بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 75 - 82

سورة الأعراف (7): آية 114

سورة الأعراف (7): آية 114

سورة الأعراف (7): آية 115

سورة الأعراف (7): آية 116

سورة الأعراف (7): آية 117

كذلك لما كان السحرة بحاجة إلى فرعون وأمواله، ولتمكنوا بسحرهم من الحصول على مبتغاهم دونما حاجة للغير.

﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (114)

114 - ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ لم يكن فرعون في حالة تسمح له بالمساومة والتعجرف، فقد وجد في موسى تهديدا حقيقيا، ولذا أضاف إلى موافقته بإجزال الأجر للسحرة أن وعدهم بمناصب عالية في ملكه، وأن يجعلهم من المقربين إليه إن تغلبوا على موسى، فلما اطمأنوا لذلك خاطبوا موسى قائلين:

﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (115)

115 - ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ تركوا الخيار لموسى، ربّما لشدة ثقتهم بمقدرتهم على التغلب عليه، فقد ظنوا أنه مجرد ساحر مشعوذ على شاكلتهم.

﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (116)

116 - ﴿قالَ أَلْقُوا﴾ أراد موسى منهم أن يبدؤوا بإظهار قصارى مقدرتهم وسحرهم لكي يقوم بإبطاله بعد أن يكون الناس قد انضبعوا لما رأوه من فائق مقدرتهم ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ أي خيّلوا لهم خلاف الحقيقة قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه 66/ 20]، ﴿وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أوقعوا الرهبة في نفوسهم ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ بأن جعلوا الناس تعتقد بصحة ما أرادوه من تحول حبالهم إلى ثعابين.

﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (117)

117 - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ أي ألهمناه إلقاء العصا ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الإفك اسم لما يؤفك أي يصرف ويحوّل عن شيء إلى غيره، فهو قلب الشيء عن وجهه، ويستعمل في التلبيس وقلب الحقائق، ومنه

75

سورة الأعراف (7): آية 118

سورة الأعراف (7): آية 119

قيل للكذب إفك، لأنه مقلوب عن وجهه، وقوله ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أي ما يصرفون الأمور عن حقيقتها، وهو أن السحرة جعلوا الناس يتخيلون الحبال والعصيّ أنها تتحرك وتسعى، أما العصا فهي ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تتناوله وتزيله بسرعة وتظهر بطلانه، وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار عن الشيخ محي الدين بن عربي أنه ترتب على إلقاء عصا موسى أن رأى الناس تلك الحبال والعصيّ على حقيقتها لا تسعى ولا تتحرك، ولو أنها ابتلعتها - كما يظن البعض - لبقي الأمر ملتبسا على الناس، ولكان قصارى ما في الأمر أن كلاّ من السحرة وموسى قد أظهر أمرا غريبا كان أحدهما أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم، ولكن عصا موسى أزالت أحابيل السحرة بسرعة وهو معنى اللقف، والخلاصة أن السحر العظيم الذي جاء به السحرة لم يكن سوى إفكا، أي خيالا وكذبا ليس من الحقيقة في شيء، وقد نصّت الآية أنّ عصا موسى قد لقفت الإفك وأبطلته - ولم تلقف الحبال والعصي -، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس 81/ 10].

﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (118)

118 - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر الحق وتبيّن ووقع مكان الباطل فأزاحه ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر، لأنّ السحر في حقيقته باطل غير ذي فعل حقيقي.

﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (119)

119 - ﴿فَغُلِبُوا﴾ والكلام عن فرعون والملأ الذين معه، لأن موقف السحرة كان مختلفا كما سوف يرد في الآية التالية، ولم يقل غلبهم موسى، لأن ذلك لم يكن من صنع موسى أو حذاقته وإنما كان من الله تعالى، وقوله ﴿هُنالِكَ﴾ أي في ذلك المجمع العظيم الذي ضمّ كبار القوم وغيرهم من الناس الذين حشروا ضحى في يوم عيد لهم وزينة من مواسمهم، حيث ضرب لهم موسى موعدا في

76

سورة الأعراف (7): آية 120

سورة الأعراف (7): آية 121

سورة الأعراف (7): آية 122

سورة الأعراف (7): آية 123

ذلك اليوم، كما هو مذكور في سورة طه ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه 59/ 20]، ﴿وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أي انقلب فرعون وملؤه من مستكبرين إلى صغار أذلاء في نفوسهم، بعد أن كانوا مستعلين واثقين من أنفسهم.

﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (120)

120 - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لأن السحرة كانوا أدرى من غيرهم بحقيقة ما حدث، فقد أيقنوا أن ما شاهدوه لم يكن تخيلا ولا خداعا مما اعتادوا أن يحتالوا به على الناس، وعرفوا أن ما قام به موسى معجزة حقيقية من عند الله لا يقدر السحرة ولا غيرهم على مثلها، ولذلك لم يبق في نفوسهم أدنى مكانة لفرعون ولعظمته الدنيوية، ولم يتمالكوا أنفسهم أن وقعوا ساجدين مؤمنين بنبوّة موسى لما تبين لهم من ظهور الحق بالمقابلة مع تفاهة السحر، وهو مغزى تجهيل الفاعل في قوله ﴿وَأُلْقِيَ﴾.

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (121)

121 - ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إشارة لقول موسى في الآية (104) إنه رسول من ربّ العالمين.

﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (122)

122 - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ رب العالمين الذي دعا إلى الإيمان به موسى وهارون.

﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (123)

123 - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قبل أن آمركم ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أنتم وموسى تآمرتم وتواطأتم على هذه الخطة وعلى هذه النتيجة سلفا ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ وهو ما كانوا اتهموا به

77

سورة الأعراف (7): آية 124

سورة الأعراف (7): آية 125

سورة الأعراف (7): آية 126

موسى من قبل (الآية 110)، أي إن غرضكم، أنتم وموسى، إخراج المصريين من مصر لكي يكون لكم فيها الملك والحكم مع بني إسرائيل، ويبدو أن اختلاق هذا الاتهام من قبل فرعون كان موجها للاستهلاك المحلي لكي يحشد لنفسه تأييد عامة المصريين ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد بما سوف ينزله في السحرة من العقاب والتعذيب، كما هو مذكور في الآية التالية:

﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (124)

124 - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يبدو أن عدد السحرة كان كبيرا (الآية 112)، ويحتمل أيضا أنّ عددا كبيرا من المصريين انضم إليهم، لأن تعبير ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ بتشديد حرف الطاء و﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ بتشديد حرف اللام يشير لوجود أعداد كبيرة منهم، فالتقتيل غير القتل، والتقطيع غير القطع، والتصليب غير الصلب، إذ تدلّ على التكثير، وقد استخدم التعبير نفسه بالآية (127)، وقوله ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ أي لأجل خلافكم ومعاندتكم رأيي وأمري، انظر آية [المائدة 33/ 5].

﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (125)

125 - ﴿قالُوا﴾ أي السحرة ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ المعنى أنهم غير مبالين بما يحل بهم في هذه الحياة الدنيا من انتقام فرعون ما داموا على الحق، كما يحتمل أن يكون ضمير الجمع في قوله ﴿إِنّا﴾ للسحرة وفرعون معا، فيكون معنى قولهم أن الحكم الفصل بينهم وبين فرعون لله وحده، وفي ذلك تعريض بفرعون وادعائه الربوبية.

﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ (126)

126 - تتمة خطاب السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ ما تعيب علينا، ولا تكره منّا، سوى الإيمان بالله، وهذا هو ذنبنا عندك، ولكن كوننا على الحق لا يوجب النقمة والانتقام، بل يقتضي العكس:

78

سورة الأعراف (7): آية 127

سورة الأعراف (7): آية 128

أن يحذو فرعون حذوهم، ولهذا فقد التفتوا، بعد أن يئسوا من استجابة فرعون، إلى التضرع إلى ربهم قائلين: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ وهو تضرّع بإنزال كامل الصبر عليهم استعدادا لما يتوقعونه من المحنة والبلاء، كما لو كان الصبر في إناء فيفرغ بكامله عليهم ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ دعاء بتثبيتهم على الإيمان، مستسلمين لله، مذعنين له وحده دون غيره.

﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ (127)

127 - بعد أن تبيّن للجميع أن السحرة غير عابئين بتهديد فرعون، بادر كبار القوم إلى تحريضه على موسى وعلى أتباعه، نفاقا وخوفا على مراكزهم، فقالوا له: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أتتركهم ليفسدوا عليك حكمك في مصر؟ إما بإدخال المصريين في دينهم، أو بجعلهم تحت سلطتهم يأتمرون بأمرهم، وفي الحالتين تكون النتيجة زوال الحكم الفرعوني ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ويتركك ويترك آلهتك هو وقومه ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ أي سنعمل على إفناء بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم، وتعبير التقتيل هنا أيضا يدل على التكثير والتدريج، أي حتى ينقرضوا ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ نستبقي نساءهم أحياء يتزوجهنّ المصريون ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ بهذه الطريقة نقهرهم ونسيطر عليهم، والواضح أن فرعون قرر ترك موسى وعدم إيذائه تجنبا لاستفزاز من والاه من المصريين.

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (128)

128 - علم موسى بما دار بين فرعون وملئه من الكيد لبني إسرائيل، أو أنه توقع هذا الكيد بعد أن خلّى فرعون سبيله، فقال لقومه: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ على ما يحل بكم من المحن، وما سوف يحل بكم نتيجة الثبات على عقيدتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وليست

79

سورة الأعراف (7): آية 129

لفرعون فقط، والدنيا دول ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ العاقبة الحسنة تكون للذين يتقون الله بمراعاة سننه في أسباب إرث الأرض، كالاتحاد، والعمل، والعدل، والتزام الحق، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله، وإقامة شرعه، والمغزى إذا سرتم على هذه الأسس وفق نظام سننه تعالى في خلقه كانت العاقبة الحسنى لكم.

﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (129)

129 - كان توهّم بني إسرائيل أن الظفر على فرعون يتم بلا عمل ومن دون تضحيات، وأنّ مجرّد بعث النبي موسى بينهم يضمن النصر لهم، فقالوا لموسى:

﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أي لم نستفد شيئا من بعثتك، فقد كنّا نتحمّل أذى فرعون قبل مجيئك، ثمّ تفاقم هذا الأذى بعد مجيئك، وفي هذا القول نوع من الوقاحة من جانب بني إسرائيل، وهو في الوقت نفسه مقدّمة لما سوف يلقاه موسى من العنت والمعاندة منهم، وقد قالوا له بعد ذلك في سيناء: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة 24/ 5]، انظر أيضا آيات [البقرة 61/ 2، 24]، وآيات [المائدة 12/ 5 - 32]،

﴿قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي نرجو الله تعالى أن يهلك عدوكم فرعون، ويجعلكم خلفاء في فلسطين، والمقصود من تعبير ﴿عَسى﴾ إفهامهم أنه يلزمهم التقوى والعمل الجاد وتحمل المشاق كي يصلوا إلى مبتغاهم ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنه تعالى يحكم عليكم وفق أعمالكم، هل تشكرون النعمة أم تكفرونها؟ وهل تقيمون العدل أم تظلمون؟ وهل تصلحون في الأرض أم تفسدون؟ وهل تكونون صالحين لحمل الرسالة إلى غيركم؟ وهل تكونون قدوة لغيركم؟ والنتيجة أنه تعالى يحكم عليهم وفق ما يعملون، وليس وفق ما يعلمه بالغيب منهم.

80

سورة الأعراف (7): آية 130

سورة الأعراف (7): آية 131

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (130)

130 - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ السنين جمع سنة، وهي السنة التي يحصل فيها القحط، وهي أيضا بمعنى السنة الزمنية، وآل فرعون المقصود بهم قومه بمن فيهم كبار القوم وعامتهم، أي أهل مصر في عهده، وهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه لأن قوته المالية والعسكرية منهم، وقد خلقهم تعالى أحرارا وكرمهم بالعقل والفطرة التي تميل بالغريزة إلى الحرية والكرامة، فكان حقا عليهم ألاّ يقبلوا استعباده لهم، وأن يرفضوا جعلهم آلة لطغيانه ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ كناية عن شدة الضيق، أي إنّ القحط الذي أخذهم به تعالى لم يقتصر على الحبوب فقط ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون ضعفهم واعتمادهم على القدرة الإلهية، ويذكرون عجز فرعون وعجز آلهتهم الوهمية.

﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (131)

131 - ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ وهو قول آل فرعون، أي هي نتيجة استحقاقنا لا غير، ونحن جديرون بها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه، لأن التطيّر هو التشاؤم، فيقولون أصابتنا هذه السيئة بسببه، لأنهم قوم اعتادوا الخرافات ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي حظهم عند الله، وعبّر عنه بالطائر لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير، فإذا طارت من جهة اليمين تيمّنت وتوقعت الخير، وإذا طارت من جهة الشمال تشاءمت وتوقعت الشر، ثم إنهم سمّوا الشؤم طيرا وطائرا، وسمّوا التشاؤم تطيّرا، ولذا قال تعالى في دحض خرافتهم أنّ طائرهم عند الله، أي إنه تعالى جعل لكل شيء قدرا، بمعنى أنه وضع للكون سننا وقوانين تكون فيها المسبّبات على قدر الأسباب ونتيجة لها، وقد بيّن ﷺ أن طيرتهم باطلة فقال: «لا طيرة ولا هام»، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن

81

سورة الأعراف (7): آية 132

سورة الأعراف (7): آية 133

سورة الأعراف (7): آية 134

التشاؤم والطيرة باطلة، وأن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره.

﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (132)

132 - ﴿وَقالُوا﴾ وهو قول آل فرعون لموسى ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إن تجئنا بكل نوع من أنواع المعجزات فلن نصدقك، ولن نتبع رسالتك، وقولهم لتسحرنا بها من قبيل المكابرة والمعاندة، والمعنى أنهم مصرون على اعتبار الآيات القاهرة نوعا فائقا من أنواع السحر.

﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (133)

133 - ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عقوبة لكفرهم وذنوبهم ﴿الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾ طوفان النيل، ثم الجراد يأكل محاصيلهم، ثم القمّل وهو السوس يأكل الحنطة والحبوب، ثم الضفادع بكثرة طاغية، ثم الدم وفسّره بعضهم بالرعاف، وقال آخرون بل انتشر الدم في مياه الأنهار والينابيع ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي مبيّنات ظاهرات، ومفصّلات أيضا بمعنى وجود فاصل زمني فيما بينها الواحدة تلو الأخرى، لإعطائهم الفرصة لقبول الحجة والدلائل والإعراض عن الخلاف والتقليد، وفي ذلك عودة لما هو مذكور بالآية (94)، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإذعان للحق ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على الإجرام والذنوب،

﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (134)

134 - ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ شعر آل فرعون بشدة العذاب ﴿قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ من النبوّة ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي في كلّ مرة يقع عليهم نوع من

82