بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 189 - 196

سورة البقرة (2): آية 283

سورة البقرة (2): آية 283

عند الله ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أي أثبت للشاهد إذا كتب بخطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أن ينساه لو لم يكتبه ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ منعا للريبة والشك في القيمة والأجل، فترجعون عند التنازع إلى الكتاب ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾ عندما يكون الأجل قريبا والتجارة يومية فالكتابة ليست فرضا، ولكن لا مانع من الكتابة كما في المعاملات التجارية اليوم حيث يكتب إيصالا ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ أوجب تعالى الشهود على كلّ مبايعة غير المشار إليها في التجارة الحاضرة ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ أصل الكلمة (يضارر) وأدغمت، فإذا قرأت بفتح الراء الأولى يكون المعنى أنّه لا يجب مضايقة الكاتب أو الشهود أو إكراههما أو الضغط عليهما أو تحميلهما مسؤولية ما تمّ كتابته، وإن قرأت بكسر الراء الأولى يكون المعنى نهي الكاتب والشهود عن الانحياز إلى طرف والإضرار بالآخر ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي فإنّه فسوق كائن بكم، والمعنى يكون بكم إثم ومعصية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما حذّر منه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كيفية التعامل وحفظ الأموال ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده وغيرها.

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (283)

283 - في هذه الآية والتي قبلها جعل تعالى المعاملات على ثلاثة أقسام:

الأولى بكتاب وشهود، والثانية برهان مقبوضة، والثالثة بالأمانة:

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي في يد صاحب الحق، واتّفقوا على أنّ الرهن يجوز في السفر والحضر، وفي حال وجود الكاتب أو عدمه، وإنّما ذكرته الآية في السفر على سبيل غالب الأحوال، وذلك شبيه بقصر الصلاة وقت الخوف، وليس الخوف شرطا لجواز القصر، ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾

189

سورة البقرة (2): آية 284

﴿بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ في هذه الحالة تكون المعاملة المؤجلة بلا كتابة ولا شهود ولا رهن لأن صاحب الحق لا يخاف خيانة غريمه، وفي حين أن الآية المتقدمة محمولة على الفرض والوجوب في الحالة العامة، فإن هذه الآية محمولة على الرخصة في حالة خاصة وهي الائتمان ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ وهو المدين الذي اؤتمن، عليه أن يؤدي الأمانة ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ على المدين أن يتّقي الله ولا يجحد ما عليه ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ كتمان الشهادة هنا أن ينكر المدين علمه بما عليه، وأيضا إن كان أحد من الناس عالما بما حدث فعليه أن يتقدّم للشهادة ولا يكتم علمه لقوله ﷺ: «خير الشهود من أدّى شهادته قبل أن يسألها» رواه أحمد وابن ماجه ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ من يكتم الشهادة فهو فاجر يتحمّل إثما، وعن ابن عباس أن أكبر الكبائر: الشرك بالله، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لأنّه تعالى عليم بالخفايا فيحاسب عليها فذلك تحذير من الكتمان.

﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (284)

284 - بعد أن جمع تعالى في هذه السورة من دلائل التوحيد والنبوة، ونسخ الشرائع السابقة بشرائع الإسلام خاتم الرسالات، وبيّن الشرائع والتكاليف في الحج والقصاص والوصية والصوم والجهاد والطلاق والخلع والحيض والعدّة والصداق والمتاع والرضاع والأرامل والصلاة وحرية العقيدة والزكاة والربا والمداينة والمبايعة، ختم تعالى السورة بهذه الآية الشاملة:

﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ تعبير عن كمال الملك وكمال القدرة الإلهية، ثمّ أتبع تعالى بالتعبير عن كمال العلم الإلهي المحيط بالكليّات والجزئيات: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الإشارة إلى الخصال السيّئة التي ثبتت في بعض النفوس كالنفاق والحسد والبغضاء والحقد

190

سورة البقرة (2): آية 285

سورة البقرة (2): آية 286

وفساد النية وسوء القصد، وإبداء هذه الخصال يكون بإظهارها والعمل بها ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده الذين قاموا بالأعمال الصالحة حتى غلب أثرها في نفوسهم، أو لمن لم تخرج أفكارهم السيئة إلى حيّز التنفيذ، وفي الحديث: «إنّ الله تعالى تجاوز عن أمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا به أو يتكلّموا به»، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ من الكفار والمنافقين والعصاة والمجرمين عذابا مترتبا على العدل ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ باطلاعه على الخفايا والظاهر.

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (285)

285 - لمّا بيّن تعالى في الآية المتقدّمة كمال الملك وكمال العلم وكمال القدرة الإلهية، وفي ذلك كمال صفات الربوبية أتبع ذلك في هذه الآية بكون المؤمنين في منتهى الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى وذلك هو كمال العبودية:

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي لا يفرّقون بين أحد من الرسل فلا ينكرون نبوّة أيّ منهم، وقد أكمل بعضهم شرائع بعض، ونسخ بعضها الآخر ثمّ اكتملت الرسالات بشريعة محمد ﷺ خاتم الأنبياء والرسل ونسخت ما قبلها ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ لأنّ العبرة ليست بمعرفة الحقيقة فقط بل بالعمل بموجبها ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ يلتمس المؤمنون الغفران من الله فيما يخافون من تقصيرهم في عملهم ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرار المؤمنين بالمعاد إليه تعالى:

﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286)﴾.

191

286 - ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ وهذه استجابة منه تعالى لدعاء المؤمنين في قولهم ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ بأنّه تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الثواب على أعمال الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ من العقاب على ارتكاب الشرور، وهو مبدأ المسؤولية الفردية بأن المرء لا تنفعه حسنات الآخرين، كما لا تضره أخطاؤهم، فلا ينتفع المرء أو يلحقه الضرر إلاّ بأعماله ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ لا تؤاخذنا: أي لا تأخذنا بالعقوبة إن نسينا أو أخطأنا، وتقدير ذلك أن يكون الإنسان قد أخذ جانب العناية والحيطة والتفكّر سلفا، لا أن يكون الخطأ والنسيان ناتجين عن الإهمال والتساهل وعدم اتّخاذ الأسباب ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ الإصر في اللغة هو العبء الثقيل، ثمّ سمّي العهد إصرا لثقله، والمقصود من الدعاء أن لا يتعرض المؤمنون للمحن والابتلاء والمصائب التي تعرّض لها من قبلهم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ لا تحمّلنا ما يشق علينا عمله، ووفّقنا لحمل ما فرضته علينا، كي لا نستحق بمقتضى سنّتك أن تحمّلنا ما لا نطيق من العقوبة ﴿وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا﴾ لأنّ العفو يسقط العقاب، والمغفرة تستر الخطيئة صونا للمؤمن من عذاب الخجل والفضيحة ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بالتوفيق إلى العمل وفق هديك ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ دلالة على منتهى الخضوع والاستسلام ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ انصرنا عليهم في حربهم معنا، وفي مناظرتنا معهم بالحجج والحوار لكي يكون نصرنا على النفوس وليس على الأجساد فقط.


192

سورة آل عمران - 3 - مدنية

مقدمة

نزلت (آل عمران) في المدينة على مراحل ابتدأت بعد معركة بدر (رمضان عام 2 للهجرة) واستمرت حتى معركة أحد (شوال عام 3 للهجرة) وما بعدها، وقد ورد اسم (آل عمران) الذي يرمز إلى سلالة النبوة لموسى وعيسى عليهما السلام في (الآية 33) ولذا رمز لها بهذا الاسم.

الخلفية التاريخية

كان المسلمون وقت نزول السورة يتعرضون لمحن شديدة وابتلاء، وكانوا في حالة من القلق بعد أن أدّى انتصارهم في معركة بدر إلى تحفّز قريش وقبائل الجزيرة العربية ضدّهم، وقد تحمّلت المدينة المنوّرة بنتيجة معركة بدر عداوة الكثير من القبائل المجاورة والبعيدة حتى بدا للمسلمين في بعض الأوقات أنّ اجتياح المدينة من قبل أعدائهم أصبح وشيكا، يضاف إلى ذلك المصاعب الاقتصادية التي تحمّلتها المدينة، ليس أقلّها التكيف مع استيعاب المهاجرين الجدد من مكة، ثم إنّ قبائل اليهود حول المدينة كانت تعمل جاهدة للكيد بالمسلمين فبعد معركة بدر كان اليهود يحثّون قريشا علنا على الانتقام لهزيمتهم، ممّا اضطرّ النبيّ ﷺ لطرد أشدّهم عداوة وهم بنو قينقاع من ضواحي المدينة، ولكن الباقين منهم استمروا في الكيد للمسلمين بالتآمر مع منافقي المدينة ومشركي الحجاز، ولشدّة ألم قريش من هزيمتها في بدر كان تحريض اليهود لها بمثابة صب الزيت على النار، وما لبثت قريش أن حشدت قواها لمعركة أحد التي لعب المنافقون

193

دورا كبيرا بها في محاولة شق صفوف المسلمين بعد أن خرجوا للقتال معهم ثم نكصوا على أعقابهم، وهكذا انكشف للمسلمين للمرة الأولى دور عدوهم الداخلي وبدت لهم نقاط ضعفهم، ومن المهم التمحيص في تحليل السورة لتلك المواقف، (الآيات 121 - 175).

ارتباط السورة بما قبلها

هنالك نوع من الترابط والتكامل بين سورة آل عمران وسورة البقرة، ففي سورة البقرة المتقدمة دعوة اليهود للإيمان بخاتم الرسالات: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة 2/ 41]، وفي سورة آل عمران أن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى في كتبهم من الوحي الصحيح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران 3/ 3]، وأن أهل الكتاب أوتوا فقط نصيبا من الكتاب أي ما تبقى بين أيديهم من الوحي، ثم تولّوا عن القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران 3/ 23].

وفي سورة البقرة أن المصرّين على الكفر والمشركين كرهوا نزول الوحي على العرب من بني إسماعيل: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة 2/ 105]، لأن رسالة الإسلام نسخت ما قبلها:

﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة 2/ 106]، وفي سورة آل عمران بيان إيتاء الرسالة بني إسماعيل ونزعها من بني إسرائيل: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران 3/ 26]، وبيان ختم الرسالات بنزول الوحي على خاتم

194

الأنبياء والرسل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران 3/ 7].

ومن جهة محاجّة أهل الكتاب من اليهود والنصارى: كان التركيز في سورة البقرة على بني إسرائيل [البقرة 2/ 40 - 105]، وفي آل عمران على اليهود والنصارى معا، وفي كل من السورتين أحكام متمّم بعضها بعضا، كفريضة الدعوة إلى الإسلام: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 3/ 64]، وفريضة الحج [آل عمران: 3/ 94 - 97]، والنهي عن الربا [آل عمران: 3/ 130]، والحض على الإنفاق [آل عمران:

3/ 134].

محور سورة آل عمران

أن العقل البشري قاصر بالضرورة عن استيعاب الحقيقة المطلقة، أو حتى جوانب ضئيلة من الغيب، فلزم أن تكون بعض آيات القرآن الكريم ذات طابع رمزي تتضمن الكناية والمجاز، وهي الآيات المتشابهات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ (7)، لكنّ الناس ميّالون إلى متاع الدنيا ومادتها غافلون عن خيرات الآخرة: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (14).

وإن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (26)، وأن الإسلام دين الأنبياء

195

من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (67).

وأنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (92)، وتفرض السورة على العلماء من المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (104).

وتبين العبر من وقعة أحد، (الآيات 121 - 175)، وتنهى عن أكل الربا:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (130)، وتحض على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (134)، كل ذلك ما يوجب التضحية فالله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (141).

وأن الكفار جاهدون في رد المسلمين عن دينهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (149)، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام أسوة بالنبي ﷺ وتقرر مبدأ الشورى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (159)، وأن الله تعالى لم يكن ليترك من لديه استعداد للإيمان ضائعا بين الكفار، ولكن يبعث الرسل كي يتّبعهم من يختار الإيمان من الناس: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ﴾

196