بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 245 - 252

سورة آل عمران (3): آية 104

سورة آل عمران (3): آية 104

ذلك تلقون عذاب الآخرة ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ المطلوب أن تفكّروا في المعجزة القرآنية كيف أنقذكم بها تعالى من العصبية الجاهلية والبغضاء والحروب الأهلية والموت على الجهالة وعذاب الدنيا والآخرة فلعلكم تتمسكون بنعمة الإسلام وتهتدون إلى طريق النجاة.

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (104)

104 - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة تكون أهلا لذلك ﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ عمل ﴿الْخَيْرِ﴾ وهو كل ما فيه صلاح للناس دينيا ودنيويا، والخير أيضا بمعناه العام هو الإسلام، ودعوة الغير إلى الإسلام والتبشير به في كافة أنحاء الأرض مطلوبة من كل مسلم، ويرى البعض أن كلمة ﴿مِنْكُمْ﴾ تعني بعض المسلمين فقط وهم العلماء والمتفقهين في الدين، وبذلك تكون الدعوة فرض كفاية، غير أنه يفترض أن يكون كل مسلم عالما بأمور دينه وبالقرآن والسنة، ولا يعتبر جهل المسلم عذرا، لأن عليه أن يتدارك جهله بالعلم، وإن لم يصل إلى درجة العلماء والمتفقهين في الدين، إلا أن يكون من العوام، وفي جميع الأحوال لا يصحّ أن يتصدى للدعوة إلا من كان أهلا لها ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وذلك بحكم كون المسلمين أمة وسطا وشهداء على الناس [البقرة: 2/ 143] فهم قدوة حسنة للآخرين، كما هم قدوة بعضهم لبعض في سلوكهم ومعاملاتهم، فالمطلوب من الأمة أن تكون قدوة حسنة للناس أجمعين في أعمالها وسلوكها فتحقق العقيدة الإسلامية قولا وعملا بممارسات حياتية فعلية تكون في ذاتها دعوة عملية للناس إلى الإسلام، وتكون حياة المسلمين شهادة فعلية لبيان الصواب من الخطأ، وليس بالمجابهة، ولا بالكلام فقط ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم ينجحون في الدنيا والآخرة، وإذا تخلّوا عن ذلك كانت الأمة من الخاسرين في الدنيا قبل الآخرة.

245

سورة آل عمران (3): آية 105

سورة آل عمران (3): آية 106

أما قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 5/ 105]، فمعناه لا يكن قصارى همّكم تقصّي عيوب الآخرين، بل انظروا في إصلاح أنفسكم أوّلا، وأيضا لا يضرّكم ضلال الآخرين بعد أن قمتم بواجبكم بدعوتهم إلى الإسلام، لأن الحساب على الله.

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (105)

105 - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ نور ﴿الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ الإشارة لليهود والنصارى لكونهم ابتعدوا عن أصل الوحي وابتكروا في الدين من المذاهب والعقائد الوضعية ما لم يكن فيه، وأيضا الذين غاب عن تفكيرهم جوهر الدين وتفرقوا شيعا وفرقا دينية بسبب تعلقهم بالشكليات والأمور السطحية والمصالح الخاصة، والآية تحذير للمؤمنين ألاّ يكونوا مثلهم.

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (106)

106 - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: أولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وابيضاض الوجوه كناية عن السرور، واسوداد الوجوه كناية عن شدّة الحزن والغم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ يقال للذين اسودّت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ بعد أن فطركم الله على الإيمان، أو بعد أن جاءتكم الرسل بالآيات البيّنات وعرفتموها وآمنتم بها، فكيف كفرتم بعد ذلك بأن حرفتم الدين عن مقاصده الصحيحة؟ وارتددتم وتركتموه وراء ظهوركم، وذلك ينطبق على كفّار أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فكأنهم اختاروا العذاب لأنفسهم كونه نتيجة طبيعية لسوء اختيارهم في الحياة الدنيا.

246

سورة آل عمران (3): آية 107

سورة آل عمران (3): آية 108

سورة آل عمران (3): آية 109

سورة آل عمران (3): آية 110

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (107)

107 - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بما قدّموه من الإيمان والعمل الصالح ﴿فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.

﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ (108)

108 - ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ المشتملة على المواعظ والعبر والدالّة على الصراط المستقيم ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ متضمنة الحق، لبيان حقيقة الحياة والخلق والعواقب ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ الله تعالى قد بيّن الحقيقة لعباده فمن ضلّ عن الطريق الصحيح يكون ظالما لنفسه.

وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: 6/ 131] أي أنّه تعالى لا يهلك المجتمعات بظلم وضلال منها، ما لم تكن الرسالة السماوية قد وصلتها أوّلا، فعرفت بها الصواب من الخطأ.

﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (109)

109 - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى أنه تعالى قادر على منع الظلم والضلال في هذه الدنيا بالجبر والقهر ولكنه ترك لعباده أن يختاروا الهداية ويتركوا المعصية طواعية ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فهو المحيط بالحكمة من كل شيء، والمتصرف بشؤون خلقه وتدبيرهم، وإليه يرجعون فيحاسبهم على ما عملوا.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (110)

110 - ﴿كُنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أي خير أمة أخرجت لأجل الناس ومنفعتهم، لأنّ الإرادة الإلهية اقتضت أن يكون الإسلام خاتمة للأديان السابقة، وإكمالا لها دينا عالميا غير عنصري، لكل البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم بلا تحيّز، فلم يعد هنالك حاجة لبعث المزيد من

247

سورة آل عمران (3): آية 111

الأنبياء والرسل إلى البشر، ومن معجزات الوحي الإلهي أنه نزل عبر العرب رسالة صالحة لكافة الأمم الأخرى في كافة العصور، وعليه لا يكفي المسلم أن يتعلم ما فهمه أسلافنا المسلمون من القرآن والسنة في وقتهم، بل من الواجب تكييف هذا الفهم وتطويره بما يوافق متطلبات العصر الذي نعيشه حتى يمكن نقل الرسالة الإسلامية إلى الغير عبر سلوكنا الفعلي الظاهر وممارساتنا الحياتية العملية اليومية، ولكي يكون الإسلام تطبيقا ممكنا وليس نظرية في الكتب وكلاما، وأي شيء أقل من ذلك يعد تجاهلا بل إنكارا لعالمية الإسلام وإمكانية تطبيقه في كل الأوقات ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو مبرر الخيرية المذكورة آنفا، ولا يكون ذلك بمجرد الأمر والنهي باللسان، وإنما يقتضي أن يكون المسلمون قدوة حسنة لغيرهم حتى يكون أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر نابعا من ممارسة حياتية صحيحة وصادقة ومطابقا لها، وخلافا لذلك تكون النتيجة إنكارا لعالمية الوحي القرآني وابتعادا عنها ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ لا تشركون بعبادته أحدا ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ بمثل ما آمنتم به أي بدعوتكم لهم إلى المعروف ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأن الإسلام جاء لخير البشرية جمعاء ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ القلّة منهم تحكّم العقل والتفكير الموضوعي فتدخل الإسلام، قال تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: 4/ 162]، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الأكثرية منهم فسقوا عن حقيقة دينهم ولم يبق عندهم من الدين سوى المراسم والتقليد، والتعصب للآباء والأجداد، وقد سيطر عليهم التحامل والهوى والغرور والاعتداد بالذات، وهيمنت عليهم المصالح الدنيوية والزعامات والمراكز.

﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (111)

111 - فالمصرّون على الفسق منهم لن يضرّوكم: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أي بكفرهم وتكذيبهم ﴿إِلاّ أَذىً﴾ أي أذى تسمعونه منهم كالطعن في الدين والذم

248

سورة آل عمران (3): آية 112

والقدح والافتراء والتهديد، وهو ما يسمعه المسلمون منهم حتى اليوم ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ وهذه بشارة بالغيب تحققت بهزيمة يهود قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر وغيرهم ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهي أيضا بشارة مطلقة بالغيب ومرتبطة بالآية السابقة، أي ما دمتم خير أمة أخرجت للناس، بحرصكم أن تكونوا قدوة مثلى للبشر في طريقة حياتكم ومعيشتكم حسب تعاليم القرآن، فإن قاتلوكم لا ينصرون ويكون النصر محققا لكم، وهو شبيه بقوله تعالى:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد: 47/ 7].

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (112)

112 - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ استمرار الخطاب عن الفاسقين من أهل الكتاب، والإشارة خاصة إلى بني إسرائيل بدليل ما سيأتي من قتلهم الأنبياء ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أينما وجدوا ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بعهد من الله وهو أن يكونوا مؤمنين بالله رب العالمين مع التخلّي عن عنصريتهم وتعصبهم واعتقادهم أنهم فوق البشر، وأنّهم ما زالوا الشعب المختار مع أن هذه الصفة الأخيرة زالت عنهم بعد أن كفروا بآخر أنبيائهم عيسى عليه السلام ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ يلاحظ أنه في كل العصور والبلدان التي عاش فيها اليهود بسلام وأمان، رغم عنصريتهم، كان ذلك ناتجا عن تسامح وحسن نية الشعوب التي استضافتهم وليس لقوة ذاتية فيهم، وقد عاشوا بأمان في كنف الدولة الإسلامية على مر العهود الأموية والعباسية والعثمانية وفي الأندلس وغيرها، وفي كنف غير المسلمين أحيانا، وإن كانت نشأت لهم دولة مستقلة مؤخرا فبقوّة غيرهم من الأمم التي تدعمهم وليس بقوتهم الذاتية ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ المسكنة هي السكون الناتج عن الضعف والحاجة، وهو ما

249

سورة آل عمران (3): آية 113

سورة آل عمران (3): آية 114

سورة آل عمران (3): آية 115

يتظاهر به اليهود دوما استدرارا لعطف الأمم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي ذلك الذي تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم سببه كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء انظر شرح الآية (21) من هذه السورة، والآية (61) من سورة البقرة ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تجرّؤوا على الكفر وقتل الأنبياء بسبب إصرارهم على المعاصي وتعديهم على حدود الشرع، حتى صار ذلك خلقا لهم وطبعا يتوارثونه.

﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (113)

113 - ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ليس أهل الكتاب متساوين فيما ذكرته الآية عنهم من الأوصاف والأعمال القبيحة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ منهم جماعة ثابتة على التمسك بحقيقة الدين، ولذلك دخلوا الإسلام ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدعون ربّهم ويقرّون بوحدانيته،

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (114)

114 - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم الجماعة المشار إليها بالآية السابقة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالتوحيد ونبوّة محمد ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي عن الشرك، وهم ذوو التفكير الموضوعي والعقول النيّرة، بعيدون عن التعصب الأعمى ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ يبادرون إلى أعمال الخير قبل فوات الأوان ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.

﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (115)

115 - ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مما هو مذكور أعلاه ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ لن يحرموا ثوابه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فيثيبهم بحسب أعمالهم.

250

سورة آل عمران (3): آية 116

سورة آل عمران (3): آية 117

سورة آل عمران (3): آية 118

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (116)

116 - بعد أن ذكر تعالى الصالحين من أهل الكتاب وأنهم لن يحرموا ثواب ما يعملون من خيرات أتبعه في هذه الآية بذكر عاقبة المصرّين منهم على الكفر فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ لن تفيدهم شيئا ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأن طبيعة نفوسهم اقتضت أن يكونوا بهذه المنزلة.

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (117)

117 - ﴿ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الصرّ هو الصقيع، والحرث هو الزرع، وقد ضرب تعالى مثلا بالريح ذات الصقيع التي تهلك الزرع - والمعروف أن هبوب الريح في الأوقات الباردة يسبب المزيد من الصقيع -، فالريح هي المال الذي يبذّره الكافرون على الدنيا وعلى الجاه والضلال، والصقيع بمثابة الكفر الذي يهلك العقل والفكر السليم، أي إن الغنى وتكاثر الأموال والأنفس أصاب عقولهم بالثمالة، فكما أن الريح مع الصقيع تهلك الزرع فكذلك الإنفاق مع الكفر يهلك العقل السليم والفكر الصحيح، لأنه يصرف العقول عن الحقيقة وعن التفكر في عواقب الأمور ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأن كثرة الأموال والنسل لم تفد الكفار شيئا سوى الضلال وفساد العقل، وقد ظلموا أنفسهم باختيار الكفر.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)﴾.

251

سورة آل عمران (3): آية 119

118 - بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أن بذخ الكفار ذهب بمقدرتهم على التفكير السليم، حذّر المؤمنين أن يتّخذوهم بطانة لهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بطانة المرء هم الذين يخصّهم بمزيد من التقريب ويشاورهم في خصوصياته فيعرفون بواطن أموره ويدخلون فيها وشبّهوا ببطانة الثوب لقربها من البدن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من الذين عرفتم فيهم الكراهية والغش للإسلام والمسلمين مما هو ظاهر من أفعالهم وأقوالهم، بدليل تتمة الآية ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا﴾ الخبال هو الفساد، والمعنى لا يقصّرون ولا يدعون أي جهد في إفسادكم ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة وشدة الضرر وهو ما يودّونه للمسلمين ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ يصرّحون ببغضكم علنا، أو يظهر ذلك في كلامهم ضمنيا ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ما تخفي صدورهم من بغضكم أكبر مما يبدونه بأقوالهم ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ بيّنا لكم العلامات، ومن يصحّ أن يتخذ بطانة ومن لا يصح ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم مدركين لمصالحكم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (28) والآية (100).

غير أن هذه الآية لا تقتضي منع مصاحبة الكفار إطلاقا لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 60/ 8 - 9]، ولو قيل كيف الجمع بينهما؟ فالجواب أن الخاص مقدّم على العام، أي إن الحالة الخاصة مقدّمة على المبدأ العام.

﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (119)

119 - ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ وهو دليل على أثر الإسلام في نفوس المسلمين لأن الإسلام دين رحمة وتساهل وتسامح ﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بل

252