الفصل الأول عصر المؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته.
- المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته.
- المبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته.
الفصل الأول عصر المؤلف
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته.
- المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته.
- المبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته.
بسم الله الرحمن الرحيم
ينسب الكرماني إلى بلدة كرمان، وعنها يقول ياقوت الحموي: (بفتح الكاف ومنهم مَن يكسرها وسكون الراء، صقع كبير وإقليم واسع يشتمل على مدن كثيرة وبلدان واسعة وخيرات كثيرة، وفيها نخل كثير وتمر جيد يفوق تمر البصرة، وهي بين فارس وسجستان ومكران، وحدٌّ منها يتصل بحدود خراسان، والمنسوبون إليها لا يحصون كثرة) (1).
ومساحة هذه المنطقة الواسعة تبلغ 180 في 180 فرسخًا، وبذلك تغطي زهاء (179652) كيلو مترًا مربعًا (2)، ويوجد بالمنطقة العديد من المدن والقرى، منها: كرمان، وبردسير، وسيرجان، وبَمّ، وجيرفت، وزماشير، وهرمز، وسورو (التي تسمى حاليًا بندر عباس) وغيرها.
وهذه المنطقة كلها تعتبر حاليًا جزءًا من الجمهورية الإيرانية، وتذكر بعض الكتابات الجغرافية القديمة كرمان وبردسير على السواء على أنهما عاصمة كرمان، والسبب في ذلك هو أن الحاكم في بعض الأحيان كان يقيم في كرمان وأحيانًا في بردسير، وفي الحقيقة بردسير مدينة مختلفة عن كرمان وتفصل بينهما مسافة (50) كم (3).
ولكي يتم تصور موقع كرمان أكثر، أنقل للقارئ جدول المسافات التالي (1):
من كرمان إلى طهران = 1044 كم تقريبًا.
من كرمان إلى سورو (بندر عباس) = 547 كم تقريبًا.
من كرمان إلى بم = 193 كم تقريبًا.
من كرمان إلى سعيدأباد = 111 كم تقريبًا.
من كرمان إلى شيراز = 560 كم تقريبًا.
ومن المهم أن أشير إلى أن السلاجقة حكموا كرمان قرابة (150) عامًا، تبدأ من عام 433 هـ إلى عام 582 هـ، وهي الفترة التي عاش فيها محمود بن حمزة الكرماني (2)، ومن المهم أيضًا أن أشير إلى أن محمودًا هذا يقال إنه لم يغادر بلده كرمان، وفي ذلك يقول ياقوت: (لم يفارق وطنه ولا رحل) (3)، بينما نجد الكرماني يذكر عن نفسه في كتابه «النهاية شرح الغاية» أنه رحل إلى بغداد والتقى بعلمائها، واطلع على كتاب «الهداية في شرح مشكلات الغاية» لأحمد بن أبي بكر الضرير البغوي، فهذه رحلة علمية غَفَل عنها ياقوت (4).
لا نعرف تحديدًا دقيقًا لسنة ميلاد الكرماني ولا سنة وفاته، ولكننا نعلم أنه عاش النصف الثاني من القرن الخامس، وبعضًا من النصف الأول من القرن السادس.
وفي هذه الفترة كانت كرمان تحت حكم السلاجقة، وهم سُنَّةٌ، حيث حكمها عماد الدين قره أرسلان قاورد بن جغري بيك ابتداءً من عام 433 هـ إلى حين وفاته 465 هـ، وذلك بأمر من سلطان السلاجقة في ذلك الوقت طغرك بك، ولم يَخْلُ عصر قاورد من بعض المناوشات السياسية، مما كان سببًا في مقتله بالسمّ كما سيأتي.
ثم أُسند حكم كرمان لسلطان شاه بن قاورد وكان يلقَّب بركن الدين، فحكم مدة ثم توفي في عام 477 هـ.
ثم تلاه تورانشاه بن قاورد، وكان يلقب بمحيي الدين عماد الدولة، وكان عادلًا ومنصفًا بين الرعية، وعمد إلى تعمير البلاد، ومات في عام 489 هـ.
تلاه ابنه إيران شاه الملقب ببهاء الدين، وكان فاسقًا ظالمًا لا يهتم بالرعية، ويميل إلى اللهو والمتعة، ويتعاطف مع الإسماعيلية، فخرج عليه أهل كرمان وقتلوه بعد حكم دام خمس سنوات، وكان مصرعه في عام 494 هـ.
وكان إيران شاه أثناء حياته على خلاف مع ابن عمه أرسلان شاه بن كرمان شاه قاورد، وحاول إيران شاه قتل ابن عمه، وفرَّ أرسلان شاه، فلما هلك إيران شاه خرج أرسلان شاه ونصَّبَهُ أمراء كرمان وأعيانها سلطانًا للبلاد، وكان عادلًا محسنًا، واستمر يحكم البلاد مدة 42 سنة، إلى أن توفي في عام 536 هـ (1).
في هذه الأجواء السياسية كانت حياة الكرماني في كرمان.
ولم يختلف الأمر كثيرًا عن البلاد المجاورة لكرمان، فعموم بلاد فارس كانت فيها مناوشات عسكرية، حيث كان طغرل بك سلطان السلاجقة يُخضِع الدول المجاورة كالزيادية في طبرستان وجرجان عام 433 هـ، وفي العام التالي 434 هـ ضمَّ طغرل خوارزم إلى ممتلكاته، ثم أتبعها الري واتخذ منها عاصمة له، وتمكن كذلك من الاستيلاء على قزوين وأبهر وزنجان، فأصبح أمراء الديلم طوع أمره وأبناء علاء الدين كاكويه رهن إشارته، وهكذا اتَّسع نطاق نفوذه فبات يسيطر على إيران كلها تقريبًا.
ثم امتدت سيطرته إلى خراسان وهمدان 441 هـ، وأصفهان 443 هـ، ثم بغداد عام 447 هـ، وإزاء قوة طغرل وانتصاره لم يجد الخليفة العباسي «القائم بأمر الله» بدًّا من أن يصدر أمره بقراءة الخطبة باسمه وحذف اسم الملك الرحيم البويهي نهائيًا، وترسَّخت العلاقة بين الخليفة القائم بأمر الله وبين طغرل بك، لدرجة أن الخليفة تزوج من ابنة أخي طغرل بك جغري بك.
ولقد أغضب هذا الأمر المستنصر بالله الخليفة الفاطمي، إذ ساءه أن يكون المذهب السني يزدهر في هذه المناطق، فحرَّك أحد المماليك ويدعى أبا الحارس البساسيري لمهاجمة بغداد، وذلك حين كان طغرل خارجها، مما جعل الخليفة العباسي يفر من بغداد ناجيًا بنفسه، وأمر البساسيري بقراءة الخطبة باسم المستنصر بالله الخليفة الفاطمي الذي كان يحكم آنذاك في مصر، وكان ذلك في الثامن من ذي القعدة من عام 450 هـ، وسارع طغرل بالتوجه إلى بغداد فوقع قتال عنيف بينه وبين البساسيري انتهى بقتل البساسيري وإرسال رأسه إلى الخليفة القائم، وتم الاستيلاء على بغداد في الخامس عشر من ذي الحجة من عام 451 هـ، وزال نفوذ الفاطميين عنها، وعاد الخليفة القائم إليها مرة أخرى.
وقد وثَّق طغرل علاقته بخليفة بغداد عن طريق زواجه من ابنته في عام 454 هـ، إلا أنه توفي بعد عام من زواجه في 455 هـ عن عمر يبلغ السبعين، تاركًا البلاد لعدد من المتنازعين على العرش، واستمر حكمه 26 سنة.
وقد حصل نزاع على العرش بعد وفاة طغرل بين ابني أخيه جغري، وهما ألب رسلان بن جغري وسليمان بن جغري، إلا أن هذا النزاع لم يدم طويلًا إذ استقر الأمر لألب أرسلان، مما مكَّنه من السعي إلى استقرار البلاد وإخماد حركات المعارضة، بل سعى إلى مدّ بصره إلى البلاد الواقعة خارج نطاق نفوذه وفي مقدمتها البلاد المسيحية والبلاد غير الإسلامية بوجه عام. وعلم الإمبراطور الروماني رومانوس ديوجينس برغبة ألب أرسلان فتجهَّز الفريقان لمعركة ملاذكرد الشهيرة والتي انتصر فيها ألب أرسلان وأُسِرَ الإمبراطور وقُتِلَ عدد هائل من أفراد جيشه البالغ 200 ألف مقاتل.
وبعد حكم دام أكثر من تسع سنوات وفي عام 465 هـ قُتِلَ ألب أرسلان إثر طعنة من قائد من قواد إحدى القلاع المفتوحة يدعى يوسف الخوارزمي، وقد كان أوصى لابنه ملكشاه على عرش السلاجقة، ولكن هذا الأمر لم يعجب قاورد والي كرمان وهو عَمُّ ملكشاه، إذ رأى قاورد أنه أحق بعرش السلاجقة من ملكشاه، فتقابلا في معركة كبيرة في همدان انتهت بأسر ملكشاه لقاورد، ثم قتله لاحقًا بناءً على مشورة الوزير نظام الملك، ورأى ملكشاه وبمشورة وزيره نظام الملك أنه من الحكمة ترك ولاية كرمان في أبناء عمه قاورد يحكمونها، واستمر حكمهم لها حتى عام 583 هـ، وهم الذين عُرفوا في التاريخ باسم سلاجقة كرمان (1).
ومع كثرة النزاعات في العهد السلجوقي، إلا أنها نزاعات على السلطنة والملك، وكانت كلها ضمن المذهب السُّني، وليست معارك دينية، وقد كانت كرمان خلال هذه الفترة أكثر استقرارًا من البلدان المجاورة رغم ما حصل فيها من بعض المناوشات كما سبق، ولم أجد إشارة من الكرماني في كتابه هذا لأمر يتعلق بأحد السلاطين، ولم يمدح أو يذم أحدهم، مما يشير إلى عدم تأثره الكبير بهذه الأحداث السياسية.
لقد كان لسيطرة السلاجقة على المشرق الإسلامي أكثر الأثر في انتشار المذهب السني واندحار المذهب الباطني الفاطمي الذي ازدهر في فترة حكم بني بويه، ولقد كان لهذا الأمر صور عديدة، لعل من أبرزها:
- أصدر السلطان طغرلبك أمره سنة 445 هـ بلعن الرافضة من على منابر خراسان (1).
- في عام 448 هـ أصدر الخليفة القائم بأمر الله أمره إلى أهل الكرخ والمشهد وغيرهما بأن يؤذن: الصلاة خير من النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل، ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوّتها (2).
- كانت سياسة السلاجقة إبعاد أصحاب المذاهب الباطنية والديلمية عن الجهاز الإداري للدولة السلجوقية، وفي ذلك يذكر نظام الملك (3) أنه لم يكن أحد في زمن السلطان طغرلبك يجرؤ على أن يعين أحدًا من خبثاء المذهب المخالفين لأهل السنة.
لقد أدت مثل هذه الأعمال والسياسات إلى انكفاء دعاة الفلاسفة والباطنية
والمتكلمين على أنفسهم، وفقدوا الجرأة على الظهور العلني، بل وصل الأمر إلى أهل الذمة، ففي 448 هـ ألزم طغرلبك أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، وهو علامة لأهل الذمة يُشَدُّ على وسطهم، قال ابن كثير: بَيَّض الله وجهه (1).
وكان للمعتزلة حضورهم في تلك الفترة، ولكنه لم يكن بدرجة ظهور الباطنية، وقد كان التشيُّع والاعتزال قد فشا في عهد البويهيين، وفشا مذهب الاعتزال بخاصة في العراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء، واستمر الأمر كذلك حتى أصدر الخليفة القادر كتابًا سماه: الاعتقاد القادري، احتوى على نقض لكثير من آراء المعتزلة، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف، وأُخذت خطوط العلماء والزُّهاد بأنه اعتقاد المسلمين (2).
وكانت كرمان في هذه الفترة -كذلك - في ازدهار معيشي رغم ماكانت تعانيه من اختلاف مذهبي، فهي منطقة زراعية ممتازة كما ذكرت سابقًا.
ولقد تأثر الكرماني بهذه الحالة الاجتماعية، وظهر أثر ذلك في تفسيره في بعض المواطن، حيث يشير أحيانًا لمذهب الرافضة والمعتزلة، ويرفق ذلك بالرد عليهم كما سيأتي عند دراسة عقيدته.