بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 83 - 90

سورة الأعراف (7): آية 135

سورة الأعراف (7): آية 135

سورة الأعراف (7): آية 136

سورة الأعراف (7): آية 137

أنواع العذاب يستنجدون بموسى، ويطلبون منه الدعاء لكشف العذاب عنهم، ويؤكدون له أنهم سوف يؤمنون برسالته من جهة، وسوف يطلقون بني إسرائيل من جهة أخرى.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (135)

135 - ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ مرّة بعد مرّة ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ﴾ أي إلى أجل يمكنّهم من الوفاء بوعودهم بالإيمان وإطلاق بني إسرائيل ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ بوعودهم في كلّ مرة، وهذا دأب الخاطئين في كل الأزمنة.

﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (136)

136 - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ بعد إعطائهم كل الفرص لرؤية الحقيقة وإمهالهم للتوبة ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وهو غرق فرعون وجنوده في البحر الأحمر، في أثناء مطاردتهم موسى وبني إسرائيل ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بسبب تكذيبهم بالآيات وكفرهم برسالة موسى ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ قبل بعثة موسى وبعده، غفلوا عنها إطلاقا قبل بعثته، ثم غفلوا عن صحتها وعن معناها بعمى قلوبهم رغم تذكيرهم بها.

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (137)

137 - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل، كانوا مستضعفين في عبودية فرعون لهم، ولأن فرعون كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي أرض فلسطين، بارك تعالى فيها بكثرة بعث الأنبياء بها، أورثهم مشارقها ومغاربها، وليس معنى ذلك أنها صارت ميراثا أبديا لهم فذلك مخالف للواقع التاريخي، وللمذكور في تتمة هذه السورة (الآيات 166 - 168)، راجع أيضا شرح آية [المائدة 21/ 5]، وقد عاقبهم تعالى بالنفي من فلسطين بعد أن عاثوا فيها الفساد، ولم يدم ملكهم

83

سورة الأعراف (7): آية 138

فيها سوى أربعة قرون، من بداية ملك طالوت حتى سقوط القدس بيد نبو خذنصرّ، راجع شرح آية [المائدة 33/ 5]،

وقوله ﴿الْأَرْضِ﴾ لا يعني أكثر من فلسطين، وهو شبيه بقوله تعالى على لسان يوسف ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف 55/ 12] وقصد بها مصر، وقوله تعالى مخاطبا نبيّه ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [الإسراء 137/ 17] وقصد بها مكة،

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهي تحريرهم من فرعون بعد بعث موسى فيهم ونزول الرسالة السماوية عليهم ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي بنتيجة صبرهم، والمغزى تذكير بفائدة الصبر ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ كان الدمار في مصر لكثرة المصائب التي حلت بهم (الآية 133)، وبنتيجة تحرير بني إسرائيل من عبوديتهم، ثم غرق فرعون وجيشه في البحر.

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (138)

تسرد الآيات (138) وحتى الآية (171) قصة موسى وبني إسرائيل في صحراء التيه:

138 - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ وهو البحر الأحمر عند خليج السويس، ما بين السويس والإسماعيلية، جاوزوه إلى شبه جزيرة سيناء، وقيل إنّ العبور كان عند البحيرات المرّة، والملاحظ أن موسى بعد عبور البحر لم يتجه مباشرة نحو فلسطين، وإنما اتخذ مع قومه مسارا نحو الجنوب محاذيا شاطئ خليج السويس، لأن موسى كان يعرف حق المعرفة أن قومه لم يكونوا وقتئذ على مستوى من النضوج الفكري، والإيمان اليقيني، والاستعداد النفسي، والسمو الروحي، ما يمكنّهم من دخول الأرض المقدسة، وذلك واضح من خطابهم له في الآية (129)﴾، فأراد أن تنقضي عليهم مدة من الزمن في سيناء قبل بلوغ هدفهم

84

سورة الأعراف (7): آية 139

سورة الأعراف (7): آية 140

﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ يعكفون من الاعتكاف، أي كانوا مواظبين على عبادة أصنامهم، وقيل أن هؤلاء القوم من المصريين العاملين في مناجم النحاس، وقيل إنهم العماليق المذكورين في كتب اليهود العنصرية "المقدسة" التي ابتكروها والتي تحضّهم على إبادة الأغيار، كزعمهم أن الرب قال لهم "امحوا ذكرى العماليق من تحت السماء" (سفر التثنية 19/ 25)، وزعمهم أنه قال لهم أيضا "اذهبوا وابطشوا بالعماليق ودمّروا تدميرا تاما كل ما يملكون، ولا تبقوا منهم أحياء، بل اذبحوا الرجال والنساء والأطفال والرضّع والبقر والخراف والجمال والحمير" (سفر صموئيل الأول 3/ 15)،

﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ تاقت نفوس بني إسرائيل إلى تقليدهم، لشدة ما اعتادوا على وثنية المصريين خلال مدة عبوديتهم حتى انحطّ مستواهم الفكري، وهذه بادرة الارتكاس الثانية منهم بعدما قالوا لموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا بالآية (129)، ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ جئتكم بالحقيقة وبرسالة التوحيد والآيات البيّنات، وتصرّون على الزيف والوهم،

﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (139)

139 - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ العاكفين على الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ التبار الهلاك، والتتبير الإهلاك، والمعنى أن طريقة هؤلاء مقضي عليها بالهلاك، وسوف تقودهم إليه لا محالة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كانوا وما زالوا، عملهم زائف لا يمت إلى الحقيقة، فهو أيضا زائل ومضمحل تماما، وهذه الآية تبين قاعدة عامة عن مآل جميع المشركين والمبطلين في كل العصور.

﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (140)

140 - ﴿قالَ﴾ لهم موسى ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا﴾ أطلب لكم معبودا غير الله تعالى؟ وهو رب العالمين! ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن أنزل عليكم هدايته، واختاركم لحمل رسالته، والواضح أن التفضيل لم يكن مطلقا، وإنما بتحميلهم مسؤولية أثبتوا عدم جدارتهم بها.

85

سورة الأعراف (7): آية 141

سورة الأعراف (7): آية 142

سورة الأعراف (7): آية 143

﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (141)

141 - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا إذ أنجيناكم من آل فرعون، فكيف تنكصون إلى الوثنية؟ ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ عذاب العبودية ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ تقتيل الأبناء الذكور وترك الإناث، تمهيدا لإفنائهم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ البلاء هو النعمة أو المحنة، وأصله الاختبار، ولمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمحنة، وتارة بالمنحة أطلق عليهما معا.

﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (142)

142 - ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ المراد بالليلة في كلام العرب ما يشمل الليل والنهار معا، فهي بمعنى يوم وليلة، ويحتمل أن تفصيل الميقات بثلاثين ليلة مضافا إليها عشرا، أن موسى أمضى الثلاثين يوما الأولى في التهيؤ الروحي بالاعتكاف والصيام والتعبّد بحيث كان مستعدّا لتلقي الوحي في الأيام العشرة التي تلتها ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأنه سبق لموسى أن رأى ميلا من قومه إلى عبادة الأصنام، راجع الآية (138).

﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (143)

143 - ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ رأى

86

سورة الأعراف (7): آية 144

سورة الأعراف (7): آية 145

موسى ما حلّ بالجبل فخرّ صعقا، والصعق بمعنى الغشيّ وليس الموت، لأنه بعد ذلك أفاق ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تأكيد على أن طلبه الرؤية لم يكن نابعا من عدم إيمانه وقوله ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بمعنى أكثرهم إيمانا وأولهم من قومه.

﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (144)

144 - ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ اختاره الله تعالى وفضله على الناس، لأن الصفوة هي النخبة، وقد اختصّه تعالى من دون الناس بأمرين: الرسالة، والتكليم بلا واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ من الوحي، أي تمسّك به واعمل به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بالقيام بما يتطلبه ذلك، من العلم والعمل.

﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (145)

145 - ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ موعظة من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في أمور دينهم، من المواعظ من جهة، وتفصيل أحكام الشريعة من جهة ثانية، ولعل الحكمة من كتابة الوحي في الألواح أن بني إسرائيل كانوا قوما بدائيين لا يؤمنون إلا بمشاهدة العين، ولم يكونوا ذوي رقيّ فكري أو روحاني، ولذلك كانت المعجزات المادية العديدة على يد موسى كفلق البحر وغيره مما تلمسه الحواس، ورغم ذلك فقد لقي موسى عليه السلام منهم أشد العنت ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ تمسّك بما كتبنا فيها، واعمل بها بعزيمة ونية صادقة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ بعد أن ذكر تعالى أنه كتب لهم في الألواح من كل شيء، أمرهم أن يأخذوا ويعملوا بأحسن ما يستطيعون فهمه من معناها البديهي، بحسن نية وبلا تنطع، ولا تتبع للدقائق الصغيرة مما اشتهر به بنو إسرائيل، وبما يمنع المخادعة والفتاوى الملتوية واستخدام الحيل الشرعية مما اشتهر به أحبارهم وذوو النوايا السيئة منهم إلى اليوم، فإن الله

87

سورة الأعراف (7): آية 146

لا يكلف نفسا إلا وسعها ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ سوف تشاهدون عاقبة العصاة الذين لا يتّبعون الوحي ولا يعملون به، بل يكذّبونه ويتكبرون عنه، كما سوف يلي تفصيله في الآية التالية، وقد يكون في ذلك كشف عن الغيب، أي إنه تعالى سوف يريهم المآل الذي ينتهون إليه بسبب فسوقهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه تعالى سيكشف لهم أحوال الفاسقين الداخلية، والتعاسة والمصاعب التي يعيشونها، والمآل الذي ينتهون إليه، فلا ينبغي أن يغترّ المؤمنون بظواهرهم الخارجية من الترف والرفاه.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (146)

146 - تتمة الخطاب من الآية السابقة، بعد نزول الوحي على موسى:

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ كالذين يظنّون أنهم الشعب المختار، وقد طغت عليهم مشاعر العرق المتفوق والعنصرية المنغلقة والاستعلاء على بقية البشر، وتصنيف الناس إلى صنفين: يهود وأغيار أي غير يهود، ويبيحون لأنفسهم استعباد الأغيار أبد الدهر، انظر (سفر لاويين 39/ 25 - 46)، ويأمرون بتقتيلهم وإبادتهم، انظر (سفر صموئيل 3/ 15) و(سفر التثنية 20/ 25، 16/ 19)، والحاخامات يقولون: أفضل الأغيار اقتله، ويعتبرون كل نساء الأغيار بغايا، ولحومهم كلحوم الحمير، وعقوبة الاتصال الجنسي معهم كعقوبة خطيئة الوصال مع الحيوانات، وشهادة الأغيار غير مقبولة في المحاكم الحاخامية لأنهم كذبة بالفطرة، ويعتبرون أنّ تقاضي أكبر قدر من الربا منهم واجب ملزم، ويبيحون الغش والخداع والاحتيال في التعامل معهم، بل وسلب ممتلكاتهم، ويحرّمون إقامة الأغيار في أرضهم أو مد يد العون لهم، وغير ذلك كثير (الموسوعة التلمودية، ميشناه توراة، انظر إسرائيل شاحاك)، وهذه الوصايا من ضمن 613 واجبا دينيا ملزما عندهم صدرت في كتاب سمّوه: "كتاب التربية" طبع مرات عديدة بدعم مالي من

88

الحكومة الإسرائيلية، وهو الكتاب الأكثر شعبية في إسرائيل من هذا النوع في الوقت الحاضر.

سورة الأعراف (7): آية 147

فمن سننه تعالى في خلقه أنّ من شأن مثل هذا الكبر والضلال، بل أقل منه بكثير، أن يصرف أصحابه عن النظر في الحق والآيات، ولمّا كان تعالى قد سنّ قوانين الكون بكاملها فإنه ينسب الصرف عن الآيات إلى ذاته العلية، وإن كان ذلك نتيجة طبيعية لسلوك الإنسان وخياره الحر، وذلك مكرر في العديد من آيات القرآن الكريم، انظر شرح آية [البقرة 7/ 2]، والآية استمرار لما سبقها بمعنى أن مآل الفاسقين الموصوفين في الآية السابقة، هو الضلال عن الآيات ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ تعمى بصائرهم عن الحقيقة، وقد رأى بنو إسرائيل منذ خروجهم من مصر الكثير من الآيات، كفلق البحر، وتظليل الغمام عليهم في سيناء، ونزول المن والسلوى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ وهو ما جاءهم به موسى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ كاتباع ما يزعم أحبارهم أنه وحي، والإشارة أيضا عامة لمن يعتقدون أن الفكر هو المقياس الوحيد للحق والباطل، وللخير والشر، وللصحيح والخطأ، ويرفضون الخضوع للمقياس الأخلاقي المطلق، وهو مقياس الوحي ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ ذلك الصرف عن الآيات وعدم الإيمان بها، وعدم اتخاذ سبيل الرشد، واتخاذ سبيل الغيّ، كل ذلك بسبب اختيارهم التكذيب بالآيات على التصديق بها، وبسبب كونهم غافلين عن حقيقتها، وتركيزهم على المادة والأهواء والشهوات، فاجتمع عندهم التكذيب والغفلة معا، وهذه الآية قاعدة اجتماعية عامة ليست مقتصرة على بني إسرائيل، ثم بيّن تعالى في الآية التالية عاقبة أمثالهم:

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (147)

147 - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ الملاحظ أن كتب اليهود، أي العهد القديم ومن ضمنه ما يزعم أنه التوراة التي حررها

89

أحبارهم ليس بها أي ذكر للآخرة باستثناء سفر دانيال، ومن شأن هذا الإنكار أن تحبط أعمالهم، أي يبطل ثوابها، فهي بلا جدوى ولا يستفيدون منها ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاؤهم مرتبط بأعمالهم.

سورة الأعراف (7): آية 148

﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ (148)

سورة الأعراف (7): آية 149

148 - ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهاب موسى لميقات ربّه ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وردت الإشارة لعبادة العجل الذهبي في آية [البقرة 51/ 2]، كما وردت بمزيد من التفصيل في سورة طه [83/ 20 - 97]، ويلاحظ أنه في كل مرة تذكر فيها القصة لا يتم إيراد سوى النقطة أو النقاط الملائمة للموضوع، ولإظهار العبرة أو العبر المناسبة للسياق، وهو ما يلاحظ في جميع القصص في القرآن، لأنّ القصص في القرآن الكريم لا ترد لمجرد التأريخ أو الرواية، وفي هذه الآية نلاحظ المفارقة الحادة بين اعتكاف موسى على الجبل وروحانيته المتناهية وابتهاله إلى الله، وبين فساد قومه وماديتهم وعبادتهم العجل الذهبي في غيابه، وقد كانوا صهروا بعض الحليّ التي أحضروها معهم من مصر وصنعوا منها عجلا ذهبيا اتّخذوه معبودا، ويبدو أن الخوار، وهو صوت العجل، كان يصدر عند هبوب الرياح من خلال جسد العجل المفرّغ، وقد حاولوا بذلك تقليد العجل إبيس Apis في معبد الإله المصري عزيريس Osiris في العاصمة المصرية ممفيس، لشدة تأثرهم بالوثنية المصرية، وقد رأى الألوسي في روح المعاني أنّ كثيرا من الناس اليوم عبيد للذهب والدينار والدرهم، فهي العجل المعنوي لهم، وإن لم يسجدوا لها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ فلا يستجيب العجل لعبادتهم، ولا يبيّن لهم الحق من الباطل ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ معبودا ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ لأنفسهم، لأن عاقبة الضلال تعود عليهم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء 15/ 17].

﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149)﴾

90