بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 343 - 350

سورة النساء (4): آية 55

سورة النساء (4): آية 55

سورة النساء (4): آية 56

سورة النساء (4): آية 57

﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 2/ 105]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 3/ 73 - 74]،

وفي الآية اشارة واضحة إلى حسد اليهودية والمسيحية للمسلمين بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ، ولاعتقادهم باقتصار الوحي على أنبيائهم فقط ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي قد سبق أن آتينا النبوة لإبراهيم وذريته من بني إسرائيل، فكيف يستغربون أن تصير النبوة لذريته من سلالة اسماعيل، انظر شرح آية [البقرة: 2/ 122].

وفي تفسير المنار أنه بعد انتقال النبوة لذرية إبراهيم من إسماعيل، والعرب منهم، فتكون الآية مبشّرة لهم بالملك الذي تبع نبوة النبي ﷺ.

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (55)

55 - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ من اليهود من آمن برسالة إبراهيم ورسالات ذريته من إسحاق وإسماعيل ومنهم من عصى ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ للعصاة منهم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (56)

56 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بعد أن بلغتهم وصارت واضحة لهم ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ كناية عن العذاب المقيم لمن أدرك الآيات وكفر بها ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل الكفر والمعاصي سببا للعذاب، وجعل سنته في ربط الأسباب بالمسببات مطردة فهو عزيز غالب على أمره.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا (57)﴾.

343

سورة النساء (4): آية 58

57 - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل العمل الصالح لازما للإيمان وسببا في تزكية النفس وإعدادها للنعيم المقيم ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ كلمة أزواج في اللغة تنطبق على الزوجين الذكر والأنثى، فهي تعني الزوج أو الزوجة، فالرجل هو زوج المرأة كما أن المرأة هي زوج الرجل، وأزواج مطهّرة أي طاهرة النفس والسريرة، انظر آية [البقرة: 2/ 25]، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا﴾ لأن الظل عند العرب كان من أعظم أسباب الراحة فصار كناية عنها، والظليل كناية عن المبالغة العظيمة بها، والسعادة الغامرة.

﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (58)

58 - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ اتصال الآية بما قبلها أن اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ويؤمنون بالجبت والطاغوت، الآية (51)﴾، يزعمون في كتبهم أن غش غير اليهود جائز، وقد قال تعالى عنهم:

﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 3/ 75]، والأمانة قد تكون مادية حسية وقد تكون معنوية، والأمانات هنا تتضمن معنى الرسالات السماوية والتي ينبغي على من نزلت إليهم أن يؤدوها إلى أهلها أي يبلغوها للناس في كل العصور والأمكنة.

إذ بعد أن شرح تعالى عن أهل الكتاب أنهم يشترون الضلالة ويريدون إضلال المؤمنين، وأنهم يفترون على الله الكذب، وأنهم قالوا عن الكفار إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، أي الواجب أن تبلغوا حقائق الوحي إلى الناس ولا تكتموها، ومن باب أولى فإن هذا الأمر ينطبق على المسلمين بعد أن نزل القرآن عليهم فمن واجبهم نشر الرسالة الإسلامية، ولا يمنع انطباق المعنى أيضا على الأمانات المادية وعلى

344

سورة النساء (4): آية 59

الوعود والعهود والمسؤوليات المعنوية الشخصية والعامة بما فيها مسؤولية أولي الأمر من المسلمين كونهم مؤتمنين على أمور رعيتهم كما سيرد في تتمة الآية:

﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والحكم ليس بمعنى الحكومة الإسلامية فقط أو بالمعنى القضائي المجرد، بل هو أيضا بمضمونه العام شاملا حكم الفرد على الآخرين وتقييمه لأعمالهم ودوافعهم وسلوكهم ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو ما تقدم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فلا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ونياتكم.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (59)

59 - بعد أن ذكرت الآيات المتقدمة سلوك الكفار من اليهود وسوء مآلهم، تبين هذه الآية للمؤمنين ما يجب عليهم اتباعه لتجنب ذلك المآل، وقد قال الرازي أن هذه الآية مشتملة على أكثر أصول الفقه لأنهم قالوا إن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والآية قررت هذه الأصول الأربعة بالترتيب:

فالكتاب يشير إليه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي الكتاب ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي السنة.

والإجماع يشير إليه قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي أهل الحل والعقد من الأمة بإجماعهم على أمر من الأمور مما ليس في الكتاب والسنة، وهؤلاء غير الأمراء والحكّام لأن أمر المؤمنين بالطاعة جاء في الآية غير مشروط، ممّا يدل أن الطاعة العمياء للأمراء والسلاطين محرّمة، لأنهم قد يأمرون بالظلم، فتكون طاعتهم واجبة فقط إذا اتبعوا الكتاب والسنة، ويحتمل أيضا أن يكون المقصود بأولي الأمر الذين تم اختيارهم بالشورى لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾

345

سورة النساء (4): آية 60

[الشورى 42/ 38]، وقيل إن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء معا أي مجتمعين، والأمر أمانة في أعناقهم، وهو تعلق الآية بما قبلها.

أما القياس فيشير إليه قوله: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إن اختلفتم في شيء لا نصّ فيه، أي حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردّوه إلى ما يشبهه في الكتاب والسنة، وهذا القياس هو ما يتعلق فقط بأحكام المعاملات القضائية والسياسية والإدارية، ولا علاقة له بأمور العبادات والحلال والحرام، إذ لا يجوز إضافة عبادة بالقياس أو تحريم شيء لا يدل النص على تحريمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا حقيقيا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ التأويل هو المآل أي ما تؤول إليه الأمور، فيكون المعنى أن اتباع هذا الأمر هو خير للمؤمنين وأحسن عاقبة لهم.

وقد رأى الزمخشري أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ موجه إلى الحكام والمحكومين بأن يرجعوا إلى الكتاب والسنة فيما يختلفون فيه.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (60)

60 - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ السؤال تعجبي موجّه للنبي ﷺ ومن ثمّ إلى أمّته من بعده، والمشار إليهم هم المنافقون بدليل المذكور في الآية التالية ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الطاغوت ما يؤدي إلى الطغيان، والمعنى أنهم يريدون الخضوع لأهوائهم أو أهواء زعمائهم لأغراض دنيوية بحتة، على النقيض ممّا تأمر به الآية المتقدّمة ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ باتباع الأحكام الوضعية.

346

سورة النساء (4): آية 61

سورة النساء (4): آية 62

سورة النساء (4): آية 63

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (61)

61 - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي احتكموا في أسلوب حياتكم إلى الكتاب والسنة ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يصدّون عن الطريقة الإسلامية لأن المنافقين يكتفون من الإسلام بالاسم فقط دون العمل به، والأمر ليس مقتصرا على منافقي المدينة المنورة زمن البعثة النبوية، وإنما يشمل المنافقين في كل العصور، لأنّ من لا يملك القناعة التامة والإيمان الكامل بالوحي وبعالم الغيب، أي بوجود حقيقة تخرج عن نطاق الإدراك المادي فإنه يحاول تبرير مواقفه الدنيوية - الطاغوتية - بإلصاق قيمة أخلاقية أو مبرر أخلاقي أو «موضوعي» لكل ما يميل إليه الهوى.

﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (62)

62 - ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كيف يكون حالهم إذا نزلت فيهم المصائب؟ وهي النتيجة الطبيعية لمن يفضّل حكم الطاغوت على حكم القرآن والسنّة، فيكون نزول المصائب بهم بنتيجة كسب أيديهم بحسب سنته تعالى في الأسباب والمسببات ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يدّعون أن هدفهم التوفيق بين القرآن وبين نظرتهم الدنيوية المادية للحياة.

ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: 2/ 11].

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (63)

63 - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الله وحده مطّلع على ما في قلوبهم من الكيد للإسلام أو الإعراض عنه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إن كانوا مصرّين

347

سورة النساء (4): آية 64

سورة النساء (4): آية 65

سورة النساء (4): آية 66

على الكفر، لأن ما على الرسول إلا البلاغ، انظر الآية (80)، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ إن كانت الموعظة تفيدهم ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قولا لعله يبلغ نفوسهم ويؤثر بها.

﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ (64)

64 - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ المعنى أن الغرض من إرسال الرسل هو أن يلتزم البشر بالشرائع التي نزلت عليهم وليس مجرد الاتباع الظاهري للدين، ثم ابتداع واتباع القوانين الوضعية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ أيها النبي تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الرسول إشارة لجميع الرسل كما في قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ،﴾ ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أي يقبل توبتهم ويرحمهم.

﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (65)

65 - ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الكلام عن جملة المكلّفين والمنافقين ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما بينهم من الخلاف ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ أي لا تضيق صدورهم بقضاء الرسول، بل يحصل عندهم القبول والرضا التامّين ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وينقادوا مستسلمين مذعنين لحكمه بلا نزاع، والمغزى أن اتباع السنة النبوية - الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك - واجب على كل مسلم وعلى مر العصور بلا جدال، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 33/ 56] أي استسلموا لحكم النبي وسنّته الصحيحة مذعنين بلا جدال.

﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66)﴾.

348

سورة النساء (4): آية 67

سورة النساء (4): آية 68

سورة النساء (4): آية 69

66 - ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي كونوا على استعداد للتضحية بأنفسكم في سبيل الله، ولا يقتصر ذلك على القتال وإنما يتجاوزه إلى تكريس النفس لخدمة الدين بالدعوة وبشتى الوسائل، وقد يكون معنى قتل النفس قتل النوازع الشريرة بها ﴿أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ﴾ هاجروا من دياركم في سبيل الله ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو دليل على ضعف جملة المكلّفين من الناس، لأنّ القلّة منهم فقط على استعداد للتضحية بالنفس والديار، ويحتمل أن الكلام في المنافقين فقط، أو المترددين الذين يكتفون من الإسلام بالاسم، ويجبنون ويبخلون عن تقديم التضحيات ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في مصالحهم الدنيوية ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لهم في إيمانهم ودينهم.

﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (67)

67 - ﴿وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ كما في الحديث: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (68)

68 - ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بإنقاذهم من قلق التردد والخوف على الدنيا وانشغال الذهن بالتوافه.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ (69)

69 - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي الكتاب والسنة كما هو مذكور بالآيات (59) و(65)﴾ ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ الصدّيقين الذين يغلب عليهم الصدق وسلامة الفطرة والسريرة والتمييز بين الحق والباطل، والشهداء بهذا المعنى هم غير المقتولين في سبيل الله، بل الذين يشهدون على صحة الدين بالحجة

349

سورة النساء (4): آية 70

سورة النساء (4): آية 71

سورة النساء (4): آية 72

والبرهان، وبالقدوة الحسنة بالعدل والإنصاف والقول والعمل والسيرة والأخلاق، كقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: 2/ 143].

﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ أي إن رفقة هذه الأصناف من الناس هي مما يطمح إليه العاقل.

﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ (70)

70 - ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ ذلك الجزاء المذكور للأبرار هو الفضل الأسمى الذي لا يقارن معه فضل آخر ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ بالنوايا والسرائر فيجازي بها.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (71)

71 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بأن تكونوا دوما على استعداد للدفاع عن دار الإسلام وبالتحضير لذلك سلفا، وهذه النقطة تتبع بالضرورة من نشوء الدولة الإسلامية المشار لها بالآية (59)، لأنه عندما ينظّم المسلمون أنفسهم في كيان سياسي اجتماعي وفق الأسس القرآنية فيلزم بالضرورة أن يتوقعوا عداوة الأمم والجماعات المعادية للنظرة الإسلامية كسلوك حياتي ونظام اجتماعي عالمي وهذه بالتالي سوف تحاول تدمير الكيان الإسلامي أو إجهاضه، وهكذا فإن مفهوم الجهاد في الإسلام - وهو تعبير عن الحرب الدفاعية المحضة - يلعب دورا أساسيا في المخطط الإسلامي الاجتماعي السياسي ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ ثبات مفردها ثبة وهي الجماعة فيكون المعنى انفروا جماعات وسرايا على قدر الحاجة ﴿أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي نفيرا عاما إذا دخل العدو أرضكم.

﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ (72)

72 - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس والجبناء يبطئون أو يتخلفون عن الجهاد ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ﴾

350