراق الدنيا وما خلّفوه وراءهم.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (275)

275 - هنالك علاقة مباشرة بين موضوع الربا في هذه الآية، وموضوع الصدقات الذي سبق، لأنّ أحدهما نقيض الآخر، فالصدقة هي إنفاق المال دون توقّع أي مردود دنيوي، في حين أنّ الربا هدفه تحصيل المال دون بذل أي مجهود

180

من قبل المقرض، كما أن أكلة الربا، على العكس من المنفقين تماما، يمتصون أموال الآخرين دون وجه حق: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ ويتهالكون على المادة ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ لأنّ الشيطان يدعو إلى طلب الدنيا واللّذات والشهوات، فينشغل الإنسان عن الذكر، وآكل الربا يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا عليها، فيصبح سلوكه كما لو أنّ به مسّ من الشيطان، وهذا تشبيه، لأن العرب زعمت أنّ الإنسان يتخبّط من مسّ الشيطان، والمسّ عندهم هو الجنون، وزعموا أيضا أن الجنّي يمسّ الرجل فيختلّ عقله، ولذا قالوا: جنّ الرجل، كما كانوا إذا أرادوا تقبيح شيء نسبوه إلى الشيطان، انظر الرازي، فخاطبهم القرآن على ما تعارفوا عليه، وقد يكون مسّ الشيطان أيضا وساوسه السيئة، وقيل المقصود وصف حالة أكلة الربا يوم الجزاء ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ كلمة ﴿ذلِكَ﴾ تشير إلى تخبطهم المذكور فيما تقدّم، أي إنّ حالتهم تلك سببها قولهم أنّ البيع مثل الربا ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وذلك لعدّة وجوه منها:

أ- الربا عبارة عن الاستيلاء على مال الغير بلا مقابل رغم أنّ المال له حرمة عظيمة، وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه»، فلذا يكون أخذ مال الغير من غير مقابل محرّما، فإن قيل: لم لا يكون هنالك مقابل لبقاء المال في يد المقترض، إذ لو بقي رأس المال في يد صاحبه لأمكنه أن يتّجر فيه ويستفيد ربحا في حين أن الربح استفاد منه المقترض، والجواب أنّ ربح المقترض المشار إليه أمر ظنّي قد يتحقق وقد لا يتحقق، في حين أن الربا الذي يقتصّه صاحب المال أمر مؤكّد فلا يجوز اقتصاص شيء مؤكّد مقابل شيء ظنّي، ولهذا السبب لا يدخل في الربا من يقرض آخر مالا يستثمره ويشاركه في ربحه أو خسارته إن حصل.

181

ب - التعامل بين الناس يجب أن يكون بحيث يستفيد الواحد من الآخر مقابل عمل، وليس لأحد حق على الآخر من دون عمل.

ج - الاشتغال بالربا غير منتج، ينتفع صاحبه به دون مشقة، وهو يصرف الناس عن الانشغال بالإنتاج المفيد كالصناعة والتجارة والحرف والعمار وذلك يؤدي إلى البطالة والركود والإضرار بالمجتمع.

د - لا معنى للاتّجار بالنقود مقابل النقود إلاّ اتّخاذها هدفا لذاتها، كالاتجار بالأوراق النقدية، وهذا ظلم فالنقود وجدت لتكون ميزانا لتقدير القيمة وتبادل السلع، فلو تبدّل ذلك وصارت النقود مقصودة لذاتها عن طريق الاتّجار بها لأدّى ذلك إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثرية الناس لتنحصر في أيدي من يقتصر عملهم على من يربحون المال بالمال، وبالنتيجة يبخس العاملون قيم أعمالهم لأنّ الربا يذهب بمعظم الربح فيهلك الفقراء.

هـ - غالبا ما يكون المقرض غنيا والمقترض فقيرا فبواسطة الربا يأخذ الغني من الفقير مالا زائدا مؤكّدا دون أن يتحمّل أي عبء أو مخاطرة مع الفقير، إذ يحتفظ بحقه في رأس المال كاملا، وقد ينتهي الأمر بالحجز على أموال الفقير بكاملها.

و- الربا استغلال محض يؤدّي إلى انقطاع المعروف والإحسان بين الناس.

﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ له ما أكل من الربا قبل نزول الحكم وحسابه على الله، والمعنى عدم ملاحقة المرابين لاسترداد ما أخذوه في السابق لأنّ ذلك يؤدّي إلى نزاعات قضائية لا حدّ لها، فالتحريم لم يكن له مفعول رجعي كي لا يسبب اضطرابا في المعاملات الاقتصادية بين الناس، وليس معنى ذلك أن ما أخذه المرابون في السابق يعتبر حلالا ولكن حسابهم على الله، وفي ذلك حثّ للمرابين كي يعيدوا طواعية ما أخذوه من ربا سابق إلى أصحابه ﴿وَمَنْ عادَ﴾ من عاد إلى استحلال الربا

182

سورة البقرة (2): آية 276

والعمل به مدّعيا أن البيع مثل الربا صار كافرا: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ (276)

276 - بعد أن شرح تعالى في الآيات المتقدّمة مواضيع الربا والصدقات بيّن في هذه الآية عاقبة كلّ منها وهي محق الربا وإرباء الصدقات، أما المحق فهو النقصان، والإرباء هو النموّ، ويتّضح معنى الآية بقوله ﷺ «الربا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ» رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود، فالبركة تزول عن مال المرابي لأنه يستغرق في حب الدنيا، ويتهالك عليها، ويصبح جمع المال شغله الشاغل، وهدفا نهائيا بذاته، فيختلّ تفكيره ويفقد توازنه ولا يهنأ بكسبه، وتعمى بصيرته عن الحقيقة وعن الآخرة، وتؤول عاقبته إلى العداوة والكراهية بينه وبين الناس.

وتلاحظ العواقب الوخيمة للربا في الحياة الاقتصادية للأمّة على نطاق واسع: فالقروض الربوية منها الاستهلاكية التي يضطرّ لها الفقراء للوفاء باحتياجاتهم المعيشية اليومية، ومنها قروض الاستثمار التي قد يحتاجها بعض التجار والصناعيين والمزارعين لتأسيس أو تشغيل مشاريعهم.

أمّا القروض الاستهلاكية فمن الواضح أنّها تؤدي إلى خراب المجتمع، لأنّ الفقير يقترض ما يحتاجه لسداد قوته اليومي، فيكون عبء الربا من الثقل بحيث لا يستطيع سداد الدين الأصلي، بل قد يحتاج للاقتراض من جديد لسداد الفوائد، وهكذا قد يدفع أضعاف الدين الأصلي ويبقى أصل المبلغ دون سداد، والنتيجة أن فئة قليلة من الناس تستغل الأكثرية بامتصاص مجهودها فينخفض الإنتاج على المدى الطويل وتتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية معا وتنمو بذور الاضطرابات ويتفكك المجتمع.

183

أمّا قروض الاستثمار في المشاريع الإنتاجية فهي أيضا تسبب الضرر بالتثبيت المسبق لنسبة ربح فاحشة، كما يلاحظ في الأمثلة التالية:

(1) المشاريع الضرورية للمجتمع التي قد يكون مردودها المادي أقل من معدلات الفائدة على الإقراض تبقى من دون تحقيق لأنها لا تجد من يمولها.

(2) لا يمكن لأحد أن يضمن سلفا أنّ مشروعه سوف يحقق ربحا أعلى من نسبة الفائدة على الإقراض أو يضمن أن يكون مشروعه رابحا أصلا ففي هذه الحال تبقي الجهة المقرضة ضامنة للربا الذي تستوفيه في حين يكون احتمال المخاطرة والخسارة على صاحب المشروع قائما.

(3) تعتبر فوائد الإقراض عبئا ماليا يضاف إلى كلف المشروع فينتج عنها انخفاض معدل الربح وقد تجعل المشروع غير مجد اقتصاديا، بل قد تجعله خاسرا إذا كان هامش الربح متواضعا، وفي جميع الأحوال تبقى عاملا سلبيا تهدد المشروع بالخسارة والحجز.

(4) بما أن اهتمام المؤسسات الربوية منصب فقط على تحصيل الربا بغضّ النظر عن نجاح المشاريع أو فشلها، فعند ظهور أقل مؤشر لركود الاقتصاد تبادر هذه المؤسسات لسحب أموالها من الأسواق ممّا يسبب تفاقم الركود وزيادة البطالة.

(5) كثيرا ما تتصرف المؤسسات الربوية بأموال المودعين بأن تقرضها بربا فاحش إلى جهات يشكّ في نجاحها الاقتصادي، فهي بذلك تغامر بأموال الآخرين مقابل الربا الفاحش الذي تتقاضاه.

وعلى النقيض من كلّ ذلك فعندما تكون رؤوس الأموال شريكة في المشاريع، وليست مجرّد جهة خارجية مقرضة، فيتحمل أصحابها إمكانية الربح والخسارة، ويكون لهم مصلحة مشتركة في النجاح مع أصحاب المشاريع، وليس

184

مجرّد استغلال حاجة الآخرين للتمويل، فعندئذ تنخفض كلف المشاريع، ويزداد احتمال الربح وتكون النتائج لصالح الطرفين وازدهار الاقتصاد وانخفاض البطالة.

سورة البقرة (2): آية 277

روي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإنّ نبيّ الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والريبة»، وفي حين أنّ الربا محرّم بلا جدال، فإنّ مشكلة الاقتصاد الحديث تكمن في المؤسسات الربوية التي تأخذ أموال المودعين مقابل فوائد أقل من نسبة التضخم، ثمّ تقرض هذه الأموال للآخرين مقابل الربا الفاحش.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (277)

277 - بعد أن وصف تعالى في الآية (275) أكلة الربا الذين جعلوا الدنيا وجمع المال شغلهم الشاغل وهدفهم النهائي، فاستولى ذلك على عقولهم، واختلّ تفكيرهم وفقدوا توازنهم، فاستهلكتهم رغبتهم العارمة في مشاهدة أموالهم تتضاعف، وعميت بصيرتهم عن الحقيقة، ونسوا الآخرة، ثمّ في هذه الآية يذكر تعالى الصنف الآخر من الناس، الذين استوعبوا حقيقة الدنيا وزوالها، فقدّموا العمل الصالح لآخرتهم، فبشّرهم تعالى بأن لا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على فراق الدنيا، روى أحمد في مسنده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».

سورة البقرة (2): آية 278

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (278)

سورة البقرة (2): آية 279

278 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بقلوبكم حقّا، أو إن كان إيمانكم شاملا لجميع ما جاءت به رسالة الاسلام.

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279)﴾.

185

سورة البقرة (2): آية 280

279 - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إن لم تتركوا الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا يهنأ لكم عيش، ولا يطفئ ظمأكم للمادة شيء، وتجرون وراءها جري الوحوش، وفي زمن البعثة كانت مقاومة الرسول للمرابين بالحرب فعلا، أمّا في حاضرنا فنحن نرى أثر هذه الحرب في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الربوية، كازياد حجم العجز في ميزانيات الدول الكبيرة والصغيرة، وبشكل تصاعدي حاد لا يرجى منه شفاء، لأنّ الميزانيات لا تكاد تكفي لسداد الفوائد على القروض الحكومية، وقد ترتّب على ذلك تقلص الخدمات الاجتماعية والصحية لمستحقيها، ونقص الدخل وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وارتفاع نسبة الجريمة، واتساع الهوة بين دخل الأغنياء وعامة الناس بسبب تركز الثروة لدى شريحة قليلة من الناس ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي إن تبتم من استحلال الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فلا تظلمون الآخرين بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون بنقصان رأس مالكم.

﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (280)

280 - ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ العسرة من الإعسار، وهو تعذّر وجود المال، والنظرة من الإنظار وهو الإمهال، أما الميسرة واليسر فهي الغنى، والمعنى إذا كان المدين معسرا فعليكم إمهاله وتأجيل الدين حتّى يصير في يسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن تصدّقتم بالدين على المعسر فهو خير لكم من الإمهال، والصدقة تكون على الفقير، وأمّا على الموسر فلا، وهكذا فإنّ إمهال المعسر واجب، والأخذ منه بعد الإمهال حلال، ويستحبّ التصدّق عليه بالدين إن كان فقيرا، انظر الطبري.

186

سورة البقرة (2): آية 281

﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (281)

سورة البقرة (2): آية 282

281 - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وهو يوم الحساب ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وتفصيل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة 99/ 7 - 8]، وقيل أنّ هذه الآية مع آيات الربا وآية الدين آخر ما نزل من القرآن.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (282)

282 - في الآيات المتقدمة ذكر تعالى أحكام الإنفاق، ثمّ الربا، وفي هذه الآية يوصي تعالى بحفظ الأموال الحلال عن التلف والفساد، وذلك بالتنظيم والاحتياط في أمور التعامل بها:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ أوجب تعالى كتابة الدين والمعاملات المؤجّلة إلى أجل مسمّى، روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الكتابة بالحق والإنصاف بحيث يضمن كل من الطرفين حقّه ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ لا يجوز للكاتب أن يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله من الكتابة والأحكام

187

والفقه وأصول المعاملات ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملال والإملاء في اللغة واحد، فالذي عليه الحقّ وهو المدين يملي على الكاتب ليكون إملاله حجّة عليه من جهة، ومن جهة ثانية لكي لا يكون هنالك مجال لغش المدين من قبل الدائن ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ لا ينقص شيئا من الحق الذي عليه،

﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ والمعنى أنّ الذي عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبرا فالمعتبر هو إقرار وليّه، والسفيه هو ضعيف العقل والرأي أو جاهل بالإملاء والمعاملات، أمّا الضعيف فقد يكون صغيرا أو عجوزا، وأمّا الذي لا يستطيع أن يملّ فقد يكون عاجزا عن الكلام أو غائبا لا يستطيع الحضور ﴿وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ من الذين يعتدّ بشهادتهم، إذ لا يصلح للشهادة أي كان ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ أي إذا أخطأت الواحدة فتذكّرها الثانية، لأن المرأة قد تحار أو يشتبه عليها الحق أحيانا بسبب اضطراب بعض أجهزتها الحيوية أو انحراف في مزاجها،

وقيل إن هذا مختص بالشهادة في المداينات والمعاملات التجارية والصفقات، خاصة أن موضوع الشهادة ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع وهي:

[البقرة: 2/ 282]، [النساء: 4/ 6، 15]، [المائدة: 5/ 106 - 108]، [النور: 24/ 4 - 9]، [الطلاق:

65/ 2]، ولم تحدد فيها شهادة الامرأتين إلا في آية البقرة التي نحن بصددها،

﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ لا يمتنع الشهود عن تحمّل الشهادة وقت المداينة، وأيضا لا يمتنعوا عن أداء الشهادة بعد ذلك إذا احتاجهم صاحب الحقّ ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ﴾ لا تملّوا من كتابته سواء كان الدين صغيرا أو كبيرا ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ الكتابة والإشهاد أعدل

188