بيان النظم في القرآن الكريمالجزء 2 · ص 180 - 187

سورة التوبة (9): آية 3

للهجرة، أما الذين حافظوا على العهود من المشركين فقد أمر تعالى المؤمنين إتمام كامل مدة العهد إليهم كما سوف يرد في الآية (4)، ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أنتم في ملك الله وسلطانه حيثما كنتم وحيثما ذهبتم، وإن أصررتم على الشرك والعدوان لا تجدون مهربا ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر منكم تكون عاقبتهم الذل والهوان.

سورة التوبة (9): آية 3

﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (3)

3 - ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان في اللغة هو الإعلام والإعلان بالشيء، ومنه الأذان للصلاة، أي إعلان وقتها ﴿إِلَى النّاسِ﴾ المعنى أن هذا الأذان أو الإعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس، والمقصود بهم سكان جزيرة العرب ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ليكن هذا الأذان إلى الناس جميعا، مؤمنين ومشركين، معاهدين وغير معاهدين، يوم الحج الأكبر، وهو يوم عرفة، لقوله ﷺ: «الحج عرفة»، لأن أهم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، وقيل هو يوم الأضحى يوم النحر، وقيل لأنّ العمرة هي الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي من عهودهم ﴿وَرَسُولِهِ﴾ أيضا بريء من عهودهم، وهو مضمون الأذان بالبراءة المشار إليها في الآية (1)﴾، والخلاصة، التأكيد على إعلان البراءة يوم الحج الأكبر ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون عن الشرك والكفر والغدر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ النفع يعود عليكم وحدكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن التوبة والإيمان ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ فهو قادر على مجازاتكم، وأنتم تحت قهره ومشيئته، ولا تضرّونه شيئا ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة، لأنه إن فاتهم عذاب الدنيا أو زال عنهم فلا يخلصون من عذاب الآخرة، وفي معنى البشارة قال الشيخ محمد رشيد رضا إنها ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إمّا بالتهلل وإشراق الوجه من السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإمّا بالعبوس وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن دو الخوف.

180

سورة التوبة (9): آية 4

سورة التوبة (9): آية 5

﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (4)

4 - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا الاستثناء من قوله تعالى ﴿بَراءَةٌ﴾، وفيه التفات الخطاب إلى المؤمنين، وتقدير الخطاب: براءة من الله ورسوله، إلى المشركين المعاهدين ناقضي العهود، إلاّ الذين لم ينقضوا العهد فأتّموا إليهم عهدهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط العهد ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ لم يحاربوكم ولم يحرضوا غيرهم على قتالكم ولم ينصروا عدوّكم ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ المعنى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام، وهو من أصول البر ومقتضى الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ [البقرة 177/ 2]، وقوله جلّ شأنه ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ [الإسراء 34/ 17]، فلا يجوز نقض العهد إلا بانتهاء وقته ما دام الطرف الآخر محافظا عليه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذي يتقون نقض العهود، ويتقون سائر المفاسد المخلة بالنظام والعدل.

﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (5)

5 - ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي الأشهر الأربعة المشار إليها في الآية (2)﴾، ومعنى انسلاخ الأشهر انقضاؤها، وهو استعارة، كما يسلخ ويكشط جلد الشاة الذبيحة من مكانه شيئا فشيئا، ويستعمل للمكان وللزمان كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس 37/ 36]، لأن الزمان ينسلخ شيئا فشيئا كما ينسلخ الضوء عن جانب من الكرة الأرضية فيخلّف الظلام وراءه ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحلّ أو في الحرم، وها هنا تحديد لما يجب على المؤمنين القيام به بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وهو قتال المشركين وقتلهم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أسرى ﴿وَاُحْصُرُوهُمْ﴾ تعبير عن محاصرتهم ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ لرصد تحركاتهم، ويلاحظ أنه قد أبيح

181

لهم أخذ الأسرى بعد أن كان محظورا عليهم بقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال 67/ 8] لتحقق شرط الإثخان وهو الغلبة والقوة والسيادة في الأرض، أي في جزيرة العرب ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الشرك ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كما فرضها الإسلام ﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ المفروضة للفقراء ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوا قتالهم وأطلقوا أسراهم ودعوهم أحرارا في تحركاتهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن.

هذه الآية التي يسمونها آية السيف، وقيل آية السيف هي: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (36)، وقيل هما معا، ويزعمون أنها نسخت الكثير من آيات العفو والمسالمة والصلح وحسن معاملة الآخرين وضمان حرية الدين والإعراض عن المشركين والجاهلين، والصواب أنها لم تنسخ شيئا لأن كلام الآية مخصص عن مشركي الجاهلية في جزيرة العرب دون غيرهم، ناهيك أن مبدأ النسخ غير مقطوع به وأقرب إلى البطلان راجع شرح آية [البقرة 106/ 2]، وأما حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، فالمقصود بالناس سكان جزيرة العرب دون غيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ﴾ (3) وقصد بهم أهالي جزيرة العرب، والناس لا يقصد بهم دوما عموم البشر، كما في قوله تعالى: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال 48/ 8] وقصد بهم المهاجرين والأنصار في وقعة بدر، ولأنّ من مقاصد السورة أصلا إيضاح أن تكون جزيرة العرب خالصة للإسلام والمسلمين، فمن لم يرغب من المشركين قبول الإسلام له أن يغادرها، وفي الحديث: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في مسنده، وكان آخر ما عهد به قوله: «لا يبرك بجزيرة العرب دينان»، لأنّ الجزيرة مهد الإسلام ومصدر قوته، فيخشى من إحياء عبادات المشركين

182

سورة التوبة (9): آية 6

والكفار ومن انتشار معابدهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا فيها، راجع شرح آية [الأنفال 56/ 8]،

وأما الناس عامة خارج جزيرة العرب فليسوا مقصودين بالآية ولا بالحديث، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة 256/ 2]، والآيات عديدة في ضمان حرية العقيدة والنهي عن العدوان وترجيح الصلح كما في آيات [البقرة 190/ 2 - 193]، [النساء 91/ 4]، [الأنفال 61/ 8]، [الممتحنة 8/ 60 - 9]، والآيات أيضا كثيرة جدا في أنّ الإسلام مبني على الدلائل والحجج والفكر والنهي عن التقليد، ممّا طبقه المسلمون عمليا في البلاد المفتوحة، وقد ضمنوا حرية الدين لأهل الكتاب، وفي الآية التالية مزيد من التأكيد والشرح عن هذا الموضوع:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (6)

6 - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ استجارك مجاز من الجوار، لأن الجار عند العرب يدفع عن جاره أنواع الضرر، والعرب تقول: أنا لك جار، أي أمنع الغير من الوصول إليك بضرر، والمعنى إذا جاءك، أيها الرسول، أحد المشركين طالبا الأمان فاستجب له ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وهو استثناء من الآية (5)﴾، لأنّ الكافر إذا جاء طالبا الحجة أو الدليل مستفهما عن القرآن، فيجب إمهاله ويمتنع قتله وقتاله، حتى يسمع ما يريد من القرآن والدلائل والبينات، فإذا رفض الإسلام بعد ذلك يجب إيصاله إلى قومه أو إلى مكان يأمن فيه على نفسه ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك الأمر بإجارة من يريد من المشركين، وإتاحة الفرصة لهم لسماع القرآن وفهمه، بسبب أن المشركين جاهلون لا يعلمون القرآن ولا الإسلام حق العلم، والخطاب وإن كان في الأصل موجها للنبي ﷺ فهو من ثمّ موجه للمسلمين للعمل به في كل وقت.

183

سورة التوبة (9): آية 7

سورة التوبة (9): آية 8

قال الرازي: "هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب عدم إمهال الكافر فيقال له إمّا أن تؤمن كما نؤمن وإمّا أن نقتلك، فلما كانت الآية تحرّم ذلك، بل أوجبت إمهال الكافر حتى يسمع كلام الله، كما أوجبت علينا أن نبلغه مأمنه، ممّا يدل أن التقليد في الدين غير كاف، وأن لا بد من الحجة والدليل، والإمهال لأجل التفكر".

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (7)

7 - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ استفهام إنكار مع التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين جبلوا على الوفاء بالعهود، إذ كان بعضهم عرضة لتشكيك المنافقين في موضوع نبذ عهود المشركين، والمعنى: بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بالمؤمنين كما ستبين الآيات التالية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي بجوار المسجد الحرام عند الحديبية، وهم بعض بني بكر من كنانة ممّن لم ينقضوا العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين قريش يوم الحديبية ﴿فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ تأكيد على المبدأ الإسلامي بوجوب الوفاء بالعهد مع المشركين وغيرهم ما داموا ملتزمين به ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الغدر ونقض العهود.

﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ (8)

8 - ﴿كَيْفَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة بعد عبارة الاستثناء المعترضة، والتقدير: كيف يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بكم ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن تكن لهم الغلبة عليكم ويظفروا بكم ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ الإلّ هو العهد أو الحلف

184

سورة التوبة (9): آية 9

سورة التوبة (9): آية 10

أو العقد أو الجوار أو القرابة، والذمّة أيضا العهد الذي يترتب على ضياعه مذمّة، والمعنى أن المشركين في حال ظفرهم لا يخافون عواقب سوء عملهم فيكم، ولا يراعون علاقات الجوار والقربى، ولا ما تستوجبه الأحلاف والعهود ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ فلا تنخدعوا بمعسول الكلام منهم ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ يضمرون الشر والأذى إن قدروا عليكم ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ أكثرهم خارجون عن مقتضى العهود والمواثيق ناكثون لها، وأقلهم الموفون بعهودهم، لأنّ الفسوق في اللغة هو الخروج والانفصال،

﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (9)

9 - ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ﴾ التي تدعوهم إلى الإسلام والاستقامة والوفاء بالعهود ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أى شيئا حقيرا من حطام الدنيا الزائل، وهو أهواؤهم ونزواتهم، وهذا شرح لسبب فسوقهم المذكور في الآية السابقة، أنهم استبدلوا شهواتهم ونزواتهم بآيات الله التي تحض على الوفاء والاستقامة، والخلاصة أنهم فضّلوا الدنيا على الآخرة ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ بسبب تهالكهم على الدنيا صدّوا الناس عن سبيل الله - الإسلام - من آمن به فعلا ومن يريد الإيمان أو يتوقّع منه ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من نبذ الآيات واتباع الشهوات والصد عن الإسلام.

﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (10)

10 - ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ وهذا سلوكهم مع المؤمنين عامّة ﴿إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ لا يرعون مع عامة المؤمنين حقوق القربى والعلاقة والذمّة، والمغزى أن المشركين ناقضي العهود لا يرعون حقوق معاهديهم من المؤمنين، فمن باب أولى أنهم لا يرعون حقوق المؤمنين إطلاقا ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ يعتدون على حقوق الذمة والقربى، ويبدؤون غيرهم بنقض العهود وبالظلم والعدوان.

185

سورة التوبة (9): آية 11

سورة التوبة (9): آية 12

﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (11)

11 - ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الكفر والغدر وعن الصد عن سبيل الله من آمن به، ومن يريد الإيمان، أو يتوقّع منه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ كما سائر المسلمين ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وقد أمرت الآية (5) بإخلاء سبيلهم في حال توبتهم، وها هنا تبين أنهم يصبحون إخوانا في الدين ﴿وَنُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ نبيّنها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الذين يتأملون ويتفكرون حتى يعلموا وجوه الحجج والبراهين كما فصلتها الآيات، بخلاف الجاهلين والمقلدين من الناس.

﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (12)

12 - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ من بعد عهدهم الذي عقدوه معكم، والآية تأكيد على البراءة، ويحتمل أن يشمل المعنى أيضا الذين ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ صاروا يعيبون الدين ويستهزئون به ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الأمر بالقتال ينطبق على ناقضي العهود دون غيرهم، لأنه لا ينفع مع أمثالهم سوى القتال بعد أن كشفوا ما في ضمائرهم من الشر، وأخرجوه من حيز النوايا إلى حيز التنفيذ، وهم لشدة إصرارهم على الكفر صاروا كأنهم أئمّة له يقتدي الكفار بهم، فهم قادة الكفر وحملة لوائه ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ لا أيمان حقيقية لهم يلتزمون بها، وهو سبب الأمر بقتالهم أنّه لا يعتدّ بأيمانهم ولا بعهودهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ وهي النتيجة المرجوّة من قتالهم، أن ينتهوا عن العدوان وعن الطعن في الدين، وليس مجرد إيذائهم، والكلام لا يزال في مشركي الجاهلية بجزيرة العرب، بدليل الآية التالية، راجع شرح الآية (5)﴾،

186

سورة التوبة (9): آية 13

سورة التوبة (9): آية 14

سورة التوبة (9): آية 15

سورة التوبة (9): آية 16

﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (13)

13 - ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ تحريض للمؤمنين على قتال المشركين ناقضي العهد ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، راجع آية [الأنفال 30/ 8]، ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ﴾ بالعدوان ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأنّ النبي ﷺ جاءهم أولا بالكتاب المنير، وألزمهم الحجة والبرهان، فقاتلوه لعجزهم عن معارضة القرآن، فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ المؤمن ينبغي أن يخشى الله، ولا يخشى أحدا سواه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيمان يقين وإذعان.

﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (14)

14 - ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ لأن النصر يحتاج إلى مجهود وعمل وتضحية من قبل المؤمنين، وليس مجرد الدعاء والتمنّي ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ ينزل بهم الذل والهوان ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فيكون تحقيق النصر على أيديكم بتوفيق من الله ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ بنتيجة إعزاز الإسلام وهزيمة الكفر، بعد أن كان المسلمون تحت القهر والاضطهاد.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (15)

15 - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا من الغدر والمكروه على يد المشركين ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ من المشركين، لأن منهم من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فقبل تعالى توبتهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أحاط علمه تعالى بشؤون خلقه، وما غاب عنهم ﴿حَكِيمٌ﴾ كل شيء يسير وفق حكمته البالغة في السنن التي وضعها في الخليقة.

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16)﴾

187