بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 4 · ص 256 - 263

سورة المدثر (74): آية 43

سورة المدثر (74): آية 43

سورة المدثر (74): آية 44

سورة المدثر (74): آية 45

سورة المدثر (74): آية 46

سورة المدثر (74): آية 47

سورة المدثر (74): آية 48

سورة المدثر (74): آية 49

سورة المدثر (74): الآيات 50 إلى 51

سورة المدثر (74): آية 52

(40 - 42) وهو سؤال تعجّب من بلادة المجرمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك 8/ 67] أي لبلادة الكفار،

﴿أولا أنهم لم يكونوا مؤمنين عابدين لله: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (43) ولأنه وقت نزول السورة لم تكن الصلاة المكتوبة قد فرضت، فالمقصود من الصلاة الدعاء، أنظر آية [غافر 60/ 40]، وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة"، وقالوا: معنى الدعاء الإيمان،

وثانيا أنهم لم ينفقوا في عمل الخير: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (44) لأن الإيمان يجب أن يصدّقه العمل،

وكانوا يخوضون مع أمثالهم في أحاديث الباطل: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (45)

وكذّبوا بالمسؤولية والبعث والحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (46)

حتى وافتهم المنية: ﴿حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ (47)

فلم تنفعهم شفاعة من توهّموا فيهم الشفاعة: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (48)

فأي عذر للكفار في إعراضهم عن القرآن؟ ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (49)

إذ هم في إعراضهم عن القرآن كالحمر النافرة من الأسد: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (50 - 51)، وتشبيههم بالحمر أنهم لم يستفيدوا من عقولهم، وهو كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة 5/ 62]،

والكافر لشدة استكباره ينكر الرسل ويريد نزول الوحي عليه شخصيا حتى يؤمن: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52)﴾

256

سورة المدثر (74): آية 53

سورة المدثر (74): الآيات 54 إلى 55

سورة المدثر (74): آية 56

﴿في حين أنه جاحد لا يؤمن بالبعث والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (53)

لكن القرآن ليس سوى تذكرة لمن مال نحو الفطرة السليمة واستفاد من العقل السليم: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (54 - 55)

غير أن الإنسان في منتهى الضعف ومعتمد بالكامل على العناية واللطف والتوفيق: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾.

257

سورة القيامة - 75 - مكية

نزلت خلال النصف الأول من الفترة المكية.

ارتباط السورة بما قبلها

في سورة المدّثر أن حساب الكفار يكون عسيرا يوم القيامة: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر 8/ 74 - 10]، وتفتتح هذه السورة بتأكيد وقوع القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة 1/ 75]،

وفي سورة المدّثر أن الكفار مصرّون على إنكار الحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر 46/ 74]، ثم تبين هذه السورة أن الإنكار من صفات الفجّار:

﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة 5/ 75 - 6]،

وفي سورة المدّثر أن الجزاء مترتب على العمل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر 38/ 74]، وهذه السورة تبين مسؤولية الفرد فيما قدّم من عمل وما ترك من واجبات: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة 13/ 75]،

وفي سورة المدّثر أنّ إعراض الكفار عن القرآن من العجب: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر 49/ 74]، وتبين هذه السورة أن السبب هو تهالكهم على الدنيا: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة 20/ 75 - 21].

258

محور السورة

تأكيد مسؤولية الفرد يوم الحساب عمّا قام به من عمل وما ترك من واجب:

﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [13/ 75]، وأن علم الساعة في القرآن الكريم من الوضوح ما يوجب التأنّي في استيعاب معاني القرآن: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [16/ 75]، فكيف يليق بالإنسان التفكير أنه غير مسؤول عن أعماله وأن لن يحاسب عليها؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [36/ 75].

النظم في السورة

سورة القيامة (75): آية 1

سورة القيامة (75): آية 2

سورة القيامة (75): آية 3

سورة القيامة (75): آية 4

سورة القيامة (75): الآيات 5 إلى 6

سورة القيامة (75): آية 7

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿تفتتح السورة بالتنبيه على حتمية وقوع الساعة والحساب: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (1)

والتنبيه أنّ النفوس في قرارتها تدرك نقائصها وقصورها وفجورها، ثم لا تستجيب لداعي الحق، وفي نهاية المطاف تلوم نفسها يوم الحساب: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ (2)

فكيف يليق بها التعامي عن القيامة؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ (3)

رغم المعجزات الماثلة ومنها تسوية البنان والبصمات الفردية التي لا يتشابه منها اثنان: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ (4)

فالإنسان المشكّك يفجر فيما بقي أمامه من الزمن، إذ يسوّف ويتعلق بالأمل كما لو كان موقنا بعدم البعث: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (5 - 6)

ثمّ عندما تقع الواقعة يحار البصر في هولها: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)﴾

259

سورة القيامة (75): الآيات 8 إلى 9

سورة القيامة (75): آية 10

سورة القيامة (75): الآيات 11 إلى 12

سورة القيامة (75): آية 13

سورة القيامة (75): آية 14

سورة القيامة (75): آية 15

سورة القيامة (75): الآيات 16 إلى 17

سورة القيامة (75): آية 18

سورة القيامة (75): آية 19

﴿فتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (8 - 9)

ويوقن المشكّك يومئذ أن لا مفرّ: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (10)

وأن لا ملجأ له من الله إلاّ إليه، ولا شيء يعتصم به من أمر الله: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (11 - 12)

ويجد نفسه في مواجهة أعماله، ليس فقط ما قام به، بل أيضا ما أهمل من العمل الذي كان عليه أن يقوم به: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (13)

وتشهد نفسه عليه: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (14)

فلا تنفعه الأعذار إذ هو شاهد على نفسه: ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (15)

وعلم الساعة من الوضوح في القرآن الكريم بحيث لا ينكرها إلاّ مكابر مستكبر كما في قوله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ - أي القرآن الكريم - ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾) [الزخرف 61/ 43]،

لذا تحضّ الآيات التالية الإنسان على التمعن في فهم القرآن وتنهى عن العجلة في التوصل لمعانيه اعتمادا على نصوص مجتزأة منه إذ لا يمكن فهم القرآن إلا بالنظر إليه ودراسته كوحدة متكاملة: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أي أيها الإنسان ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (16 - 17)

وعليك أيها الإنسان تتبّع معانيه: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (18) والقراءة منسوبة للذات العلية لأنه تعالى مصدر الوحي،

ومن التأني والتمعن في القراءة تتبين المعاني من فهم القرآن ككلّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه 114/ 20]، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر 91/ 15].

260

سورة القيامة (75): آية 20

سورة القيامة (75): آية 21

سورة القيامة (75): الآيات 22 إلى 23

سورة القيامة (75): آية 24

سورة القيامة (75): آية 25

سورة القيامة (75): آية 26

سورة القيامة (75): آية 27

سورة القيامة (75): آية 28

سورة القيامة (75): آية 29

سورة القيامة (75): آية 30

سورة القيامة (75): الآيات 31 إلى 32

سورة القيامة (75): آية 33

﴿ثم تبين السورة سبب استكبار المستكبرين عن فهم القرآن، وبالتالي عن الإقرار بالآخرة، بأنه التهالك على الدنيا العاجلة: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ﴾ (20)

والتعامي عن الآخرة: ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (21)

يوم تكون وجوه المؤمنين ناضرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (22 - 23)

وتكون وجوه الكفار من يأسها شديدة العبوس: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ (24)

وقد أيقنت بأن تقع بها داهية تكسر فقار الظهر: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (24 - 25)

ثم تتحداهم السورة أن لو كان استكبار المستكبرين في محلّه أن يمنعوا خروج الروح من صاحبها وهو على فراش الموت: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ (26) والتراقي جمع ترقوة وهي عظم الكتف، والكناية بها عن القرب من الموت،

فأي رقية تفيدهم في دفع الموت؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ (27)

مع يقين المرء وقتئذ أنه مفارق الدنيا: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ (28)

وهو يعاني من سكرات الموت وشدته: ﴿وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ (29)

حتى يصير إلى ربّه: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ (30)

وماذا تفيده التوبة والإيمان بعد المعاينة، فقد كان في حياته مكذّبا: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (31 - 32)

مصرّا على الكبر في أهله وعشيرته معتدّا بحوله وقوّته: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (33)﴾، ظانّا أنه مكتف ذاتيا بما عنده من العلم غنيّ عن الوحي الإلهي،

261

سورة القيامة (75): آية 35

سورة القيامة (75): آية 36

سورة القيامة (75): الآيات 37 إلى 40

﴿في حين الهلاك قارب منه شيئا فشيئا وهو غافل: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (35)

فكيف يظنّ أن لن يحاسب على عمله؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (36)

إذ خلقه تعالى وسوّاه ونفخ فيه الروح بعد أن كان مجرد نطفة تافهة في الرحم: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (37 - 39)، وهي معجزة بحد ذاتها كافية للدلالة على حتمية البعث والحساب: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (40)﴾.

262

سورة الإنسان - 76 - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكي ومدني

ارتباط السورة بما قبلها

تعلّق السورة بما قبلها واضح، فبعد قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة 40/ 75]، تبين سورة الإنسان أنه أتى حين من الدهر لم يكن للإنسان وجود على هذه الأرض: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان 1/ 76]، ثمّ خلقه تعالى من نطفة:

﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان 2/ 76]، فما الذي يمنع بعثه من جديد بعد موته؟ وفي ذلك إشارة لقوله تعالى:

﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق 15/ 50].

وقد نفت سورة القيامة أن يترك الإنسان بلا حساب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة 36/ 75]، وتوضح هذه السورة السبب في ذلك لأن الله تعالى بيّن للإنسان طريق الخير من الشر فصار في موقع المسؤولية: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان 3/ 76].

263