بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 91 - 99

سورة الأعراف (7): آية 150

سورة الأعراف (7): آية 150

149 - ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي لمّا اشتد ندمهم على ما فعلوا، وهي النتيجة الطبيعية للضلال، ويقال للنادم المتحير سقط في يده مجازا، بمعنى سقط الندم في يده ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ اعتراف منهم بأنه لا يسعهم بعد الضلال سوى رحمة ربهم.

﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (150)

150 - ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا﴾ غضبان على أخيه هارون لما رأى من ضعفه مع قومه وعدم ضبطه لهم، وأسفا حزينا على ما بدر من قومه من الكفر والشرك ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ الخطاب بالجمع: لأخيه هارون لضعفه مع القوم، ولقومه بسبب كفرهم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل معنيين: الأول: أجعلتم من أمر ربّكم عجلا يعبد؟ والثاني: استعجلتم وأشركتم ولمّا يأتكم أمر ربّكم؟ أو استعجلتم وأشركتم بعدما لقّنتكم التوحيد ونهيتكم عن الشرك؟ أو استعجلتم واستوجبتم غضب ربّكم بهذا الكفر؟ ومنه قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء 37/ 21]،

﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ ذهل عنها من شدة الغضب، وعمّا فيها من الأمر بالحلم عند الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ من شدة غضبه وحزنه، ظنّا منه أنه قصّر في كفّ القوم عن عبادة العجل ﴿قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ اعتذر هارون بالضعف وخوف القتل، وفي آية أخرى اعتذر بالخشية من وقوع النزاع والفرقة بين قومه [طه 94/ 20]، ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ فيزداد موقفي سوءا ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تسوّيني بهم، لأن ما فعلوه كان رغما عني ولم أقبل به.

91

سورة الأعراف (7): آية 151

سورة الأعراف (7): آية 152

سورة الأعراف (7): آية 153

﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (151)

151 - ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي﴾ إلقاء الألواح، وما بدر منّي في غضبي ﴿وَلِأَخِي﴾ لضعفه وعدم ضبطه قومه ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ التي وسعت كلّ شيء ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.

﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (152)

152 - تتمة الخطاب من الآيات (146 - 147): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، وأصرّوا عليه، أو أصرّوا على الضلال، لأن حكم التائبين مذكور في الآية التالية (153)، ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالقهر والتشتت ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الذين يفترون على الله الكذب بإضفاء الألوهية على مخلوقات مادية أو أشياء وهمية، أو بابتداع أفكار ومبادئ ينسبونها إلى الله تعالى، والإشارة في الآية غير مقتصرة على قوم موسى وقتئذ، وإنما تشمل بني إسرائيل من بعده لقوله تعالى ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ للمستقبل، ولأن الأحبار افتروا الكذب على الله بتأليف كتب من عند أنفسهم وزعموا أنها التوراة ونسبوها إلى الله تعالى، وافتروا فيها أبشع أنواع الكذب على أنبيائهم، ثم افتروا بعدها الكذب على عيسى المسيح، وعلى النبي عليهما الصلاة والسلام، ولا يزالون يفترون جميع أنواع الكذب حتى عصرنا هذا، وقد نالهم من الذلة في الحياة الدنيا عبر العصور ما هو معروف، وقد نصّت آية [المائدة 33/ 5] على جزائهم.

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (153)

153 - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا﴾ تابوا وآمنوا بعد عمل السيئات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد التوبة والإيمان ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالإيمان والتوبة عن السيئات يستوجبان المغفرة.

92

سورة الأعراف (7): آية 154

﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (154)

154 - ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ زال عنه الغضب وعاد ساكنا ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ يزعم اليهود في كتبهم المقدسة التي ابتدعوها أن الألواح تكسّرت عندما ألقاها موسى في غضبه (سفر الخروج 19/ 32)، وقد يكون في هذا الزعم محاولة تبرير من قبلهم لكونهم أضاعوا التوراة وتلاعبوا بها، والقرآن لا يذكر شيئا عن تكسّر الألواح، والمعنى أنّها بقيت سالمة ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ أي في الكتابة المنسوخة عليها، والنسخ بمعنى الكتابة ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ هدى من الضلال، ورحمة من الشقاء ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي إنّ الهدى والرحمة مختصة بالذين يخافون ربهم يقينا.

سورة الأعراف (7): آية 155

﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (155)

155 - ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أي اختار من قومه سبعين رجلا، - بحذف حرف الجرّ وهو شائع في القرآن، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الرابع - ويحتمل أيضا أن يكون تقدير الكلام: اختار موسى قومه لميقاتنا، بأن يكون المراد من قومه المعتبرين منهم فقط، فيكون قوله ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ بيانا لعددهم، أي اختارهم من نجباء القوم، أهل الاستعداد والصفاء والإرادة، والمعنى أنّ موسى خرج بهؤلاء السبعين لميقات ربّه، ويبدو أنه الميقات المشار إليه في آية [البقرة 55/ 2]، ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سورة البقرة أن الصاعقة أصابتهم عندما طلبوا أن يروا الله جهرة، ويحتمل أنها أصابتهم بالرجفة حتى أغمي عليهم، وقال الألوسي إنها رجفة البدن واقشعرار الجسد وارتعاده لشدة الرهبة ﴿قالَ﴾ بمعنى الدعاء ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ من قبل، أي عندما وافقوا قومهم على عبادة العجل، أو عندما تحدّوا موسى وطلبوا أن يروا الله جهرة ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ ما فعلوه من عبادة العجل

93

سورة الأعراف (7): آية 156

والمعاندة ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ الفتنة هي الاختبار المقصود منه إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، والخطاب اعتذار من موسى عمّا وقع من قومه، بمعنى أنّ الحياة الدنيا اختبار وابتلاء للعباد ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ بنتيجة الفتنة يضلّ تعالى من خلقه من يشاء الضلال، فيتركه لخياره ولنفسه، ويهدي منهم من يشاء الهداية، فيحيطه بتوفيقه ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ القائم بأمورنا في الدنيا والآخرة، لا أحد غيرك ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا، لا تؤاخذنا عليها ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بفضلك وإحسانك ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ لأنه تعالى يغفر لعباده بمحض الكرم والتفضّل.

﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (156)

156 - ﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وهو تتمة دعاء موسى عليه السلام، فبعد الإقرار أنه تعالى وحده القائم بأمور خلقه، طلب موسى المغفرة والرحمة، ثم أضاف عليها طلب حياة حسنة في هذه الدنيا، من العافية وبسط الرزق، والتوفيق للطاعة، وعز الاستقلال والملك، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول الجنة ونيل الرضوان ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ وقد يكون أنهم سمّوا يهودا لهذا السبب، أي تبنا ورجعنا إليك، بعد تفريط سفهائنا من طلب الآلهة وعبادة العجل، وتقصير خيارنا في الإنكار عليهم، وطلب الرؤية، وتمرد المغرورين ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ أي كان من سبق رحمتي غضبي أن أجعل عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة المجرمين ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، فهي من صفاتي القديمة الأزلية التي قام بها أمر الكون، والعذاب ليس من صفاتي بل من أفعالي المرتبة على صفة العدل، ورحمتي عامة لكل مخلوق، ولولاها لهلك كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ خاصة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفر والمعاصي والفجور والفساد والتمرد ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لأنها دلالة على

94

سورة الأعراف (7): آية 157

عدم استيلاء الدنيا عليهم، وهي أيضا دلالة على ترجمة عقيدتهم إلى أعمال، وفي الآية تعريض بشدة حب اليهود للدنيا، وتهالكهم على جمع المال بشتى الوسائل ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه من دون الإيمان تحبط الأعمال ولا تنفع صاحبها شيئا، والإيمان لا يكون مقتصرا على الإيمان بالوحي الذي نزل على رسول دون غيره، وإنما الإيمان بكامل الوحي الذي نزل على الأنبياء والرسل، وخاصة الإيمان بالآيات التي نزلت على خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ بالنسبة إلى من أدرك بعثته، كما هو مبيّن في الآية التالية، وفي الآيات (157 - 158) إحدى العبر الرئيسة في هذه السورة من قصة موسى مع بني إسرائيل:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (157)

157 - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ استئناف الخطاب من الآية السابقة، والمعنى سأكتب رحمتي للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بالآيات، وهم المتصفون باتباع هدي خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ، وفي ذلك حث لبني إسرائيل على اتباعه شرطا لقبول توبتهم المشار إليها بقول موسى ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾،

﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقيل هذه الصفة نسبة إلى العرب، لأن الأميّة كانت غالبة فيهم، وفي هذا الوصف تنبيه على إعجاز الرسالة، لأن الوحي نزل مشتملا على المعجز من علوم الدنيا والآخرة، وعلى الأخبار الصحيحة عن الرسل والأقوام الغابرة التي كانت قبل الرسول ﷺ، في حين لم يكن بمقدوره ﷺ أن يطّلع على كتب اليهود والنصارى ولا غيرها، بل إنّ الوحي نزل بتصحيح ما ورد فيها من انحرافات ومتناقضات، فهذه الصفة هي صفة مديح بالنسبة إليه ﷺ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾

95

﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ورد الكثير من البشارات في كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد، ومع أن كتبهم التي بين أيدينا مشحونة بالمتناقضات والمغالطات التي أدخلها الأحبار والكهنة والكتبة، فإنها لا تزال تشتمل على شذرات من الحقيقة، ومنها النبوءات الكثيرة عن النبي الخاتم، وقد ورد تفصيل هذه النبوءات في كتاب الأستاذ عبد الأحد داود (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى)، وإحدى هذه النبوءات الكثيرة ما ورد في سفر (يوحنا 19/ 1 - 25) أنّ اليهود كانوا بانتظار قدوم ثلاثة أنبياء وهم: إيليا، والمسيح، والنبي المنتظر، ثم إنّ اليهود رفضوا المسيح والنبي المنتظر معا بعد ظهورهما، ولا يزالون ينتظرون، أما المسيحية فقد أقرّت بالمسيح مجرد رمز لها، ورفضت النبي الأحمد المنتظر،

﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما تعرف العقول والفطرة السليمة صوابه، كعبادة الله وحده ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره العقول السليمة والفطرة، كالشرك وعبادة الأوثان ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ التي يستطيبها الطبع، لأن الأصل في الطيّبات الحل، إلاّ بدليل منفصل ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ التي اخترعوا في كتبهم كل المبررات لارتكابها حتى أنهم نسبوها إلى أنبيائهم، والخبائث كل ما يستخبثه الطبع ويكون في تعاطيه المضرّة للنفس وللمجتمع، فالأصل فيه الحرمة، إلا بدليل منفصل ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يخفف عن اليهود ما كلّفوا به، أو كلّفوا أنفسهم به من التكاليف الشاقة عن طريق الأحبار، انظر شرح آية [آل عمران 93/ 3]، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك، والأغلال جمع غلّ وهي القيد الحديدي الذي يجمع يدي الأسير إلى عنقه، واستعمالها في الآية من قبيل الاستعارة لبيان ما كان بنو إسرائيل يرزحون تحته من تعسف الشرع الذي ابتدعه أحبارهم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بالنبي محمد ﷺ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ منعوا العدو منه، حتى لا يقوى عليه عدوّ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن الكريم، وعبّر عنه بالنور

96

سورة الأعراف (7): آية 158

لظهوره بنفسه في إعجازه وصدقه، فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه، والمظهر لغيره ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون الفائزون.

﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (158)

158 - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ بمن فيهم اليهود، وهذا الخطاب المعترض ضمن قصة موسى قصد منه التوضيح ومقارنة بعثة النبي ﷺ مع ما سبق من بعث الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم خاصة لمعالجة أوضاع اجتماعية معينة لدى تلك الأقوام، بما في ذلك بعثة موسى وعيسى عليهما السلام، في حين أن النبي ﷺ بعث للناس كافة، ورسالته تتخطى الأقوام والثقافات، إلى كل الشعوب والثقافات في الدنيا، وهي أيضا رسالة صالحة ومقصودة لكل العصور، لكونه ﷺ خاتم الأنبياء والرسل،

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبعث النبي ﷺ إلى الناس كافة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ المتفرد والمتصرف بملكه، والمدبّر لخلقه، فلا مستحق للعبادة سواه ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ قادر على الإحياء والإعادة والحشر ثم الحساب ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنه بعد هذه الحجج لم يبق للعاقل المنصف إلاّ الإيمان بالله وبرسوله، إذ لن يكون بعده رسول، والخطاب موجّه للناس عامة بمن فيهم اليهود ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ تكرار الإشارة لأمّيته تأكيدا على الإعجاز، فالرسول لم يكن على خلفية بأي من الثقافات العالمية التي كانت في زمنه أو قبله، كما لم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ولا التعلم منهم، لأن مكة لم تكن بلدا للعلماء، وما غاب الرسول عن مكة غيبة طويلة حتى يقال إنه في تلك المدة تعلم العلوم الكثيرة، فكان ظهور هذه العلوم السماوية عليه من أعظم المعجزات ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ تأكيد على وحدة الرسالات والوحي، فهو يؤمن بما أنزل عليه وما أنزل على من سبقه من الرسل ﴿وَاِتَّبِعُوهُ﴾ اتباع تصديق وقبول وإذعان وعمل ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة إذا أعملتم العقل والتفكير.

97

سورة الأعراف (7): آية 159

سورة الأعراف (7): آية 160

﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (159)

159 - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون الناس بالحق، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي المشار إليه في الآيتين السابقتين ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وفي آيات [آل عمران 113/ 3 - 114] توجد إشارة إلى أمثال هؤلاء الناس أيضا، والمقصود أنه مهما كانت الغالبية من القوم على درجة من العصيان والتعصب والضلال، ممّا طبع تاريخ اليهود بشكل خاص على مر العصور، فإنه يوجد دوما من الناس الأتقياء بينهم، مهما قلّ عددهم، من يهتدي بهدي الرسل ويدخل الإسلام، ويعمل بموجبه، وفي الآية إشارة أيضا أنه تعالى يحاسب الناس فرادى، ولا يأخذهم بجريرة قومهم.

وفي تفسير (أمّة) هنا خرافات إسرائيلية نقلها الطبري عن ابن جريج، قال هم سبط من بني إسرائيل ساروا في نفق من الأرض فخرجوا من وراء الصين إلخ ..

قال الشيخ رشيد رضا: وابن جريج على سعة علمه وروايته وعبادته شر المدلّسين تدليسا، وأئمة الجرح والتعديل لا يعتدّون بشيء يرويه، ونقل هذه الخرافة كثيرون وبحثوا فيها مباحث لا يستحق شيء منها أن يحكى (المنار).

﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (160)

160 - ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا﴾ من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن جعلهم فرقا متميّزة بعدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكي ينتظموا ولا تقع فيهم الفوضى والهرج والمرج، انظر شرح آية [المائدة 12/ 5] عن بعث النقباء الاثني عشر فيهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وهي نعمة ثانية من نعمه تعالى عليهم في الصحراء القاحلة،

98

وتقدير الخطاب: فضرب فانبجست، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن الانبجاس بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ وهي نعمة ثالثة، لأن بني إسرائيل قضوا أكثر من أربعين عاما في صحراء سيناء، حيث لا شجر ولا ظل يقيهم أشعة الشمس الحارقة، وقد جاؤوا سيناء بأعداد كبيرة بلا استعداد، فلولا معجزة الماء وتظليل الغمام عليهم لهلكوا ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ طعاما لهم يقيهم المجاعة في الصحراء، وهي النعمة الرابعة المذكورة في هذه الآية، قال بعضهم إنّ المنّ كان يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، وبرحمة الله توافرت لهم أيضا السلوى، وهي طيور السمّان بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل إنها كانت طيورا مهاجرة من إفريقية ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء متعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ رزقا إلهيا بلا تعب ولا عمل ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفران كل هذه النعم المذكورة وغيرها من النعم الكثيرة ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بمعصيتهم وذنوبهم، وأنّ عاقبة معصيتهم مقتصرة عليهم لا غير، وضرر الكفر يعود عليهم، راجع أيضا آية [البقرة 57/ 2]، ويلاحظ الإعجاز في تحقق هذه النعم التنظيمية والمعاشية لبني إسرائيل في ظروف مناخية شديدة الصعوبة، ومن يزور صحراء سيناء اليوم يدرك ضخامة هذا الإعجاز، إذ حتى في ظروف الحضارة الراهنة يعتبر من الصعوبة البالغة تنظيم وتزويد أعداد كبيرة من البشر بالطعام والشراب والمأوى في بيئة سيناء القاسية لسنين طويلة، أضف إلى ذلك أن اليهود جاؤوا إلى سيناء من غير استعداد ولا تحضير مسبق، ثم إنهم كانوا محاطين بالأعداء من كل جانب، فكانوا محط العناية الإلهية، كل ذلك ممّا يزيد من فداحة ظلمهم الذي تشير إليه الآية، بسبب كفرانهم كل هذه النعم الإلهية.

99