بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 172 - 179

سورة التوبة - 9 - مدنية

سورة التوبة - 9 - مدنية

مقدّمة

نزلت سورة التوبة في السنة التاسعة من الهجرة، في المدة التي سبقت حملة تبوك وخلال الحملة وبعدها، واشتقّ اسم السورة من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (104)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (117)، وهي أيضا تسمّى سورة براءة لقوله تعالى في مطلع السورة: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (1)، ويلاحظ بالمقارنة مع بقية سور القرآن الكريم أن هذه السورة لا تبدأ بآية البسملة باسم الله الرحمن الرحيم لأن آية البسملة لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقد أمر النبي ﷺ بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال ولم يأمر أن تبدأ بآية البسملة، ثمّ كان هذا سببا لاختلاف بعض الصحابة في حقيقة سورتي الأنفال والتوبة، أهما سورة واحدة أم سورتان؟ فقال بعضهم هما سورة واحدة، لأن كلتيهما نزلت في القتال والعهود، ومجموعهما مئتان وست آيات فتكون هذه السورة السابعة من الطوال - ابتداء من البقرة وانتهاء بمجموع الأنفال والتوبة -، مع العلم أنه انقضت سبع سنوات بين نزول الأنفال ونزول التوبة، ومن الصحابة من قال: بل هما سورتان، واستنتجوا من عدم بداية سورة التوبة بالبسملة دلالة على أن البسملة آية مستقلة بذاتها، لأنّ بعض الناس يتنازعون في كون باسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن أم لا.

172

الخلفية التاريخية

سورة التوبة ذات علاقة بالأحداث التي تلت صلح الحديبية (ذي القعدة العام 6 هجرية)، فخلال مدة عامين بعد الصلح أخذ الإسلام ينتشر سلما وتزداد قوته في الجزيرة العربية بصورة كبيرة، ممّا أدّى إلى جزع قريش ونفاد صبرها، فنقضت شروط الصلح بأن زودت بالسلاح حلفاءها من بني بكر وظاهرتهم على حلفاء النبي ﷺ من بني خزاعة حتى اعتدوا عليهم، وقتّلوا منهم، فلم يمهل النبي ﷺ قريشا أن تحشد قواها للعدوان فبادرها بفتح مكة (رمضان العام 8 هجرية)، ثم جمعت الجاهلية فلولها في محاولة أخيرة للقضاء على المسلمين في وقعة حنين (شوال العام 8 هجرية) فلحقت بها الهزيمة، ومن ثمّ دخلت الجزيرة العربية بكاملها في الإسلام خلال عام واحد بعد وقعة حنين، عدا جيوب محدودة متفرقة منها.

وقد ساهم في نجاحات المسلمين الأحداث التي تمت على الجبهة الشمالية في سورية قبل فتح مكة بأربعة شهور، ففي شهر (جمادى الأولى العام 8 هجرية) بعث النبي ﷺ قوة مكونة من ثلاثة آلاف رجل لمجابهة تحدي بيزنطة وقبائل العرب المتحالفة معها بعد أن قتلوا رسل النبي التي تدعوهم إلى الإسلام، وفي مؤتة كان اللقاء بين قوة المسلمين الصغيرة من جهة، وبين قوة ضخمة من الروم والعرب الغساسنة من جهة ثانية قيل إن عددها بلغ مئة وخمسين ألفا، وحتى لو كان هذا الرقم مبالغا فيه فالنتيجة أن المسلمين تمكنوا من قتال عدوهم ثم الانسحاب من المعركة دون أن يحقق الروم نصرا حاسما عليهم.

وكانت بيزنطة قد توجسّت من انتشار الإسلام في جزيرة العرب، وخشيت من توحيد العرب في دولة قوية، فلم يشأ هرقل إمبراطور بيزنطة أن يترك أمر المسلمين يتعاظم، خاصة بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في حنين، فاستعدّ مع حلفائه من عرب الشام لغزو المسلمين في المدينة وحشد الجيوش لذلك، ثمّ لم تلبث هذه الأخبار أن وصلت إلى النبي ﷺ ولم تنقض سوى ستة شهور بعد

173

عودته من حنين، فعزم على الخروج للقاء الروم في سورية كما هي عادته في أخذ زمام المبادرة دفاعا لا عدوانا، ولم تمنعه ظروف الجفاف والحرارة الشديدة التي كانت سائدة وقتئذ في الحجاز، وأنّ وقت الحصاد كان قريبا، وعلى غير عادته في غزواته السابقة من كتمان أمره، وكتمان وجهة سيره، فقد جاهر النبي ﷺ في هذه المرة بالغرض من حملته وبعث في القبائل يدعوها للاشتراك معه في غزو الروم حتى اجتمع لديه في المدينة ثلاثون ألف رجل خرج بنفسه على رأسهم (رجب العام 9 هجرية)، وكانت أكبر قوة عددية اجتمعت له في تاريخ البعثة، فلمّا وصل بالجيش إلى تبوك تبيّن أن الروم تخلوا عن خطتهم لغزو المدينة، أو أنهم صرفوا النظر عنها مؤقتا، ويبدو أنّ هرقل انسحب ولم يجرؤ على المجابهة عندما علم أنّ النبي ﷺ جاء بنفسه على رأس جيش المسلمين، وفي الحديث:

«نصرت بالرعب مسيرة شهر» رواه البخاري وغيره، والتزاما بالموقف الدفاعي الذي اتخذه النبي ﷺ طيلة بعثته، عاد بالجيش إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين يوما عقد خلالها المعاهدات مع قبائل العرب التي كانت متحالفة مع الروم، وبذلك امتدت سلطة المسلمين إلى حدود بلاد الشام.

وخلال الإعداد لغزوة تبوك، بدا من ضعاف الإيمان والمنافقين في المدينة ومن بعض الأعراب، تثاقلهم وكراهتهم الاشتراك في حرب الروم مع النبي ﷺ، وقد فصّلت السورة العبر من ذلك.

وبعد العودة من غزوة تبوك بشهور قلائل - أي في شهر (ذي القعدة العام 9 هجرية) - بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق (ر) إلى مكة أميرا على الحج، ثم أتبعه بعلي ابن أبي طالب (ر) ليقرأ على الناس مطلع سورة براءة إنذارا لمن نقض العهود من المشركين، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون من أهل المدينة ومن الأعراب، وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنبذ رسول الله ﷺ العهد إليهم.

174

ارتباط السورة بما قبلها

الفارق الزمني الكبير بين نزول السورتين، مع ترتيبهما القرآني المتتالي، من مظاهر إعجاز القرآن الذي كان نزوله منجما على النبي ﷺ على مدى 23 عاما من بعثته الشريفة ومع ذلك كان يأمر، بحسب الوحي، بترتيبه ترتيبا متماسكا معجزا مغايرا لترتيب النزول،

فقد انقضت سبع سنوات بين نزول سورة الأنفال بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وبين نزول سورة التوبة قبل غزوة تبوك وخلالها وبعدها في السنة التاسعة من الهجرة، غير أن هنالك ارتباطا واضحا في موضوعهما، إذ اشتملت سورة الأنفال على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمان - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس.

ثم بعد غزوة مؤتة (جمادى الأولى 8 هجرية)، وفتح مكة (رمضان 8 هجرية)، ووقعة حنين (شوال 8 هجرية)، وغزوة تبوك (رجب 9 هجرية) وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بعد ذلك كله نزلت سورة التوبة تبين سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها، وفيها عبر ودروس أخلاقية للمسلمين تبين لهم المواقف العملية المترتبة عليهم لتحقيق سياسة الإسلام الداخلية والخارجية،

ونلاحظ أن سورة الأنفال تأمر المؤمنين أن يستجيبوا لله وللرسول عندما يدعوهم لما فيه حياتهم من الجهاد: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [24/ 8]، ثم تحذرهم سورة التوبة من ترك الجهاد والركون إلى الدنيا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [38/ 9]،

175

وهنالك مقارنة واضحة بين آخر سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال 75/ 8]، وبداية سورة التوبة بقوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 1/ 9]، أي على النقيض من كون جماعة المؤمنين المهاجرين المجاهدين منكم، فإنّ المشركين الذين نقضوا عهودهم معكم برآء منكم.

وفي بداية سورة التوبة قوله تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 1/ 9]، إشارة أيضا لقوله تعالى في سورة الأنفال المتقدّمة:

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال 55/ 8 - 57]،

محور سورة التوبة

بيان قاعدة مهمة في الدعوة وطريقتها وأن التقليد غير كاف في الدين، وأن لا بد من النظر والاستدلال والحجة والدليل، ولذا وجب إمهال المشركين لأجل التفكر بعد أن يسمعوا القرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (6)،

وأنه لا يمكن المساواة بين الشكليات وبين الجوهر، بين مجرّد القيام بالشعائر مهما كانت فاضلة، كونها مقتصرة على الشكل والمظهر، وبين الإيمان اليقيني والجهاد والتضحية، وعلى أية حال فإنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد إنّما توجب الفضيلة إذا صدرت عن المؤمن، أمّا إن صدرت عن غير المؤمن فلا يستفيد منها: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (19)،

176

ثم تبين أن مجاهدة الكفار والمنافقين إنما تكون بالحجة والفكر والإقناع: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (73)، وأما قتالهم فقد يضطر إليه المؤمنون بشروطه، وأنه يحرم التوصل معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (123)،

وأن الله تعالى لا يترك الناس على ضلالهم، بعد إذ هداهم بالفطرة، أو يعتبرهم ضالّين فيعاقبهم، إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة، ويبيّن لهم طريق الهداية بيانا واضحا تامّا: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (115).

المواضيع الرئيسية في سورة التوبة

بعد فتح مكة وما تلاها من غزوة تبوك وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بينت سورة التوبة سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها:

1 - الوفاء بالعهود مع المشركين، أو غيرهم، قاعدة إسلامية هامة، فالوفاء بالعهد من أصول البر ومقتضى الإيمان (الآية 4)، إلا في حال نقضهم العهد أولا (الآيات 1 - 3)،

2 - جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم (الآية 5)،

3 - إيضاح سياسة الإسلام تجاه مشركي جزيرة العرب (الآيات 28/ 1)،

4 - إيضاح موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب (الآيات 29 - 35)،

5 - إبطال النسيء (الآيات 36 - 37)،

6 - غزوة تبوك، وبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وطبائعهم وجهالاتهم، مما هو عام في المنافقين في كل الأزمنة (الآيات 38 - 129)، بالتفصيل التالي:

177

أ- الآيات (38 - 70): وصف أحوال المنافقين من أهل المدينة تجاه غزوة تبوك، الحث على النفير، تلكؤ المنافقين في الانضمام لغزوة تبوك، وبخلهم مع غناهم،

ب - الآيات (71 - 72): موقف المؤمنين بالمقارنة مع المنافقين، وحسن ختامهم،

ج - الآيات (73 - 87): وصف أحوال المنافقين، الحث على مجاهدة الكفار والمنافقين، كونهم ماديين مصرّين على الكفر والنفاق،

د - الآيات (88 - 89): موقف الرسول ﷺ والمؤمنين معه، وحسن ختامهم،

هـ - الآيات (90 - 98): طباع المنافقين من الأعراب بعد المنافقين في المدينة، والرخصة للضعفاء والمرضى والفقراء،

و- الآيات (99 - 100): إخلاص المؤمنين من الأعراب، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين،

ز - الآيات (101 - 110): الذين مردوا على النفاق من الأعراب والحضر، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وآخرون مرجون، والذين اتّخذوا مسجد الضرار،

ح - الآيات (111 - 112): بشرى للمؤمنين العاملين العابدين،

ط - الآيات (113 - 123): تحريم الاستغفار لمن مات على الكفر، أو لمن تبين إصراره على الكفر، والتوبة على المؤمنين، وتوجيههم لما يجب عمله،

ي - الآيات: (124 - 127): المنافقون الذين في قلوبهم مرض، انظر آيات [البقرة 6/ 2 - 20]،

ك - الآيات: (128 - 129): مخاطبة العرب والناس جميعا بمجيء رسول من أنفسهم حريص عليهم، فإن تولوا فالله تعالى رب الجميع، وهو أعلم بهم وبأعمالهم.

178

سورة التوبة (9): آية 1

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (1)

سورة التوبة (9): آية 2

1 - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ استمرار الخطاب من آية [الأنفال 75/ 8]، أي على النقيض من كون المؤمنين المهاجرين المجاهدين هم من جماعة المسلمين، فهذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فنقضوا عهودهم، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنزلت سورة براءة بنبذ العهد إليهم بعد حملة تبوك، والخطاب في قوله ﴿عاهَدْتُمْ﴾ عائد إلى المؤمنين، بمعنى أنّ الله ورسوله قد برئا من عهود المؤمنين مع المشركين الذين نقضوا عهودهم، وهذه البراءة أعلنت لهم في حج عام 9 للهجرة، الآية (3)، راجع الخلفية التاريخية أعلاه.

﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ (2)

2 - ﴿فَسِيحُوا﴾ أيها المشركين، أي اذهبوا في الأرض حيث شئتم، فأنتم آمنون من القتل والقتال في مهلة أربعة أشهر، وأصل الفعل من السياحة، وهي السفر في الأرض بعيدا مع ما كان يتطلبه ذلك في زمانهم من الإقلال من الطعام والشراب، ولذا قيل للصائم سائح، لأنه يشبه السائح عندهم في تركه الطعام والشراب ﴿فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهي مهلة ناقضي العهد من المشركين، أي إن الله تعالى قد أجّلهم تلك المدة، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر نقصت إلى الأربعة، ومن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر زادت إلى الأربعة، وللمشركين خلال هذه المدة أن يتفكروا ويحتاطوا لأمرهم، ولهم بعدها أن يختاروا إمّا الدخول في الإسلام، أو قتال المسلمين، أو مغادرة الجزيرة العربية، لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح آية [الأنفال 56/ 8]، والمدة بدأت من عاشر ذي الحجة عام 9 للهجرة، وقت إعلان البراءة للمشركين في الحج، وانتهت في عاشر ربيع الثاني من عام 10

179