بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 351 - 358

سورة النساء (4): آية 73

سورة النساء (4): آية 73

سورة النساء (4): آية 74

سورة النساء (4): آية 75

﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يكون شكره لله على عدم شهوده الحرب دليلا على ضعف إيمانه.

﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (73)

73 - ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ وهو النصر والغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ لأن المنافقين يفرحون وقت نكبة المسلمين، ويحزنون عند فوزهم، فليس بينهم وبين المؤمنين مودة ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بالغنيمة، فهم يندمون على فوات الغنيمة التي يعتبرونها فوزا عظيما، غير فرحين بالنصر الذي أحرزه إخوانهم.

﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (74)

74 - ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ دفاعا عن الإسلام ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي الذين يبيعون الحياة الدنيا مقابل الآخرة، لأن شرى يشري بمعنى باع يبيع، كما في قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 12/ 20] أي باعوه، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [البقرة: 2/ 207] أي يبيعها، وأما اشترى يشتري فهي بمعنى ابتاع يبتاع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 9/ 111]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: 31/ 6].

﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأن قتاله كان في سبيل الله، وليس لأجل الحظوظ الدنيوية أو الحميّة العصبية.

﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)﴾.

351

سورة النساء (4): آية 76

75 - ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ أي لأي سبب أو عذر - غير دنيوي - تتركون القتال في سبيل الله وقد بلغ حال المستضعفين من إخوانكم، الواقعين تحت ظلم الكفار، ما بلغ من الضعف وتحمل الاضطهاد، والمعنى لا عذر لكم، والمغزى أيضا أن الهدف من قتالكم هو لضمان حرية العقيدة الدينية للمستضعفين من الناس ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ التي يظلمنا أهلها ﴿وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي كن أنت لنا وليّا ونصيرا، ويحتمل الدعاء أيضا أن يجعل تعالى عليهم رجلا من المؤمنين يواليهم وينصرهم ويحفظ عليهم دينهم.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ (76)

76 - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وهو تعالى مصدر قوتهم بعد أن يتخذوا أهبتهم حسب السنن الدنيوية التي سخرها لهم فيوفقهم للنصر كونهم أصحاب حق ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الطاغوت من المبالغة في الطغيان، فهم يمنعون حرية الدين ويقاتلون أصحاب الحق، وذلك مصدر ضعفهم مهما كانت قوتهم المادية، ولا يمنع ذلك أن تكون أحيانا بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه ممّن يدّعون اتّباعه، فتكون الغلبة لمن يكون أقرب إلى هداية القرآن بالفعل، على من يكون أبعد من الهداية القرآنية وإن انتسب إليها بالاسم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ بمعنى أن الشرور والمعصية ناتجة من كسب الإنسان وخياره الحر، فكيد الشيطان ليس له من وجود حقيقي سوى أن الإنسان قد يقع ضحية لسوء اختياره.

352

سورة النساء (4): آية 77

سورة النساء (4): آية 78

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (77)

77 - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن الاعتداء على الآخرين، وبعضكم عن بعض، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وكما يفعلون في كل زمن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وتحلّوا بالأخلاق الإسلامية من الرحمة والعطف ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ لسبب مشروع وهو القتال الدفاعي في سبيل الله كما هو مذكور في الآية السابقة ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس ممّن غلب عليهم حبّ الدنيا يخافون قتال العدو أكثر من خوفهم من الله ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقولون ذلك على سبيل التمني وبغرض التسويف والتهرب من القتال ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ لأنه مهما كان كثيرا فسرعان ما يحين الأجل ويترك المرء متاع الدنيا خلفه ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ من متاع الدنيا ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ وفي الحديث الشريف «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ فلا ينقص من آجالكم أدنى مقدار، ولا ينقص من أجوركم شيئا مهما قلّ.

﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (78)

78 - ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ الخطاب للمتثاقلين عن القتال المذكورين في الآية السابقة، والمغزى لا مفر من الموت وأسباب الموت في أي مكان ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يقولون: إنه تعالى أكرمهم بها لجدارتهم بها، ظنّا منهم أنهم يستحقونها ﴿وَإِنْ﴾

353

سورة النساء (4): آية 79

سورة النساء (4): آية 80

﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يلقون اللوم على غيرهم لما يصيبهم من السيئات والشرور، ولا يلومون أنفسهم، مع أنهم مخيّرون في اتخاذ القرارات التي تؤدي بهم إلى الخير أو الشر ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ لأن حدوث الحسنات والسيئات يتم وفق سننه تعالى في الخلق وفق نظام الأسباب والمسببات، ولحرية الخيار التي كرّم بها تعالى بني آدم، كما هو موضح في الآية التالية ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فكيف أنهم لا يفهمون سننه تعالى في خلقه؟

﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (79)

79 - ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أيها الإنسان ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ لأن الخير كله بيده تعالى فينعم به، وفق سننه الكونية، على من يشاء من عباده، المؤمن منهم والكافر، والمستحق ومن لا يستحق، ومن يتّبع سبل الخير يصل إليها ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ لأن الإنسان مخيّر في اتباع الطرق التي تؤدي به إلى الخير أو الشر فيكون ما أصابه من السيئة لعدم فهمه، وعدم اتباعه السنن التي أوجدها تعالى في الخلق ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ أي أرسلناك أيها النبي محمّد إلى الناس كافة، وليس للعرب فقط، لتبين للجميع طريق الخير والحسنات، وليختاروا ما هو في صالحهم إن شاؤوا، وما على الرسول إلا البلاغ ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك.

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (80)

80 - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ أي من يطع الرسول فيما يبلّغه من الوحي عن ربّه، وما يبيّنه في ذلك، فقد أطاع الله، لقوله تعالى مخاطبا رسوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 16/ 44]، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (59 و64 و65 و69) ﴿وَمَنْ تَوَلّى فَما﴾

354

سورة النساء (4): آية 81

سورة النساء (4): آية 82

﴿أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي ليس من شأن الرسالة الإسلامية إكراه الناس عليها، وإنما يؤمن الإنسان باختياره بعد أن تبلغه الرسالة.

﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ (81)

81 - ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ وهم المنافقون أو ضعاف النفوس وضعاف الإيمان كانوا يقولون للنبي ﷺ: أمرك طاعة، وذلك غير مقتصر على معاصري النبي فقط، بل يشمل جميع المنافقين وضعاف النفوس في كل العصور من المسلمين بالاسم فقط، ممّن يدّعون طاعة القرآن والسنّة ثم يبطنون غير ما يظهرون ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا من عندك أيها النبيّ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي بيّتوا في نفوسهم أمورا غير ما ادّعوه من طاعتك - وحذفت تاء التأنيث من «بيّت» لتخفيف التقاء التائين مع الطاء - ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ في صحائف أعمالهم فحسابهم على الله، ويبيّن لك أيها الرسول سوء نواياهم بمثل هذه الآيات ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها النبي، فلا يجوز قتالهم لأنهم يظهرون الإسلام، وإن كانوا يبطنون الكفر ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ فوّض أمرك إليه تعالى فهو محيط بظاهر أعمالهم وباطنها، وهو ناصرك عليهم.

﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (82)

82 - ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي كيف لا ينظرون في القرآن ويتفكروا فيه ويفهموه، والخطاب يشير إلى المنافقين وضعاف الإيمان المذكورين في الآيات السابقة، ومع ذلك فالآية ذات مغزى عام لكل العصور كما هي جميع آيات القرآن الكريم، وهي تدلّ أن تدبّر القرآن فرض على جميع المسلمين كلّ بحسب طاقته، وبالتالي فإن إتقان لغة القرآن واجب على كل مسلم، ويترتّب على ذلك بطلان التقليد الأعمى ووجوب النظر والاستدلال، ولا يمنع ذلك أن يختص أولوا الأمر من المسلمين باستنباط الأحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة كما

355

سورة النساء (4): آية 83

سيرد في الآية التالية ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ لأن القرآن نزل منجّما خلال ثلاث وعشرين سنة، وهي فترة النبوة التي حفلت بالأحداث الجسيمة والمتغيرات الاجتماعية والتنظيمية والحروب، والمعروف أن ترتيب النزول الزمني هو غير ترتيب القرآن فقد كان النبي ﷺ، بوحي من جبريل عليه السلام، يأمر عند نزول كل آية بوضعها في مكانها المحدد من كل سورة، وهو لا يقرأ ما سبق أن كتب في الصحف وإنما يحفظه حفظا، ومن المحال على أي بشر مهما بلغ، إذا كان يأتي بالكلام من عند نفسه، أن يتذكّر تفاصيل ما قاله منذ سنوات ويرتب الكلام في أماكنه الصحيحة، كما أن الصحابة كانوا يحفظون الآيات في صدورهم والكتبة يكتبونها في الصحف فلم يكن هنالك مجال للتنقيح والتغيير والتحرير لو افترض، ومع ذلك نرى القرآن خاليا من التناقض بل في غاية الإعجاز والتماسك والترابط ممّا هو كاف لإقناع المشكّكين، في كل الأزمنة، بأن القرآن لم يكن من تأليف النبي كما يدّعون أو يميلون إلى الاعتقاد، فلا بد إذن أنه كان من مصدر فوق طاقة البشر، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 25/ 32] أي ورتّبناه ترتيبا محكما.

﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ (83)

83 - الخطاب متعلق بالآية (59) لوجوب طاعة القرآن والسنة وأولي الأمر، وبالآية (71)﴾ وما تلاها من الآيات بخصوص الجهاد:

﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ أي إذا وصل إلى علمهم شيء من خطط المسلمين السرّية تجاه عدوّهم أذاعوه فيبلغ الخبر العدو فيعود

356

سورة النساء (4): آية 84

ضرره عليهم، أو إذا سمعوا إشاعات من العدو أو من المنافقين نشروها فيعود الضرر على المسلمين أيضا، والكلام عن المنافقين وجمهرة من المسلمين قليلي الخبرة يذيعون ما يسمعون ويجهلون عواقب عملهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستنبطونه أي يستخرجونه، والمعنى أنهم لو كتموا ما يسمعون من أخبار وإشاعات وأخبروا بها الرسول أو المسؤولين عنهم لكان الأحرى أن يستنبط الرسول أو المسؤولون طريقة التعامل الصحيحة مع هذه الأخبار.

ويحتمل المعنى أيضا أن يعود الضمير في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ إلى الأعداء ويعود الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ إلى الرسول وأولي الأمر، فيكون المعنى أنه إذا حصل الكتمان من قبل الجمهور وردّت الأخبار إلى الرسول وأولي الأمر فقط، فإنّ الذين يتسقّطون الأخبار ويتجسّسون على المسلمين لن يكون في وسعهم استنباط شيء من المعلومات إلا ما يريد الرسول والمسؤولون إبداءه لمصلحة المسلمين ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وهديكم إلى طريق الصواب ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ بالبقاء على الضلال والكفر ﴿إِلاّ قَلِيلًا﴾ منكم يهتدون بالفطرة.

وقد يكون المعنى أنه لولا إنعام الله عليكم بالنصر المتتابع لحصل الشك عندكم واتبعتم الشيطان، إلا قليلا منكم من ذوي البصيرة النافذة والإيمان القوي الذين يعلمون أن حصول الدولة والسلطة في الدنيا ليس دليلا أن أصحابها على الحق، كما أن تواتر الهزيمة والانكسار ليس دليلا أن أصحابها على الباطل (ذكره الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني).

﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ (84)

84 - ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ الخطاب في الأصل للنبي ﷺ، ومن ثمّ لكل مسلم في كل وقت، والإشارة إلى حرب قائمة أو دفاعية،

357

سورة النساء (4): آية 85

سورة النساء (4): آية 86

وليست تحريضا على المبادرة بالحرب أو العدوان، وقد امتثل النبي ﷺ لأمره تعالى بالثبات وحده في وقعة أحد حين انهزم عنه الناس، وصمد وحده في وقعة حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم ثم انهزموا عنه، والمعنى أيضا دع المنافقين وشأنهم إن لم يقاتلوا معك وحرض المؤمنين فقط ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ما عليك سوى تحريضهم فحسب، لا تعنيفهم، كي يخرجوا للقتال بدافع الإيمان ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك بأن تستعدوا وتتهيؤوا لقتالهم ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ لأن سنّته تعالى سبقت بأن تكون العاقبة لأهل الحق، إذا اتقوا أسباب الخذلان، واتخذوا أسباب الدفاع مع الصبر والثبات، لا أن ينصرهم تعالى وهم قاعدون ومقصّرون.

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (85)

85 - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها﴾ الشفاعة من الشفع - وهي عكس الوتر أي الفرد - ومعناها أن ينضم المرء لصاحب الحاجة يريد مساعدته فيصير شفيعا له، وفي الآية السابقة حثّ تعالى نبيّه على القتال بمفرده إذا لزم، وفي هذه الآية أنّ من يشفع النبي أو غيره من المؤمنين بالقتال في سبيل الله يكن له نصيب من الأجر والثواب ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ والشفاعة السيئة هي أن يشفع المرء للكفار بإعانتهم على قتال أهل الحق فيكتسب بذلك نصيبه من الوزر والإثم - وهو الكفل -، ويحتمل المعنى أيضا الحالة العامة أي الشفاعة مع الآخرين على عمل الخير، وعكسها وهو إعانة الآخرين على الشر ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي حافظا أو شاهدا أو مقتدرا، و﴿كانَ﴾ معناها أنه تعالى كان على ذلك منذ الأزل، ولم يزل، ولا يزال.

﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)﴾.

358