بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 237 - 244

سورة آل عمران (3): آية 87

سورة آل عمران (3): آية 87

سورة آل عمران (3): آية 88

سورة آل عمران (3): آية 89

سورة آل عمران (3): آية 90

بني آدم حرية الخيار، انظر آية [الشعراء: 26/ 4]، ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ بعد إيمانهم بالرسل أنكروا بعثة محمد ﷺ مكابرة وعنادا، رغم أنّهم شهداء على ما ورد في كتبهم من البشارات بقدومه، وبعد أن ظهرت لهم الدلائل البيّنة على بعثته، انظر أيضا الآيات (70 و81) أعلاه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لا يجبرهم على الهداية، والظلم بمعنى العدول عن الطريق الصحيح، وقد مضت سنته تعالى بأنّ الظالم لنفسه لا يهتدي إلى الحقيقة.

﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (87)

87 - ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾ لعنة الله هي الإقصاء والبعد ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لعنة الملائكة والناس هي دعاؤهم على الكافرين، والمقصود بالناس المؤمنون منهم في الحياة الدنيا، ثمّ في الآخرة يلعن الكفار بعضهم بعضا لقوله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف 7/ 38].

﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (88)

88 - ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ فما تكيّفت به نفوسهم الظالمة لا يفارقهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون، والإنظار والإمهال بالمعنى نفسه.

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (89)

89 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أصلحوا أي قاموا بصالح الأعمال، أو أصلحوا نفوسهم بالأعمال الصالحة، وقد عطف تعالى العمل الصالح على التوبة لأنّ التوبة لا قيمة لها إن لم يكن لها أثر في العمل.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (90)﴾.

237

سورة آل عمران (3): آية 91

سورة آل عمران (3): آية 92

90 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ كفروا ببعثة محمد ﷺ بعد أن آمنوا بمن قبله من الرسل ﴿ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا﴾ بمقاومة الحق، والإمعان في الكيد للمسلمين ومحاربتهم، والتشكيك بالإسلام، حتى تمكّن الكفر منهم لكثرة ما عملوا بمقتضاه ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عند الموت أو في الآخرة، بدليل الآية التالية ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ راسخون في الضلال.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (91)

91 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وماتوا على الكفر بلا توبة ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ المعنى لو كان قد تصدّق به في الدنيا فلن يقبل منه في الآخرة، لأنّ الكفر أحبط عمله ﴿وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ﴾ لا وسيلة للافتداء في الآخرة، أي لن تقبل معاذيرهم ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنهم تعمّدوا إنكار الحقّ.

﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (92)

92 - ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ البرّ هو الإيمان الصادق، ويقال برّ الرجل يمينه أي صدق بها، أنظر آية [المطففين: 83/ 22]، والخطاب استمرار لما قبله، فبعد أن أخبر تعالى أنّ إنفاق الكفار على أعمال الخير مهما بلغ في الدنيا لن يجديهم شيئا في الآخرة، فبالمقابل تخبر هذه الآية أن إنفاق المؤمنين مما يحبون هو الكفيل بنيلهم البر، فالإنفاق يصدّق الإيمان.

والإنفاق لا يقتصر على المال إذ يمكن أن يشمل بذل الجهد والطاقة والمركز والسمعة والنفوذ والتعليم وتكريس النفس للعمل في سبيل الله، والمعنى أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب فلا يكون صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة، انظر آية [البقرة 2/ 177].

238

سورة آل عمران (3): آية 93

﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم به.

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (93)

93 - وهنا تعود السورة للحديث عن بني إسرائيل موضوع الآيات (21 - 27) والآيات (64 - 83)، وإذ لم يجد أحبار اليهود مبررات جوهرية للطعن في بعثة محمد ﷺ من حيث جدارتها وسمّوها، فتوجّهوا للاعتراض على التفاصيل والشكليات، فقد زعموا أنّ النبي ﷺ قد حلّل أطعمة كانت محرّمة عندهم،

قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 6/ 145]، أي كل شيء عدا هذه الأصناف الأربعة فهو حلال.

وقد أجابهم تعالى على دعواهم تحريم ما لم يحرّمه الله بقوله جلّ ثناؤه: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ إسرائيل هو يعقوب ابن اسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، وما حرّمه إسرائيل على نفسه من الطعام قد يكون من قبيل الاجتهاد أو الذوق الشخصي أو لسبب مرضي، ويحتمل أنّ من بعده ألزموا أنفسهم بذلك فتكون النتيجة هي ما حرّمه بنو إسرائيل على أنفسهم بحكم العادات والتقليد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ لأنّ التوراة نزلت على موسى بعد زمن يعقوب بحوالي سبع مئة عام ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي هاتوا التوراة الأصلية التي نزلت على موسى، فليست العبرة بالكتب المشتملة على البدع ممّا كتبه أحباركم.

وقد ورد هذا الموضوع أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام:

6/ 146]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود

239

سورة آل عمران (3): آية 94

فرضه الأحبار لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: 9/ 31]، فاليهود كانوا يعتمدون أقوال الأحبار والرهبان من أحكام التحريم والتحليل ولو كان في أصل الكتاب ما يخالفها، حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، ولذا كانت عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ،﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه، بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناة إلى ذاته العليّة، أما قوله تعالى في سورة النساء ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: 4/ 160]، فالدليل من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد محاولتهم قتل المسيح عليه السلام، وقد جاء المسيح ليحلّ لهم بعض ما حرّموه على أنفسهم، قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام مخاطبا بني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 3/ 50]، وقد ذكر محمد أسد أيضا أن تحريم الطيبات عليهم ليس مقتصرا على الطعام وإنما هو كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل عيسى المسيح عليهما السلام، ثم تآمروا أيضا على قتل النبي ﷺ.

﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (94)

94 - ﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد نزول التوراة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ادّعى اليهود أنّ ما ابتكروه من تحريم بعض الأطعمة ليس إلاّ قانونا سماويا أزليا، ولكنه في حقيقته لم يكن سوى افتراء الكذب على الله، والمفترون عادة ينهمكون في الجزئيات وصغائر الأمور والتفاصيل والتفاهات والشكليات، إما ليصرفوا الناس عن دينهم، وإما لغايات شخصية في نفوسهم،

240

سورة آل عمران (3): آية 95

سورة آل عمران (3): آية 96

سورة آل عمران (3): آية 97

وإما عن جهل وضيق أفق ومحدودية تفكير، فأولئك هم الظالمون، لأنهم نسوا أو تناسوا روح الدين وجوهره ومقاصده الحقيقية.

﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (95)

95 - ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات وكذبتم ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ التي مال بها عن سبل الضلال وأقام على حقيقة الدين بلا شوائب ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلم يتخذ أربابا من دون الله يحلّلون ويحرّمون حسب أهوائهم.

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ (96)

96 - زعم اليهود أيضا بطلان انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، واتّخذوا ذلك حجّة لإنكار نبوة محمد ﷺ فقالوا ما باله قد حوّل القبلة إلى الكعبة؟ وهو يزعم أنّه جاء مصدّقا لما قبله من الرسل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ والمعروف أنّ بناء الكعبة في مكة على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام تمّ قبل بناء المسجد الأقصى الذي بناه سليمان في بيت المقدس بأكثر من ألف عام، فلا جدال في أقدمية الكعبة على بيت المقدس، والنقطة الثانية أن توجّه المسلمين نحو قبلتهم في الكعبة لا يمكن اعتباره خرقا لملّة ابراهيم عليه السلام، بل على العكس فهو استمرارية لها، وبما أن كتب اليهود والنصارى تقرّ ملّة إبراهيم فليس هنالك من معنى لاعتراضهم، انظر شرح آيات [البقرة 2/ 142 - 144]، أمّا لفظي بكّة ومكّة فهما مترادفان، وكانت العرب تلفظ حرفي الباء والميم أحدهما مكان الآخر.

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (97)

97 - ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومنها الكعبة المشرفة التي ترمز إلى التوحيد، وإلى استمرارية الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة باعتبارها أول بيت وضع للناس، كما

241

سورة آل عمران (3): آية 98

سورة آل عمران (3): آية 99

ترمز إلى الأخوّة بين المؤمنين باعتبارهم يتجهون إليها جميعا في الصلاة أينما كانوا ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ ومن ضمنها أيضا مقام إبراهيم أي مكان قيامه للصلاة والعبادة، وقيل الحرم بكامله مقام إبراهيم ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وهذا أيضا من جملة الدلائل، فالأمن فيه معنوي ومادّي، من يدخله يشعر بالطمأنينة والسكينة، كما أنّ منطقة الحرم وما حولها تمتعت بالأمن حتى في أيام الجاهلية وفي الوقت الذي كانت فيه باقي الجزيرة العربية تعاني من الفوضى والاضطراب والاقتتال بين القبائل، وكان الفرد في الجاهلية يرى خصمه اللدود في الحرم فيتركه بسلام، كما كانت الجزيرة العربية بأكملها تتمتع بالأمن سنويا خلال أربعة شهور حرم لا يجرؤ أحد على خرقها، ومن الدلائل التي شهدها العرب أيضا هزيمة أبرهة الأشرم عام الفيل حين جاء ليهدم الكعبة فانقلب مهزوما دون قتال ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهذا دليل آخر في معرض تعظيم البيت ورد بصيغة الفرض، فالعرب ما زالوا يحجّون إليه من زمن إبراهيم عليه السلام فذلك دليل متواتر على نسبة البيت إليه، وهو ردّ على اليهود، وبرهان أن النبي على ملّة إبراهيم ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ من كفر بأن هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة، رغم كل هذه الدلائل، ولم يذعن لما فرضه تعالى من الحج، فعاقبة الكفر تعود عليه، لأنّ الله تعالى غنيّ عن عباده.

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ (98)

98 - بعد أن أزال تعالى شبهات أهل الكتاب فيما ادّعوه من حرمة بعض الأطعمة، واتجاه القبلة، خاطبهم بقوله ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ مع علمكم بأنّها صحيحة ﴿وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ فكيف تجرؤون على ذلك؟

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (99)﴾.

242

سورة آل عمران (3): آية 100

سورة آل عمران (3): آية 101

99 - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ﴾ كانوا وما زالوا يحاولون صدّ ضعاف العقول عن الإسلام بشتى الافتراءات، والبعثات التنصيرية التي يبثونها اليوم في بلاد المسلمين في آسية وإفريقية خير شاهد على ذلك ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يريدون ادخال الشبهات على الإسلام بمحاولة اظهاره معوجّا عن الحق ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ على صحة ما أوتيه النبي ﷺ وبشهادة كتبكم، انظر شرح الآية (81) ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ (100)

100 - بعد أن عاب تعالى على أهل الكتاب كفرهم بآياته، بل سعيهم في حثّ الآخرين على الكفر بالصدّ عن الإسلام، انتقل تعالى إلى مخاطبة المؤمنين:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ المصرّون على الكفر والعدوان من اليهود والمسيحية يريدون بكم السوء، فإن استجبتم لهم وأطعتموهم باتباع أهوائهم وأهوائكم، أوقعوا بينكم الفتنة والعداوة والاقتتال، فتصبحوا بذلك كافرين.

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (101)

101 - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ بأن تطيعوهم ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ عندكم القرآن فيه هدايتكم ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ وعندكم سنّة رسول الله ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ بكتاب الله، والاعتصام بالشيء هو التمسّك به لمنع الوقوع في مصيبة، والمقصود حث المسلمين على الوحدة والتمسك بهدي القرآن بعد تحذيرهم في الآية السابقة من طاعة أهل الكتاب ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى الطريق الصحيح، وقد استخدم الفعل الماضي في جواب الشرط لتأكيد تحقق الهدى لمن يعتصم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

243

سورة آل عمران (3): آية 102

سورة آل عمران (3): آية 103

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (102)

102 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بتنفيذ ما ورد في الآيتين (100 - 101)، قال الزمخشري: إنّ المعنى بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:

64/ 16]، غير أنّ بعضهم حمل معنى الآية على التوحيد، لأنه الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، فمن لا يؤمن بوحدانية الله لا تقبل أعماله، والتوحيد عمل يستطيع كل مكلف القيام به على تمامه ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أقيموا على الإسلام وأعماله على الدوام ولا تضلوا عنه حتى إذا أتاكم الموت بغتة كنتم عليه، فإذا عاش المرء على التقوى واليقين مات عليهما.

﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (103)

103 - ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ روى الدارمي عن النبي ﷺ أنه قال:

«اعتصموا بحبل الله فإنّ حبل الله القرآن»، وهو تشبيه لحالة المسلمين إذا تعاضدوا وتكاتفوا على التمسك بهدي القرآن وحده دون غيره ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ لا تتفرقوا باتباع المذاهب والعقائد الوضعية، ولا تتفرقوا بإحداث الشيع والفرق الدينية ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا﴾ الإشارة إلى ما كان عليه العرب في الجاهلية من العداوة والحروب وسفك الدماء فيما بينهم فأصبحوا بنعمة الإسلام إخوانا، كما هي إشارة إلى عداوة الناس بعضهم لبعض بقوله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:

2/ 36]. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ كناية عن العذاب الحتمي الذي ينتج عن الجهل الروحاني ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ كنتم في جاهليتكم ووثنيتكم وشرككم بالله تعالى على حافة الهلاك من جحيم الاقتتال فيما بينكم، وبعد

244