بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 455 - 462

سورة المائدة (5): آية 58

سورة المائدة (5): آية 58

سورة المائدة (5): آية 59

57 - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ أعاد تعالى النهي عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء للمؤمنين، وعلّل هذا النهي بأن أهل الكتاب والكفار قد جعلوا من دين الإسلام هزوا ولعبا، فكيف يجوز التحالف معهم؟ وكيف يؤمن جانبهم؟ فإنهم إن تحالفوا مع طرف من المسلمين فهو للكيد للإسلام وأهله، وليس حبا بهم أو حرصا على صالحهم ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي من تقوى الله أن لا تتخذوا مجتمعات اليهود والنصارى والكفار أولياء لكم، ومن لا يتّق الله في ذلك، لا يكون مؤمنا، بل يكون كمن ارتدّ عن دينه (الآية 54).

﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (58)

58 - ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يسخرون من الأذان ومن الصلاة، ويحاولون إظهار الإسلام على غير حقيقته السامية، بقصد التأثير سلبا في ضعاف العقول، وهو ما يسمى في عصرنا الحاضر تسخير وسائل الإعلام لإضلال البشر ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي إن سبب سلوكهم ذلك، هو أن ملكة العقل لديهم أضلّتهم، بدلا من أن تدلّهم على الطريق الصحيح.

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (59)

59 - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ المعنى ما مبرر نقمتكم علينا يا أهل الكتاب؟ وما مبرر تآمركم علينا؟ وما مبرر محاولاتكم إظهار الإسلام على غير حقيقته؟ فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالقرآن، ونؤمن بالكتب السماوية التي نزلت قبله، والعقل يدلّ أنها جميعا من مصدر واحد هو الله تعالى، فكيف تنقمون منّا الإيمان بالله وحده الذي أنزل الكتب على عباده، فهذا أمر لا يستحق النقمة

455

سورة المائدة (5): آية 60

سورة المائدة (5): آية 61

وإنما يستحق التأييد والمديح، ولكن السبب ليس فقط قلّة إنصافكم، بل كون أكثركم فاسقين، أي خارجين عن أديانكم أصلا، اليهود عاندوا موسى وعصوه وعاندوا غيره من أنبيائهم وقتلوهم، وتلاعبوا بالتوراة، والنصارى أيضا تخلوا عن دين المسيح واتبعوا ديانة بولس، وأضاعوا الإنجيل، وكتبوا أسفارا من عندهم، فلا غرابة أن أكثرهم لا يؤمنون بالقرآن، انظر شرح الآيات (13، 14، 33، 43، 47، 48).

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (60)

60 - ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ الأدهى من نقمتكم علينا، التي ليس لها مبرر، هو الجزاء الذي سوف تلقونه من الله تعالى، فهو قد أبعدكم من رحمته، وغضب عليكم، وجعلكم بمثابة القردة في نزواتكم، وكالخنازير في اتباع غرائزكم وشهواتكم ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ وقد عبدتم الطاغوت، أي من يطغى عن الحد وهو كلّ رأس في الضلال، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة، فقد ارتكس اليهود إلى عبادة آلهة الوثنية مرارا وتكرارا في تاريخهم ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ بعيدين جدا عن الطريق الصحيح.

﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (61)

61 - ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ وهم أهل الكتاب، قد يدّعون الإيمان نفاقا، أو اعتقادا منهم أن ما يؤمنون به من الضلال هو الإيمان الصحيح ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جاؤوكم بنيّة سيئة سلفا، وبفكر منغلق من البداية، لا بفكر منفتح باحث عن الحقيقة، ومن يجيء بهذه العقلية لا يستفيد من الحوار، ولا يستنير بالهدي ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ لا تعلمون ما جاءوا به من المكر والخداع والكيد والنفاق.

456

سورة المائدة (5): آية 62

سورة المائدة (5): آية 63

سورة المائدة (5): آية 64

﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (62)

62 - ﴿وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ الكيد للمسلمين شغلهم الشاغل، فيعطونه الأولوية في نشاطهم وأهدافهم، وقد كان هذا دأبهم عبر التاريخ كما تشهد بذلك الحروب الصليبية التي أشعلوها ولا تزال مستمرة بشكل أو بآخر بعد أن أقاموا إسرائيل ودعموها ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام، وسمّي سحتا لأنه يستأصل صاحبه ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تقبيح لحربهم ضد الإسلام، أي هو عمل يعود عليهم بالبؤس في الدنيا والآخرة، وقد يسبب البؤس لغيرهم في الدنيا.

﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (63)

63 - ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ كان الأجدر بالربانيين، أو الذين يظنون أنفسهم ربانيين، وهم كبار رجال الدين عندهم، وجدير بأحبارهم، أن يرشدوهم ويبيّنوا لهم ما هم عليه من الضلال، وبالتالي أن يأمروهم بالكف عن التآمر والكيد للمسلمين ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام الذي يبتزّونه وينهبونه من الناس ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الصنع إتقان العمل، والمغزى: تقبيح ما يتقنه الربانيون والأحبار، من تزيين الباطل لأتباعهم حفاظا على مؤسساتهم الدينية ومناصبهم ومصالحهم.

﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (64)

64 - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وهو تعبير مجازي قصد منه اليهود تعبير المسلمين في بداية البعثة النبوية والانتقاص من مصداقيتهم، والمعنى: إن كنتم تدّعون نزول الوحي الإلهي عليكم، فكيف يترككم الله ضعافا فقراء

457

مضطهدين من قبل الناس؟ وهذا القول يعبّر عن عقلية منتشرة لدى الكثير من الناس في كلّ العصور ممّن يظنون أن الغنى الدنيوي دليل على كون صاحبه على الطريق الصحيح، وهذا الاعتقاد تنفيه الآية في تتمة الخطاب ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهو دعاء على اليهود تحقّق فيهم، لأنهم أكثر أقوام الدنيا حبّا للمادة وتهالكا على تحصيلها، بشتى الوسائل غير الشرعية، ليس أقلها الربا الفاحش والفساد والإفساد ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اليدان تعبير مجازي عن السلطة والغنى، والمعنى أن إغداق المال على الأفراد أو المجتمعات، في وقت من الأوقات، لا يفيد بالضرورة كونهم على الصراط المستقيم، أو أنهم مؤيّدون من الله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ اليهود ازدادوا طغيانا وكفرا بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ، لأنهم كانوا - وما زالوا - يظنّون أن النبوات يجب أن تكون محصورة فيهم، وأن النبي الموعود يجب أن يكون من بني إسحاق وليس من بني إسماعيل، انظر آية [البقرة: 2/ 105]، فكانت محاربتهم النبي ﷺ من قبيل الحسد والعصبية وخوف زوال امتياز الزعامة الذي كان لهم بين عرب الحجاز الذين كانوا ينظرون إليهم على أنهم أهل كتاب وعلم.

﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بعث عيسى المسيح عليه السلام إلى بني إسرائيل فرفضه أكثرهم، وتبعته أقلية منهم، فالعداوة والبغضاء هي بين اليهود وبين الذين اتبعوا عيسى، وقد تكون أيضا العداوة والبغضاء بينهم وبين باقي الناس ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: 17/ 8]، والخطاب عن اليهود، دأبوا على محاربة الرسل عبر تاريخهم، انظر شرح آية [آل عمران: 3/ 21]، فقد عاندوا موسى عليه السلام وعصوه وعبدوا العجل، ثمّ عصوا من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل وحاربوهم، ثم كفروا ببعثة عيسى المسيح عليه السلام وحاولوا قتله، وأخيرا كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ وتآمروا عليه وحاربوه،

458

ولذلك قال تعالى عنهم ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة:

5/ 33].

سورة المائدة (5): آية 65

سورة المائدة (5): آية 66

سورة المائدة (5): آية 67

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا﴾ كما في آية [المائدة: 5/ 33]، ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا يصلون إلى مبتغاهم من السعادة الدنيوية، وينالهم عقاب الآخرة.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (65)

65 - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا﴾ برسالة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح ممّا فيه تقوى الله ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ نتيجة إيمانهم ﴿وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ بنتيجة تقواهم.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (66)

66 - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على صورتها الصحيحة التي نزلت بها، ولم يحرّفوها ويضيفوا إليها ويحذفوا منها ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي لنعموا بخيرات السماء الروحية ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وخيرات الأرض المادية ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ معتدلة في أمور الدين بلا مغالاة ولا تطرف ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ الكثير منهم يضمرون الحقد ضد الإسلام والمسلمين ويكيدون لهم.

﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (67)

67 - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة أنّ أهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل، تبيّن هذه الآية أنّ رسالة القرآن نزلت لهدايتهم، بدليل تتمة الخطاب في الآية (68)﴾ الذي ينص أن عليهم إقامة التوراة والإنجيل والقرآن:

﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأهل الكتاب، وللبشرية قاطبة، والمعنى جميع ما أنزل إليك، والخطاب وإن كان في الأصل للرسول فهو

459

سورة المائدة (5): آية 68

سورة المائدة (5): آية 69

بالتالي تكليف لجميع المسلمين بنشر الدعوة الإسلامية، وضرورته واضحة من ضلال أهل الكتاب الذي سبق تفصيله ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ إن لم تبلّغ جميع ما أنزل إليك للناس عامة فلا تكون قد بلّغت الرسالة، لأن الرسالة عامة ومتكاملة لا تتجزّأ ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فيمنع أذاهم عنك، وقيل هي العصمة من القتل، وفيه تنبيه أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، لشدة تكليف الأنبياء ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي ما على الرسول إلا البلاغ، أما ما صمّموا على الكفر فالله لا يجبرهم على الهدى.

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (68)

68 - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي لستم على شيء يعتدّ به من الإيمان ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على أصلها، وعلى وجهها الصحيح، وفيها الكثير من النبوءات عن مبعث النبي الأحمد ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن - بدليل تتمة الآية - لأنّ فيه تصحيح معتقدات اليهود والنصارى ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا﴾ إذ حوّلوا دينهم إلى جنسية عصبية، وابتكروا من المعتقدات ما ألصقوه بدينهم، وهذا ممّا يزيد في طغيانهم وكفرهم بالوحي الذي نزل على النبي ﷺ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ لأن المطلوب منك هو البلاغ فقط، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (41).

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (69)

69 - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا برسالة النبي محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ أي اليهود وقيل سمّوا يهودا حين تابوا من عبادة العجل فقالوا ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 7/ 156]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب ﴿وَالصّابِئُونَ﴾

460

وفي اللغة الآرامية الصابغون، وهم طائفة موحّدة بين اليهود والنصارى اشتق اسمهم من الكلمة الآرامية: صبغة، لأنهم كانوا يعمّدون أي يصبغون المعتنق الجديد لدينهم في نهر الأردن، فصاروا يدعون الصابغة، وهذا شبيه بقوله تعالى:

﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة: 2/ 138]، وكانت العرب في إحدى لهجاتها تلفظ الغين همزة فصارت الصابئة، وهم أتباع يحيى عليه السلام (انظر عبد الأحد داود)، ويجب عدم الخلط بينهم وبين صابئة حرّان الذين انتحلوا الاسم لأنفسهم للاستفادة من تسامح الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب ومع طوائف الموحّدين، وقد ذكر تعالى الصابئين قبل النصارى لأن بعثة يحيى سبقت بعثة عيسى عليهما السلام (والنّصارى) اشتق اسمهم من النصرة، لأنهم نصروا عيسى عليه السلام، كما في قوله تعالى على لسان عيسى ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران: 3/ 52].

﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن بالبعث والحساب ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ اقترن إيمانه بالعمل الصالح ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يجب قراءة هذه الآية ضمن سياقها، فالآية التي قبلها تؤكد أن أهل الكتاب ليسوا على شيء من الحق ما لم يقيموا التوراة والإنجيل - على وجههما الصحيح - وما أنزل إليهم من ربهم وهو القرآن، والآيات التي بعدها تبيّن إصرار اليهود على المعصية وتقرر كفر من ألّهوا المسيح واعتنقوا التثليث، فهذه الآية تستثني من أهل الكتاب من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، لأن كل إنسان يحاسب بعمله، ولا يسأل عن غيره، والواضح أن هذه الآية لا تهدف إلى تفصيل جميع أسس الإيمان والعبادات فذلك مفصّل في آيات أخرى من القرآن الكريم.

وقد تكرر ورود هذا المعنى في آية [البقرة: 2/ 62]، غير أنه في هذه الآية وردت كلمة ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ بالرفع، ومن وجوه إعرابها أنها مبتدأ خبره محذوف، وتقدير الكلام - والصابئون كذلك -.

461

سورة المائدة (5): آية 70

سورة المائدة (5): آية 71

﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (70)

70 - ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهو الميثاق المذكور في الآية (12)، ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ بعث لهم تعالى الكثير من الرسل بعد موسى عليه السلام، وتلك حجة عليهم لكثرة ارتكاسهم إلى الوثنية والمادية، وتكرر الحاجة إلى إعادة تقويمهم، فقتلوا الكثير من الرسل، انظر آية [آل عمران: 3/ 21]، وقتلوا يحيى عليه السلام، ولما جاءهم المسيح المنتظر عيسى عليه السلام حاولوا قتله، وكذلك عندما جاءهم النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ المذكور بشارته في كتبهم (سفر التكوين 49/ 10، سفر التثنية 18/ 18، سفر حجّي 2/ 7) كفروا به وتآمروا على قتله، ويلاحظ الانتقال في التعبير من الفعل الماضي ﴿كَذَّبُوا﴾ إلى الفعل المضارع ﴿يَقْتُلُونَ﴾ لإيضاح استمرارية النية المبيّتة لدى اليهود بتكرار قتل بعض الأنبياء أو محاولة قتل بعضهم الآخر.

وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 2/ 87].

﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (71)

71 - ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي إن تكذيبهم وقتلهم الرسل كان بناء على حسبانهم أن لن يقع عليهم عقاب، لظنهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، الآية (18)﴾، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عميت بصيرتهم عن الحقيقة، وصمّوا آذانهم عن سماع الحق، فأصابهم الله بذنوبهم ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ بتوبتهم، فأمهلهم ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ تكرر ارتكاسهم إلى الوثنية، وتكرر بعث الرسل إليهم وعصيانهم، ونزول الكوارث بهم ثمّ توبتهم ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ الأكثرية منهم على

462