بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 197 - 204

سورة آل عمران (3): آية 1

سورة آل عمران (3): آية 1

سورة آل عمران (3): آية 2

سورة آل عمران (3): آية 3

﴿رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (179).

وتتنبأ السورة بمعاناة المؤمنين من أذى أهل الكتاب والكفار، وتحضهم على الصبر والتقوى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (186)، وأن العبرة من العبادة تكمن في العمل والتضحية وليس فقط أداء الفرائض: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (195).

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿الم﴾ (1)

1 - الله أعلم بمراده، انظر شرح الآية (1) في سورة البقرة.

﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (2)

2 - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير لحقيقة التوحيد أي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، ومن ثمّ لا مستحقّ للعبادة إلاّ هو، والعبادة هي الطاعة، فالمعنى لا مستحق للطاعة المطلقة إلاّ الله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ مصدر الحياة والإحياء وذو الحياة الدائمة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بذاته والقيّم على كلّ المخلوقات.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (3)

3 - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن الكريم نزّل على النبي ﷺ، ولفظ التنزيل بمعنى التكثير لأنّه نزّل بالتدريج نجوما متفرقة في ثلاث وعشرين سنة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف

197

18/ 1]، لأنّ التنزيل والإنزال فيهما إشعار بعلو مرتبة الوحي على الموحى إليه ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي متضمّنا الحقيقة ومبيّنا لها، وأيضا فيه ما يحقّق أنّه من عند الله تعالى:

﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ليس المعنى تصديق الكتب الموجودة لدى اليهود والنصارى بعينها، فقد تعرّضت على مرّ العصور لكثير من التحريف والتغيير، وإنّما هو تصديق لما بقي في تلك الكتب من الحقيقة وهو معنى قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ ومثال ذلك أنّ تصديقنا للنبي ﷺ في كل ما قاله لا يستلزم تصديق كل ما نسب إليه في كتب الحديث، بل ما ثبت منها فقط ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة في عرف القرآن هي الوحي الذي نزل على موسى عليه السلام، انظر شرح آية [المائدة: 5/ 13]، والإنجيل هو الوحي الذي نزل على عيسى المسيح عليه السلام، انظر شرح آيات [المائدة: 5/ 14، 47]، أما كتبهم المقدّسة اليوم فليس بها من التوراة والإنجيل إلاّ القليل، لأنّ أصلها ضاع منذ القدم وأعيدت كتابتها من قبل المؤلّفين حتى صارت كتب اليهود، المسماة بالعهد القديم، تشتمل على تأريخ قومي للأحداث التي حصلت بعد موسى بزمن طويل، وهي إلى ذلك غاصة بمعتقدات وتشريعات باطلة ابتدعها أحبارهم.

أما الكتب المسيحية، المسماة بالعهد الجديد، فليست سوى كتابات نسبوها لبعض الحواريين، يفترض أنها تؤرخ سيرة حياة المسيح عليه السلام، وقد كتبت باللغة اليونانية بعد الأحداث بزمن، ولم تكن تعتبر كتابات مقدسة في وقتها، وقد تكررت تراجم العهدين القديم والجديد وتنقيحهما مرارا، وعلى سبيل المثال فإنّ الطبعة الإنكليزية المعتمدة جرى تنقيحها وإعادة كتابتها ثماني مرات على الأقل منذ أول ترجمة لها في العام 1536 حتى 1993، وقد ورد في مقدّمة الطبعة المنقحة المعتمدة التي صدرت عام 1952 أن سابقتها وهي طبعة الملك جيمس المعتمدة «اشتملت على أخطاء جسيمة وأن الأخطاء كانت من الكثرة بحيث لزم تعديلها»، كما ورد في طبعة العلماء Scholar's Version التي صدرت في أمريكا عام 1993 م وشارك في إعدادها أكثر من مئتين من علماء

198

سورة آل عمران (3): آية 4

سورة آل عمران (3): آية 5

المسيحية، وهم من دكاترة اللاهوت أساتذة الجامعات المتخصصين في أمريكا، ذكروا أنّ ما يزيد عن 82% من الأقوال المنسوبة في الأسفار إلى عيسى المسيح غير صحيحة ولم يتكلّم بها، وأنّ مؤلّفي أسفار العهد الجديد وهم كثر كانوا ينسبون إلى عيسى المسيح من الأقوال ما يعتبرونه «مناسبا» كي يطابق أهواءهم ومعتقداتهم، وأنّ عيسى المسيح لم يكن مسيحيا بالمقارنة مع المسيحية الحالية، وأنّ المسيحية الحالية تنسب إلى مبتدعها وهو القديس بولس (كتاب «الأناجيل الخمسة»، The Five Gospels شركة مكميلان للنشر 1993).

﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (4)

4 - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ الفرقان هو الفارق بين الحق والباطل بما نزل من الوحي على جميع الأنبياء، وهو أيضا مقدرة المؤمن على التفريق بين الحق والباطل، قال تعالى:

﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ [الأنفال 8/ 29]، فتميّزون بواسطته الصواب من الخطأ، لأنّ الملاحدة تزعم أنه لا يوجد خطأ أو صواب ولا صحيح أو قبيح وإنما تفكيرنا يجعل الأمور كذلك، والحقيقة أن الشيطان يزيّن لهم سوء أعمالهم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام 6/ 43].

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لأنّهم كفروا بالكتب المنزلة والآيات البينات رغم إنزال الفرقان، ورغم أن الله تعالى وهبهم العقل للتفريق بين الحق والباطل ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ الانتقام من النقمة وهي عقوبة المجرم وليست هنا بمعنى التشفّي بالعقوبة ممّا هو محال على الله تعالى.

﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (5)

5 - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ من الجزئيات والكليّات في هذا العالم، أو في غيره من العوالم السماوية، أو من علوم الغيب.

199

سورة آل عمران (3): آية 6

سورة آل عمران (3): آية 7

﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (6)

6 - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دعوة للتفكّر في دلائل معجزات الخلق إذ يستحيل أن يكون تكوين الأجنّة في الأرحام وخلق الكون المحكم مجرّد مصادفة فمن تدبّر ذلك آمن وأذعن واعتمد في حياته على هداية خالقه الذي أنشأه من العدم وهو أعلم بخلقه، انظر شرح آية [الأعراف 7/ 11].

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (7)

7 - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ الكتاب هنا هو القرآن، والمحكم هو ما لا يتطرق إليه الخلل وبهذا المعنى وصف القرآن بأنه محكم إطلاقا بقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود 11/ 1]، لأنّه في منتهى الإحكام والإتقان، ووصف أيضا كلّه بالمتشابه بقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر 39/ 23]، أي متجانسا في المحتوى وسالما من التناقض والتفاوت والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء 4/ 82].

﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ هي الآيات الواضحات ذات الدلالة المحددة، ولا تحتاج في فهم معناها إلى التأويل ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ فهذه الآيات هي لبّ الكتاب وجوهره لأنّها الأصول والقواعد وهي آيات الأحكام والمواعظ وأسس الإيمان والعبادة والأخلاق والواجبات والمحرمات ودحض المعتقدات الباطلة ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ المتشابه ما يشتبه من الأمور أي يلتبس فيقال اشتبهت الأمور وتشابهت إذا التبست، وإذا احتملت من المعاني وجوها عديدة، ولا

200

يفهم معناها إلا بالتأويل، وهي تشمل المجاز والكناية كقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 4/ 171] والاستواء على العرش ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: 20/ 5] وقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: 69/ 45] وتشمل ما لا سبيل إلى العلم به كالغيبيات مثل كيفية صفات الله تعالى، وقصّة خلق آدم والحوار مع الملائكة وعصيان إبليس، وحقيقة الجنة والنار، والجزاء على الأعمال، فمثلا ليست نار الآخرة مثل نار الدنيا وإنّما هي شيء آخر، وليس نعيم الجنة من الثمرات والأنهار واللبن والعسل المصفّى والحور ممّا نعهده في الدنيا، فكلّها تشبيهات وتصويرات للمعاني العقلية المجرّدة، عن طريق إبرازها في صور حسّية، ويتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 32/ 17].

أما الحكمة من وجود الآيات المتشابهات فهي ما تقتضيه الضرورة في مخاطبة البشر، لأنّ كثيرا منهم لا يستطيعون استيعاب المفاهيم والمعاني المجردة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ هو الميل عن الصواب والانحراف ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ يكون تركيزهم على المتشابهات بغية الدسّ والتنفير والشقاق والإنكار ﴿وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يريدون إرجاع المعاني إلى أهوائهم وأغراضهم فيصرفونها عن الصحيح ليخرجوا الناس من دينهم ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ التأويل بمعنى ما سيكون عليه المآل أي العاقبة والنتيجة، والتأويل أيضا بمعنى التفسير، ولذا اختلفوا في الوقف بعد لفظ الجلالة، ففي حال الوقف يكون المعنى أن علم تأويله عنده تعالى فقط، وتكون الواو في ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ للاستئناف، وكلمة ﴿الرّاسِخُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وهذا يصح إذا كان المراد بالتأويل العاقبة أو علم الغيب فذلك مختصّ بعلمه تعالى فقط، وفي هذه الحالة يكون سبب إيمان العلماء بالمتشابه هو رسوخهم في العلم وتواضعهم عن التطلع لمعرفة الغيب.

201

سورة آل عمران (3): آية 8

سورة آل عمران (3): آية 9

سورة آل عمران (3): آية 10

أمّا في حال عدم الوقف بعد لفظ الجلالة فتكون الواو للعطف، فالراسخون في هذه الحالة يعلمون تأويله وهذا يصح عندما يكون المراد من التأويل التفسير ومعرفة المعاني، لأنّه تعالى أمر بتدبّر القرآن كلّه المحكم منه والمتشابه ولم يستثن منه شيئا، فوجب أن يكون القرآن كلّه مفهوما، ولو اشتبه منه شيء على بعض الناس علمه غيرهم، ولا يمنع ذلك من التفسير على عدة وجوه، وقد نقل عن أبي الدرداء قوله: «إنك لا تفقه القرآن كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوها»، فالمتشابه قد يحتمل عدّة معان وينطبق على عدة حالات ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ لا يعقل ذلك ويفقه حكمته إلاّ أصحاب العقول النيّرة، ويلاحظ أيضا أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في آخر هذه السورة بالآية (190) بمعنى أن أولي الألباب المتفكّرين في خلق السماوات والأرض يتوصلون إلى الإيمان عن طريق العقل.

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (8)

8 - ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ أولوا الألباب يخشون أن تميل قلوبهم عن الحق، فيدعون ربهم قائلين:

ربّنا لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق بأن نتأوّل الآيات المتشابهات على غير ما ترضى كما يفعل المذكورون في الآية السابقة من الذين في قلوبهم زيغ، ولا تبلينا بالمصائب فتزيغ قلوبنا.

﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (9)

9 - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو يوم القيامة ونحن موقنون به لا نشك فيه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (10)

10 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بكل ما سبق من الآيات البينات ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ الكفار

202

سورة آل عمران (3): آية 11

سورة آل عمران (3): آية 12

يعتزّون بأموالهم وأولادهم دون غيرها فبيّن لهم تعالى أنها مهما كثرت لن تفيدهم شيئا وأنّ كفرهم سيكون سببا لوجود نار الآخرة لهم، مثلما الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به، ولا نبحث عن كيفية ذلك فهو من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (11)

11 - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ دأب الكفار في اجتهادهم وعادتهم في كفرهم وتكذيب الأنبياء والكتب المنزلة كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ولذا فإنّ عاقبتهم ستكون كعاقبة آل فرعون ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فقد مضت سنّته تعالى بأن يكون العقاب أثرا لازما للكفر والذنوب.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (12)

12 - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، والكفار هم مشركو قريش، والمعنى أخبرهم أيها النبي أنهم سيغلبون، فالآية إخبار بالغيب وقد غلبهم المؤمنون أوّلا يوم بدر، ثم كانت الغلبة النهائية عليهم يوم الفتح، وتنطبق الإشارة أيضا على اليهود فقد غلبهم المسلمون في المدينة وخيبر وأجلوهم عنها، ثمّ بعد ذلك بسنين قليلة تمّت هزيمة فارس وبيزنطة على يد المسلمين ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ﴾ سوف يتمّ الله وعده بهم في الآخرة فيحشرهم إلى جهنم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المهاد جهنم، وهي ما مهدوا لأنفسهم وأعدّوه بأعمالهم، والآية أيضا إخبار عن الغيب بشكل مطلق لأن الباطل لا يدوم، والمصير النهائي للكفار إلى الاضمحلال في الحياة الدنيا وجهنم في الآخرة.

203

سورة آل عمران (3): آية 13

سورة آل عمران (3): آية 14

﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (13)

13 - بعد أن ذكر تعالى أن الكفار سوف يغلبون في النتيجة، ضرب مثلا بأحداث بدر فقال عزّ من قائل: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ المعنى لا يغرنّكم كثرة المال والعدد ولا تحسبوا أنهما بذاتهما فقط سببا للنصر فقد كان نصر المسلمين في بدر آية، أي معجزة لأولي الأبصار بما اشتملت عليه من العبر، إذ خرج الكفّار متأهّبين للحرب متفوّقين بكثرة سلاحهم وخيلهم وعددهم وهم متمرّسون في الحرب والقتال وكانوا في حالة من الغرور والاستعلاء والاعتداد بالنفس، ومن جهة ثانية اتجه المسلمون إلى بدر وهم قلّة في العدد والسلاح والخيل ولكن في حالة من الانضباط والتواضع والدعاء والتقوى والتضرّع والذكر، ثمّ أحرز المؤمنون نصرا ساحقا على العدوّ المتفوّق، فكانت النتيجة معجزة بيّنة وصدمة مخزية وإذلالا لقريش بعد أن أتت بجبروتها وخيلائها فأصابتها الهزيمة الماحقة على أيدي مجموعة صغيرة من فلاّحي المدينة وقلّة من المستضعفين الهاربين من الاضطهاد في مكة ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ كان المشركون في بدر ثلاثة أضعاف المسلمين ولكنهم رأوا المسلمين بضعف عددهم الحقيقي ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تلك هي المعجزة الباهرة فالنصر يحصل بتأييد الله لعباده الموقنين وأنّ كثرة العدد والشوكة والسلاح بذاتها لا تكفي ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ الذين يتأملون في الأمور وأسبابها وعواقبها.

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (14)

14 - بعد أن وصف تعالى اغترار الكفار بأموالهم وأولادهم وأنها لن تغني عنهم شيئا وأنهم سيغلبون ويحشرون، ذكر السبب الذي من أجله يكفر بعض

204