بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 1 · ص 463 - 470

سورة المائدة (5): آية 72

سورة المائدة (5): آية 72

هذا المنوال، والعبرة بالأكثرية، لأن القليل النادر لا تأثير له في الصلاح أو الفساد العام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه، كما في الآية (33)، وأيضا قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: 17/ 8] أي إن عدتم إلى الإفساد، أو إن عدتم عن التوبة، عدنا إلى عقابكم، وهو مغزى التكرار في قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (72)

72 - استمرار الخطاب عن بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع بولس الذي ابتكر هذه العقيدة ابتداء، ثم فرضها قسطنطين الكبير إمبراطور روما بمرسوم إمبراطوري، في المؤتمر المسكوني الأول يوم 20 مايو 325 م، الذي انعقد في نيقية - حاليا إزنيق في تركية - على مسافة 195 كم جنوب بيزنطة - حاليا إستانبول -، انظر شرح الآيات (14 و47)، والنص الإمبراطوري الذي فرضه قسطنطين - الذي كان وثنيا لتاريخه - هو التالي: - أن عيسى المسيح بصفته ابن الله هو الله نفسه، ليس مخلوقا ولكن ناشئا عن الله الأب، ومتحدا معه في الجوهر - وقد تم فرض هذا المبدأ على أنحاء الإمبراطورية بقوة الجيش والاضطهاد.

﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل لسببين: أولا أنه كان مبعوثا إليهم ابتداء، وثانيا أن اليهود هم الذين ابتكروا بعده تأليه المسيح، ونشروا هذه العقيدة المسيحية، وطمسوا تعاليم عيسى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ وقد بقي قول المسيح بعبادة الله الأحد في أسفار النصارى شاهدا على الحقيقة لم يلحقه الحذف والتشويه (سفر متّى 4/ 10)، (سفر لوقا 4/ 8)، (سفر

463

سورة المائدة (5): آية 73

يوحنا 20/ 17)، وقد ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica، الطبعة 14، ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - إنّ كتابات الأسفار الثلاثة الأولى من العهد الجديد تؤكد عقيدة مؤلفيها بأن المسيح لم يكن سوى بشر، ولا يوجد في الأسفار ما يبرر الاعتقاد أن المسيح ابن الله، كما ليس في أقوال المسيح وقت العشاء الأخير ما يبرر المعاني التي استخلصت منها فيما بعد، كما لا يوجد أي تلميح من قريب أو بعيد عن أية علاقة بين وفاة المسيح وبين مفهوم الخطيئة الأصلية أو الفداء -.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (73)

73 - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ تطورت فكرة الثالوث عند أتباع بولس منذ المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية، وحصل جدل مرير بين فلاسفتهم عن ماهية الشخص الثالث الذي قالوا إنه الروح القدس، ثم في المجمع المسكوني في القسطنطينية عام 381 م أصدروا قرارا بتعريفه أنه منبثق عن الأب والابن، وهو ما تندد به هذه الآية الكريمة بأنه كفر صريح، ومع أنهم قرروا هذه الفكرة في العام 381 م إلا أنها لم تعمم في الكنائس حتى القرن الحادي العشر، وقد انتقدها فوتيوس أسقف القسطنطينية بشدة، ولم تقبل الكنيسة الشرقية هذه العقيدة إلا بعد المؤتمر الكنسي الثالث المنعقد في القسطنطينية عام 680 م ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ هو الله وحده، والجميع مخلوقاته ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ عن مثل هذه الافتراءات التي يبتكرونها من عندهم، وليس لهم بها علم من المسيح أو الوحي، وإنما هي من تأثير الثقافة الوثنية اليونانية المحضة التي هيمنت على أفكارهم، وعلى فكر بولس من قبلهم ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ والجدير بالذكر أنه لم يرد في كتاب النصارى، المسمّى بالعهد الجديد، سوى إشارة واحدة فقط عن التثليث، وردت

464

سورة المائدة (5): آية 74

سورة المائدة (5): آية 75

في رسالة يوحنا الأولى بالفقرة 7 من الفصل 5، وقد تم حذف هذه الفقرة من الطبعة المنقحة المعتمدة RSV التي صدرت عام 1971، والتي شارك بإعدادها 32 عالما من كبار علماء النصارى تدعمهم لجنة استشارية تمثل خمسين من طوائفهم المتعاونة بعضها مع بعض، ويبدو أن عموم النصارى لم يلقوا لذلك اهتماما.

﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (74)

74 - ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ فيعودون عن أفكار الكفر، التي جعلوها مبادئ دينية يصدرون بها المراسيم من عندهم، من مؤتمر لآخر، حتى اخترعوا دينا جديدا نسبوه إلى عيسى المسيح ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في حال توبتهم.

﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (75)

75 - ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica، الطبعة 14، عن هذا الموضوع ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - من الواضح أن المسيح صنّف نفسه بين الأنبياء إذ قال: لا يليق بنبي أن يهلك خارجا من القدس (لوقا 13/ 33)، وقال عنه بطرس يوم عيد الحصاد: إنه رجل مرسل من الله (أعمال 2/ 22)، ولم تترك الأسفار أي مجال للشك بأنه كان بشرا يجوع ويشعر بالعطش وبالتعب والنعاس، وينام مثل غيره، ويفاجأ بالأحداث -، ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ انظر أيها الرسول، أو أيها القارئ: كيف نبيّن لهم البراهين والعلامات، ومع ذلك ينصرفون عن الحق.

465

سورة المائدة (5): آية 76

سورة المائدة (5): آية 77

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (76)

76 - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ كيف تعبدون المسيح وتدعونه، وهو لم يملك أن يدفع الضرر عن نفسه ضد اليهود الذين كانوا يقصدونه بسوء، كما لم يملك إيصال النفع إلى صحابته أو أن يدفع عنهم ضرر الكائدين، فمن باب أولى أنه لا يستطيع إيصال الضرر أو النفع إلى أحد منكم، فكيف يكون إلها يعبد من لا يسمع دعاءكم ولا يعلم حالكم ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ولكن الله وحده هو الذي يسمع دعاء المستغيثين، فيرفع عنهم الضرّ إن شاء، لأنه العليم بأحوال عباده.

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (77)

77 - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ لا تبتدعوا في دينكم من العقائد، كتأليه المسيح والتثليث، مما سبق ذكره بالآيات (72 - 73)، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ القوم الذين ضلّوا من قبل، هم اليهود الهلنستيون الذين تبنّوا مسيحية بولس وقد انضبعوا بالفلسفة اليونانية، وأداروا ظهورهم للنصرانية، وعلى رأس هؤلاء بولس الذي كان يهوديا ثم صارت المسيحية الحالية تنسب إليه، فيقولون مسيحية بولس Pauline Christianity لأنه مؤسسها الحقيقي، ولأن المسيحية الحالية لم يعد لها علاقة ببعثة وتعاليم المسيح سوى أنهم جعلوا المسيح رمزا لها، ومن هؤلاء أيضا الإمبراطور قسطنطين الذي كان وثنيا يوناني التفكير هلنستي الثقافة، انظر شرح الآيات (14 و47)، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من الناس، إما بالأوهام كما فعل بولس، وإما بالاضطهاد وقوة الجيش كما فعل قسطنطين، وهم أيضا يضلون الناس كثيرا بحملات التبشير التي تنفق عليها الكنيسة إلى اليوم مبالغ طائلة في كافة أنحاء العالم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا هو الضلال الثاني، أي بعد أن ضلّ اليهود

466

سورة المائدة (5): آية 78

سورة المائدة (5): آية 79

سورة المائدة (5): آية 80

من قبل عن تعاليم المسيح، ضلّوا أيضا عن تعاليم البعثة الإسلامية، لأن الإسلام هو سواء السبيل، أي السبيل المعتدل الوسط، الذي لا غلوّ فيه ولا تفريط.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (78)

78 - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ وهذا اللعن مذكور في كتبهم، انظر مزامير داود (78/ 21 - 22، 31 - 33)، ﴿وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ انظر (سفر متّى 12/ 34 و23/ 33 - 35)، والآية استمرار الخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: لا تتبعوا أهواء القوم الذين ضلّوا من قبل فهم قد لعنوا على لسان داود وعيسى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سبب لعنهم هو عصيانهم الأنبياء، وعدوانهم على الشريعة بما أدخلوه عليها من الغلوّ، ثم بيّن تعالى ما أدّى بهم إلى المعصية والعدوان بقوله:

﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (79)

79 - ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كانوا وما زالوا يشهدون الضلال ويسكتون عنه، بل يقرّون به ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فسوف يلحق البؤس بهم، لأن الضلال والفساد في الأمّة يبدأ عادة بأقلية محدودة، فإذا لم يقف الرأي العام في وجه الأقلية المفسدة، واكتفى بموقف المتفرج، سرعان ما يستشري ويلحق ضرره بالمجتمع ككلّ.

﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (80)

80 - ﴿تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ اليهود بعد أن عصوا داود وعيسى عليهما السلام، تحالفوا مع الوثنية اليونانية - الهلنستية - ضد النصرانية، ثم تكرر ذلك منهم وقت البعثة الإسلامية إذ تحالفوا مع مشركي العرب ضدّ خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، ولا يزال يتكرر ذلك منهم عبر

467

سورة المائدة (5): آية 81

سورة المائدة (5): آية 82

التاريخ إلى اليوم حيث يتحالفون مع الكفر ضد الإسلام ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ساء ما قدّموا لآخرتهم من المعصية والعدوان إذ كانت نتيجته غضب الله عليهم: ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾.

﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (81)

81 - ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾ لو كان اليهود يؤمنون بالله، وبالنبيّ موسى عليه السلام، ويؤمنون حقّا بما أنزل على موسى من التوراة، لقبلوا رسالة عيسى ورسالة الإسلام، ولما تحالفوا مع الوثنية والشرك ضدّهما ﴿وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ لأن مجيء خاتم الأنبياء والرسل مذكور في كتبهم وكانوا بانتظار بعثته، فكان المفروض أن يكونوا أول من يسارع إلى الإيمان به، ولكن بدلا من ذلك أنكروه وتحالفوا مع المشركين ضدّه.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (82)

82 - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ لأن اليهود يعتقدون أنهم مميّزون من غيرهم من البشر لظنهم أن الله اختصهم بالوحي دون غيرهم من الناس، وهم لذلك يصنّفون البشر قسمين: اليهود، والأغيار حسب تعبيرهم، والأغيار من ليسوا على دينهم، ويعتبرون دينهم عنصريا لا ينبغي للأغيار الدخول فيه، ومن ثمّ كانت شدة عداوتهم لمن ليسوا على دينهم، فلم يدخل منهم في الإسلام منذ البعثة النبوية إلاّ القليل ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المشركون أيضا شديدو العداوة لمن يعتقد بالتوحيد، ومنهم المسيحية المنشقين عن النصارى وقد ابتدعوا تأليه المسيح وعقيدة الثالوث، وغيرهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ﴾

468

سورة المائدة (5): آية 83

سورة المائدة (5): آية 84

سورة المائدة (5): آية 85

﴿آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ والمقصود بهم النصارى على ديانة المسيح فعلا، وليس على ديانة بولس ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الذين بقوا منهم على حقيقة النصرانية، ولا يحفزهم الغرور على التكبّر والاعتقاد أن الدين قد ختم بهم، أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر.

﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (83)

83 - ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ لأنهم كانوا يترقبون بعثة النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم (سفر يوحنا 1/ 20 - 21)، فلما جاءهم عرفوه وأيقنوا بالوحي الذي نزل عليه، فكان من شأن أكثرية النصارى، من سكان بلاد الشام والعراق ومصر، أن دخلوا الإسلام طواعية بعد الفتوحات الإسلامية، وهذه الآية من قبيل الإعلام بالغيب إذ تنبأت بدخول النصارى في الإسلام ولمّا تتحقق الفتوحات الإسلامية بعد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي الشاهدين على الحق.

﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ (84)

84 - ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ﴾ ليس هنالك مبرر لعدم الإيمان بعد أن جاءنا الحق، أو قد يكون المعنى: كيف نبقى على عدم الإيمان بالله وبالحق الذي جاءنا؟ وفي الوقت نفسه نطمع بدخول الجنة: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾.

﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)﴾.

469

سورة المائدة (5): آية 86

سورة المائدة (5): آية 87

85 - ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا﴾ أثابهم الله بما اعتقدوا وآمنوا من الإسلام، بعد قولهم المشار إليه آنفا ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (86)

86 - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهي آيات الله الدالّة على الوحدانية وعلى صدق نبوّة النبيّ ﷺ ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ كلّ فرد يثاب ويعاقب بحسب ما اختار من التصديق أو التكذيب.

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (87)

87 - بعد انتهاء الخطاب عن أهل الكتاب الذي استمر من الآية (12) حتى الآية (86)، يعود الخطاب بهذه الآية (87) وحتى الآية (108)﴾ إلى موضوع أول السورة عن العقود والطيبات والمحرمات:

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ بعد أن ذكر تعالى إيمان القسيسين والرهبان من المتعمقين في النصرانية، ومدحهم بأنهم لا يستكبرون لأنّ الغرور لا يحفزهم على الاعتقاد أن الدين قد ختم بهم أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر، ولمّا كان الرهبان قد اشتهروا بالتقشف والزهد ظنّا منهم أنّ ذلك يقربهم إلى الله زلفى، ولكي لا يقع الناس في هذا الالتباس الذي وقع فيه بعض الزهّاد والمتصوّفة، نهى تعالى المؤمنين أن يحرّموا ما أحلّ الله من الطيبات ممّا تتمتع به وتستسيغه الفطرة السليمة المعتدلة، لأن الإسلام ينشد التوازن والاعتدال في متطلبات الروح والجسد، وينشد الوفاء في كل منهما، والمسلمون في ذلك أمة وسط، وقدوة للناس، انظر آية [البقرة:

2/ 143]، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا تعتدوا بتجاوز الطيبات الحلال إلى الخبائث المحرّمة، ومن جهة ثانية لا تعتدوا بالإسراف في التمتع بالطيبات واللذّات بحيث يكون ذلك أكبر همّكم.

470