منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 87 - 106

سورة البقرة (1 من 3)

وقال ابن كثير: (كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ وهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الله الهداية لما أرشده الله إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ...) (^1).

سورة البقرة

قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾ [البقرة:38].

2/ 1 - قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه لآدم وحواء:

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ وهذا خطاب الذكور اهـ) (^2).

الدراسة:

ذكر ابن عقيل هذا ضمن أدلة من قال بدخول النساء في مطلق الأمر.

والمسألة المستفادة هنا هي: مسألة تغليب جمع الذكور، ولبيان هذه المسألة أقول: إن ... الجمع لا يخلو من إحدى هذه الصور:

الأولى: أن يكون مفرد الجمع لا يصح إطلاقه على النساء، كالرجال، فهو جمع خاص بالرجال اتفاقًا.

الثانية: أن يكون مفرده لا يصح إطلاقه على الرجال، كالبنات، فهو جمع خاص بالنساء اتفاقًا.

الثالثة: أن يكون ذلك الجمع متناولًا للذكور والإناث لغة ووضعًا، كالناس فإنه يتناول الذكور والإناث بالاتفاق (^3).

  • (^1) تفسير ابن كثير 1/ 162.
    (^2) ينظر: الواضح 3/ 125.
    (^3) ينظر: التمهيد لأبي الخطاب 1/ 290، روضة الناظر لابن قدامة 2/ 148، الإحكام للآمدي 2/ 265.
87

أما الصورة الرابعة التي فيها الخلاف فهي: إذا كانت علامة الذكور فيه واضحة بينة، كجمع المذكر، نحو: المؤمنين، وقد اتفق أهل اللغة على تغليب جمع الذكور مع دخول النساء فيه. قال ابن منظور (^1): (وإنما المستجاز من ذلك رد التأنيث إلى التذكير؛ لأن التذكير هو الأصل بدلالة أن الشيء مذكر وهو يقع على المذكر والمؤنث فعلم بهذا عموم التذكير وأنه هو الأصل الذي لا ينكر) (^2).

ونُقل عن بعض اللغويين أن هذا قول جميع النحويين (^3).

أما اختلاف العلماء ففي مسألة اندراج النساء تحت لفظ جمع المذكر؛ هل هو بالتغليب أو بأصل الوضع؟

فقد ذهب ابن عقيل وجماعة من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن قدامة (^4) ورواية عن الإمام أحمد وهو قول لابن داود (^5) إلى أن دخول النساء في جمع المذكر بأصل الوضع واستدلوا بأدلة من أهمها: استخدام العرب والآية التي معنا.

  • (^1) هو أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي ابن منظور الأنصاري، من أشهر كتبه: لسان العرب، وله اختصارات كثيرة لكتب الأدب المطولة، مات سنة 711 هـ، له ترجمة في: فوات الوفيات 2/ 265، الدرر الكامنة 4/ 262.
    (^2) لسان العرب 2/ 57.
    (^3) لسان العرب 9/ 9. وأشار إلى الاتفاق القاضي أبو يعلى الحنبلي في العدة 2/ 353، وابن النجار في شرح الكوكب المنير 3/ 237.
    (^4) ينظر: العدة 2/ 351، روضة الناظر 2/ 148.
    (^5) هو محمد بن داود بن علي الظاهري أبو بكر الأصبهاني، ولد داود الظاهري، أحد أذكياء زمانه، مات سنة 297 هـ، له ترجمة في: تاريخ بغداد 5/ 256، شذرات الذهب 2/ 226.
88

وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أن النساء لا يدخلن في ذلك بأصل الوضع بل بالتغليب، واختارها من الحنابلة أبو الخطاب (^1)، والطوفي (^2)، واستدلوا بأدلة من أهمها: ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله، ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ .. فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)﴾ [الأحزاب:35]) (^3).

  • (^1) ينظر: التمهيد 1/ 291، وهو الإمام محفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الكلوذاني البغدادي الحنبلي من كتبه التمهيد في أصول الفقه، مات سنة 510 هـ، له ترجمة في: الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 116، شذرات الذهب 4/ 27.
    (^2) في شرح مختصر روضة الناظر 2/ 515، وهو أبو الربيع سليمان بن عبدالقوي الطوفي الصرصري البغدادي تتلمذ على شيخ الإسلام، مات سنة 716 هـ، له ترجمة في: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 366، شذرات الذهب 6/ 39.
    (^3) أخرجه أحمد 6/ 301 (26575)، والطبري في التفسير 10/ 300، والحاكم 2/ 416، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
89

والحاصل الملخص: هو القول بأن دخول النساء في جمع المذكر راجع للسياق والقرائن، فسماه بعضهم تغليبًا، والآخرون أصلًا، وبهذا تتفق الأقوال (^1)، ولذا يستدل من قال بدخولهن بأصل الوضع بدلالة التغليب للذكور، وأما أن يفسر قول من قال بدخول النساء في جمع المذكر بأصل الوضع بأنه ينصرف جمع المذكر للنساء كما ينصرف إلى الرجال على حد سواء فهذا لا يسوغ، للقطع باختصاص الذكور بهذه الصيغة لغة واختصاص النساء بغيرها، وإجماع أهل اللغة على ذلك، ولذا قال أبو المعالي (^2): (وما ذكره هؤلاء من تغليب علامة التذكير عند محاولة التعبير عن الجنسين فصحيح في الجملة، ولكنهم لم يفهموه على وجهه؛ فإن ما ذكروه سائغ إن أريد، فأما أن يقال: وضع اللسان على أن المسلمين مسترسل على الرجال والنساء استرساله على آحاد الرجال فلا، والذي ذكروه صالح لو أريد، وليس في اللسان القضاء به إلا عند قرينة شاهدة عليه) (^3).

وقد قال ابن عقيل ضمن جوابه على دليل من منع الدخول بأصل الوضع: (وإن قلنا: إنهن يدخلن، فإنما يدخلن من جهة الظاهر، فأما من جهة الصريح والنص فلا ..) (^4)، فالصواب أن تناول صيغة جمع المذكر للنساء بقرينة شرف الذكورية وتسمى التغليب وهو واقع في اللغة كما سبق، وتدخل النساء في جمع المذكر حسب دلالة العرف، وكذا دلالة الشرع؛ لأن عموم الأحكام الشرعية شاملة للجنسين (^5).

  • (^1) ينظر: شرح مختصر روضة الناظر 2/ 516.
    (^2) هو أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الطائي السنبِسي الجويني الشافعي، له مصنفات من أشهرها: البرهان والورقات في أصول الفقه، مات سنة 478 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 18/ 468، شذرات الذهب 3/ 358.
    (^3) البرهان 1/ 245.
    (^4) الواضح 3/ 131.
    (^5) ينظر: شرح الكوكب المنير 3/ 236.
90

قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)﴾ [البقرة:43].

3/ 2 - قال ابن عقيل: (ومثل قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بين ذلك في كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم - رضي الله عنه - في الزكوات والديات (^1)، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر في الصدقات (^2) اهـ) (^3).

الدراسة:

هذه المسألة التي أشار إليه ابن عقيل من المسائل الواضحة، فلا نجد في القرآن الأحكام التفصيلية لمقادير الزكاة؛ وإنما بينها النبي - ﷺ - في سنته بيانًا شافيًا كافيًا.

وقد أشار إلى هذا القرطبي بقوله: (فالزكاة في الكتاب مجملة بينها النبي - ﷺ -) (^4).

وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: (ويكون البيان - يعني من النبي - ﷺ - بالكتابة أيضًا: كنحو الذي كتبه لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وسائر الأحكام، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر الصديق في الصدقات) (^5). والله أعلم.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)﴾ [البقرة:46].

  • (^1) حديث عمرو بن حزم أخرجه بطوله: ابن حبان في صحيحه في باب ذكر كتبة المصطفى - ﷺ - كتابه إلى أهل اليمن 14/ 501 (6559)، والحاكم وصححه في مستدركه كتاب الزكاة 1/ 552 (1447)، والبيهقي في كتاب الزكاة باب كيف فرض الصدقة 4/ 149 (7255).
    (^2) هو حديث أنس بن مالك في الصدقات، أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين .. أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم (1454).
    (^3) ينظر: الواضح في أصول الفقه 1/ 193.
    (^4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 235.
    (^5) العدة 1/ 114.
91

4/ 3 - قال ابن عقيل: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ والمراد به: يعلمون اهـ) (^1).

الدراسة:

بيّن ابن عقيل معنى الظن في الآية: بأنه العلم، والظن في اللغة يطلق على معنيين متضادين.

قال ابن فارس (^2): (الظاء والنون أُصيل صحيح، يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك) (^3).

وقال ابن منظور: (الظن شك ويقين إلا أنه ليس بيقين عيان، إنما هو يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم) (^4).

وقال الطبري: (إن العرب قد تسمي اليقين ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة، والضياء سُدْفة، والمغيث صارخًا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده) (^5).

وقد ذهب الجمهور (^6) إلى أن معنى الظن في هذه الآية: العلم واليقين (^7).

وقيل: إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم

  • (^1) الواضح 3/ 488.
    (^2) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، من أشهر مصنفاته: معجم مقاييس اللغة، مات سنة 395 هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء 17/ 103، شذرات الذهب 3/ 132.
    (^3) معجم مقاييس اللغة 3/ 462.
    (^4) لسان العرب 13/ 272.
    (^5) جامع البيان 1/ 623.
    (^6) نسبه للجمهور: الماوردي في النكت والعيون 1/ 116، وابن عطية في المحرر الوجيز 1/ 137، والقرطبي في تفسيره 1/ 255.
    (^7) ينظر: كلام ابن اليزيدي في غريب القرآن وتفسيره ص 22، والطبري في جامع البيان 1/ 624، وابن الجوزي في زاد المسير 1/ 66، وابن كثير في تفسيره 1/ 258.
92

يتوقعون لقاءه مذنبين، ذكره الماوردي (^1)، ونسبه ابن عطية (^2) للمهدوي (^3)، وقال: (وهذا تعسف) (^4)، وقد أصاب رحمه الله فسياق الآية يدل على أن معناه في هذا الموضع: اليقين، وهو قول عامة المفسرين سلفًا وخلفًا.

قال قطرب (^5): (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ .. فهذا يقين، ولو كان شكًا لم يجز في ذلك المعنى، وكان كفرًا، ولكنه يقين) (^6).

وقال البغوي: (﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون، فالظن من الأضداد يكون شكًا ويقينًا) (^7).

وقال ابن كثير: (أي يعلمون) (^8).

  • (^1) النكت والعيون 1/ 116، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي له من المؤلفات: الأحكام السلطانية، والحاوي الكبير وغيرها مات سنة 450 هـ، له ترجمة في: طبقات السيوطي 25، شذرات الذهب 3/ 285.
    (^2) هو عبدالحق بن غالب بن عبدالملك بن عطية أبو محمد الغرناطي القاضي، له التفسير المشهور: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة 541 هـ، وله ترجمة في: طبقات السيوطي ص 50، طبقات الداوودي 1/ 265.
    (^3) المحرر الوجيز 1/ 136، وهو أحمد بن عمار أبو العباس المهدوي صاحب التفسير الكبير: التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، واختصره وسماه: التحصيل في مختصر التفصيل، ولا أعلمه مطبوعًا، مات بعد سنة 430 هـ، له ترجمة في: طبقات السيوطي ص 19، طبقات الداوودي 1/ 56.
    (^4) المحرر الوجيز 1/ 138.
    (^5) هو أبو علي محمد بن المستنير، النحوي اللغوي البصري، مولى سالم بن زياد المعروف بقطرب، له من التصانيف: معاني القرآن في التفسير، مات سنة 206 هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي 2/ 256، طبقات الأدنه وي ص 28.
    (^6) الأضداد له ص 71، والأضداد لابن الأنباري ص 3، 19.
    (^7) معالم التنزيل 1/ 38.
    (^8) تفسير ابن كثير 1/ 258.
93

وقال الشنقيطي: (المراد بالظن هنا اليقين) (^1).

وقد ذكر ابن عاشور (^2) السر في التعبير بالظن بدلًا عن العلم واليقين: هو أن لفظ الظن مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح (^3) فيشمل المعنيين كما هو المراد في الآية بخلاف لفظ العلم واليقين فيقتصر على الاعتقاد الجازم. والله تعالى أعلم.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)﴾ [البقرة:78].

5/ 4 - قال ابن عقيل: (﴿أَمَانِيَّ﴾ يعني: تلاوة اهـ) (^4).

الدراسة:

فسر ابن عقيل كلمة: ﴿أَمَانِيَّ﴾ في هذه الآية بالتلاوة، وهو قول للكسائي، والزجاج (^5)، والفراء (^6)، وابن اليزيدي (^7)، ومستندهم قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:52]، أي: في تلاوته (^8)، وهذا هو القول الأول في معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾.

  • (^1) أضواء البيان 1/ 68.
    (^2) هو محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة بتونس، من مصنفاته: التحرير والتنوير في التفسير، مات سنة 1393 هـ، له ترجمة في: الأعلام 6/ 174.
    (^3) ينظر: التحرير والتنوير 1/ 481.
    (^4) الواضح 2/ 372.
    (^5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 159.
    (^6) معاني القرآن 1/ 49، وهو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبدالله بن مروان الديلمي، من مصنفاته معاني القرآن، مات سنة 207 هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي 2/ 367.
    (^7) غريب القرآن وتفسيره ص 26، وهو أبو عبدالرحمن عبدالله بن يحيى بن المبارك العدوي البغدادي، المعروف بابن اليزيدي، مات سنة 237 هـ، له ترجمة: الأنساب 5/ 693.
    (^8) معجم مفردات القرآن ص 531.
94

القول الثاني: ذهب ابن عباس ومجاهد (^1) إلى أن معنى الأماني الكذب، واختاره الفراء (^2)، ورجحه الطبري بقوله: (وأولى ما روينا في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ بالحق وأشبهه بالصواب، الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك (^3) - وقول مجاهد: أن الأميين الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبًا وزورًا) (^4).

القول الثالث: ذهب قتادة (^5) إلى أن معنى الأماني: أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم (^6).

  • (^1) جامع البيان 2/ 156، وهو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي الأسود، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي شيخ القراء والمفسرين، مات سنة 102 هـ، له ترجمة في: الجرح والتعديل 8/ 319، سير أعلام النبلاء 4/ 449.
    (^2) معاني القرآن 1/ 50.
    (^3) هو أبو محمد، وقيل: أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي صاحب التفسير أصله من الكوفة ثم أقام ببلخ، مات سنة 102 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 598.
    (^4) جامع البيان 2/ 157.
    (^5) قتادة هو ابن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، كان حافظًا، ومفسرًا وفقيهًا، مات سنة 118 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 269، طبقات الداوودي 2/ 47.
    (^6) جامع البيان 2/ 156.
95

القول الرابع: أن الأماني: التقدير، يقال: منى لك الماني أي قدر لك المقدر، قاله ابن فارس (^1)، والجوهري (^2)، والراغب الأصفهاني (^3).

وعند التأمل في هذه المعاني لا نجد بينها تعارضًا؛ بل الكلمة تحتملها جميعًا.

قال ابن فارس: (الميم والنون والحرف المعتل أصل واحد صحيح، يدل على تقدير شيء ونفاذ القضاء به) (^4)، فالتلاوة تقدير ووضع كل آية موضعها (^5)، وكذلك هي تقدير لا يتبعه عمل وفهم للمتلو، وكذلك الكذب تقدير ما لا حقيقة له، والتمني كالمقدمة له، كما قال الراغب: (ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدء للكذب فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما روي عن عثمان - رضي الله عنه -: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ...) (^6)، ولذا فسرها جمع من أهل العلم بأكثر من معنى بلا ترجيح (^7).

  • (^1) معجم مقاييس اللغة 5/ 276.
    (^2) الصحاح 5/ 1983، هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، له: تاج اللغة وصحاح العربية المسمى بالصحاح، مات سنة 398 هـ، له ترجمة في: لسان الميزان 1/ 518، شذرات الذهب 3/ 143.
    (^3) معجم مفردات القرآن ص 530، وهو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، مات سنة 503 هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء 18/ 120، طبقات الداوودي 2/ 329 باسم المفضل والصواب أنه الحسين.
    (^4) معجم مقاييس اللغة 5/ 276.
    (^5) معجم مقاييس اللغة 5/ 277 بتصرف يسير.
    (^6) معجم مفردات القرآن ص 530، وقول عثمان - ﵁ - أخرجه الطبراني في الكبير 1/ 41 (124).
    (^7) ينظر: غريب القرآن وتفسيره لابن اليزيدي ص 26، أحكام القرآن للقرطبي 2/ 6 - 7، بدائع التفسير لابن القيم 1/ 320.
96

قال ابن تيمية بعد ذكر الأقوال في قوله تعالى: ﴿أَمَانِيَّ﴾: (والآية تعمها فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾،لم يقل: لا يقرؤون ولا يسمعون، ثم قال: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهذا استثناء منقطع؛ لكن يعلمون أماني: إما بقراءتهم لها، وإما بسماعهم قراءة غيرهم، وإن جعل الاستثناء متصلًا كان التقدير: لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني، لا علم تلاوة فقط بلا فهم، والأماني جمع أمنية وهي التلاوة ...) (^1).

وهذا لا يمنع من كون بعضها أولى من بعض؛ لأن العبارات وإن كانت ترجع لمعنى واحد، إلا أن السياق أو غيره من القرائن يقوي أحدها، ولأجل هذا فقد رجح الطبري - كما سبق - القول الثاني، وعلل ذلك بقوله: (والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك، وأنه أولى بتأويل قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ من غيره من الأقوال قول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنًا منهم لا يقينًا، ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه لم يكونوا ظانين ... الخ) (^2).

وقال الفراء في القول الثاني: (وهذا أبين الوجهين) (^3).

وقال الشنقيطي بعد ذكره للقول الأول: (.. وهذا القول لا يتناسب مع قوله: ... ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ لأن الأمي لا يقرأ) (^4). والله تعالى أعلم.

  • (^1) مجموع الفتاوى 17/ 434.
    (^2) جامع البيان 2/ 158.
    (^3) معاني القرآن 1/ 50.
    (^4) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 1/ 70، ويراجع للاستزادة في هذه المسألة:
    النكت والعيون للماوردي 1/ 150، زاد المسير 1/ 91، المحرر الوجيز 1/ 169، معالم التنزيل 1/ 54، تفسير ابن كثير 1/ 305.
97

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)﴾ [البقرة:93].

6/ 5 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ وحذف حب العجل، ولو ذكر حب العجل لكان هو الحقيقة اهـ) (^1).

الدراسة:

في كلام ابن عقيل مسألتان:

المسألة الأولى: هل في القرآن مجاز؟ الخلاف في ذلك مشهور معروف:

عرَّف العلماء المجاز: بأنه استعمال الكلام في غير ما وضع له لقرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، وقسيمه الحقيقة: وهي الكلام الذي استعمل فيما وضع له في الأصل (^2).

وقد اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن:

فذهب بعض العلماء إلى منع وجود المجاز في اللغة، ورجح هذا القول وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وألف رسالة في الحقيقة والمجاز (^3)، ورد القول بوقوعه، وما تذرع به من قال به، وأبطل الحد الذي حد به (^4).

  • (^1) ينظر الواضح 2/ 385، 4/ 30.
    (^2) ينظر: العدة 1/ 172، روضة الناظر 2/ 8، الواضح 2/ 384، شرح الكوكب المنير 1/ 149.
    (^3) مضمنة في مجموع الفتاوى 20/ 400.
    (^4) ينظر: مجموع الفتاوى 7/ 87 وما بعدها.
98

ومن كلامه أنه قال: (لم ينقل أحد قط عن أهل الوضع أنهم قالوا: هذا حقيقة وهذا مجاز، بل ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين فسروا القرآن وبينوا معانيه، ولا من بعدهم، ولا غير هؤلاء، ولا أحد من أئمة الفقه الأربعة وغيرهم، وإنما وجد في كلام أحمد بن حنبل لكن بمعنى آخر (^1)، كما أنه وجد في كلام أبي عبيدة معمر بن المثنى بمعنى آخر (^2)، ولم يوجد أيضًا تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في كلام أئمة النحو واللغة: كأبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، والخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، ولا يعلمه أحد من هؤلاء عن العرب) (^3).

وتبعه تلميذه ابن القيم، وعقد له فصلًا في الصواعق المرسلة قال فيه: (كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز من خمسين وجهًا) (^4).

وذهب كثير من العلماء إلى القول بالمجاز في اللغة، ثم اختلف هؤلاء في جواز إطلاقه في القرآن: فمنهم من أجازه، وهو مذهب جمهور أهل الأصول (^5)، ومنهم من منعه (^6).

  • (^1) كلام الإمام أحمد أنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله ﵎: [إِنَّا]، [نَحْنُ] ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل؛ فذكر أن هذا مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في القرآن مجازًا، كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب وغيرهم، وحكى بعض الناس عن أحمد في ذلك روايتين، ينظر: مجموع الفتاوى 7/ 89.
    (^2) وضح هذا المعنى بقوله: (إنما عنى بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية) مجموع الفتاوى 7/ 88.
    (^3) مجموع الفتاوى 20/ 451 بتصرف.
    (^4) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 241.
    (^5) ينظر: شرح مختصر روضة الناظر 1/ 532، الإحكام للآمدي 1/ 45، المسودة ص 564، شرح الكوكب المنير 1/ 191.
    (^6) ينظر: المسودة ص 564، شرح الكوكب المنير 1/ 191.
99

وقد ألف الشنقيطي رسالة في منعه سماها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) تكلم فيها عن المسألة، وحرر رأيه بقوله: (والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقًا على كلا القولين، أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة وهو الحق؛ فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن، وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه .. ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن) (^1).

ثم أجاب بأجوبة سديدة على ما ادعي فيه المجاز في كتاب الله تعالى (^2).

ولا بد من العلم بأن حقيقة الخطاب هو ما أراده المتكلم في خطابه، كما قال ابن القيم في الصواعق المرسلة: (الفصل الحادي عشر: في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وأن القصدين متنافيان، وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى) (^3).

ولو قيل بالمجاز لأصبح أكثر كلام الناس لا حقيقة له، وهذا مما يضعف القول به ويرده.

قال ابن القيم: (وقد قال بعض أئمة النحاة: أكثر اللغة مجاز، فإذا كان أكثر اللغة مجازًا سهل على النفوس أنواع التأويلات، فقل ما شئت، وأول ما شئت، وأنزل عن الحقيقة ولا يضرك أي مجاز ركبته) (^4). فإذا قيل مثلًا: قطع الأمير يد زيد. قيل: هل قطعها حسًا أو معنى؟ وهل قطعها بنفسه؟ أو أمر بذلك؟ وهكذا.

المسألة الثانية:

ذكر العلماء في تفسير هذه الآية قولين:

  • (^1) منع جواز المجاز ص 36.
    (^2) ينظر: ص 61.
    (^3) 1/ 310.
    (^4) الصواعق المرسلة 2/ 451.
100

القول الأول: أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل، وهذا هو قول قتادة وأبي العالية (^1)، وذلك أن من عادة العرب إذا أرادوا العبارة عن مخامرة حب أو بغض استعملوا لفظ الشراب لأنه أبلغ ما يتغلغل في البدن، ولو قيل: إنهم أحبوا العجل لم تكن هذه المبالغة (^2)، ويكون هذا من باب حذف المضاف وهو الحب، وحلول المضاف إليه مقامه اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام فيكون كالمذكور، إذ كان معلومًا أن العجل لا يُشرِبُ القلبَ، وأن الذي يُشرِب القلبَ منه حبه، وهو مستعمل كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:163]، وقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:82]، والمراد: أهل القرية.

القول الثاني: أنهم سقوا الماء الذي ذُرِّي فيه سُحالة العجل، وهذا هو قول السدي (^3)، وابن جريج (^4)، ودليل تذريته في البحر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)﴾ [طه:97].

  • (^1) جامع البيان 2/ 263، وأبو العالية: هو رفيع بن مهران البصري الرياحي، كان إمامًا في القرآن والتفسير، مات سنة 93 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 207، طبقات الداوودي 1/ 178.
    (^2) ينظر: المفردات ص 289 بتصرف كثير.
    (^3) هو أبو محمد إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة السدي الهاشمي الكوفي، المشهور بالتفسير، مات سنة 127 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 264، طبقات الداوودي 1/ 110.
    (^4) جامع البيان 2/ 265، وابن جريج هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج أبو الوليد ويقال: أبو خالد الرومي الأموي مولاهم المكي صاحب التصانيف، مات سنة 150 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 6/ 325، طبقات الداوودي 1/ 358.
101

والراجح بعد النظر في القولين: القول الأول وهو الذي قال به ابن عقيل، ويؤيده ما قاله الطبري: (وأولى التأويلين الذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:93]، تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، لأن الماء لا يقال منه: أُشرِب فلان في قلبه، وإنما يقال ذلك في حب الشيء) (^1).

ومنه قوله - ﷺ -: " تعرض الفِتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشرِبها نُكِت فيه نُكتة سوداء .. " الحديث (^2).

قال النووي: (معنى أُشربها دخلت فيه دخولًا تامًا وألزمها وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:93] أي حب العجل) (^3).

وهو ما رجحه الفراء (^4)، وابن الجوزي (^5)، والبغوي (^6)، وابن عطية (^7)، والقرطبي (^8).

وهذا من إيجاز الحذف، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:82] أي: أهلها.

فالإيجاز ضربان:

أحدهما: إيجاز الحذف وشرطه أن يكون في اللفظ دلالة على المحذوف.

  • (^1) جامع البيان 1/ 467.
    (^2) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب رفع الأمانة والإيمان عن بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب
  • (144) من حديث حذيفة - ﵁ -.
    (^3) شرح صحيح مسلم 2/ 330.
    (^4) معاني القرآن 1/ 61.
    (^5) زاد المسير 1/ 101.
    (^6) معالم التنزيل 1/ 60.
    (^7) المحرر الوجيز 1/ 180.
    (^8) الجامع لأحكام القرآن 2/ 23.
102

والثاني: إيجاز القصر، وهو ما ليس بحذف، لكن معناه كثير يزيد على لفظه (^1) كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:179]، ولأجل تحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل حسن الإيجاز بنوعيه (^2)، ومن قواعد التفسير: أن القرآن بلغة العرب والعرب تحذف ما كفى منه الظاهر في الكلام إذا لم تشك في معرفة السامع مكان الحذف (^3). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)﴾ [البقرة:94 - 95].

7/ 6 - قال ابن عقيل: (﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:95] وأخبر سبحانه عن تمنيهم الموت في النار، وأنهم يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:77] أي: ليمتنا؛ فبان بذلك أنه أراد بالأبد: مدتهم في الدنيا، ومبلغ أعمارهم اهـ) (^4).

الدراسة:

تناول ابن عقيل في كلامه مسألتين:

المسألة الأولى:

نفى ابن عقيل أن يكون المراد بالأبد ما لا نهاية له، وعلى هذا فالمراد بالآية: أن اليهود لن يتمنوا الموت مدة بقائهم في الدنيا، ويؤيد هذا أن الله ذكر تمنيهم الموت في النار بقوله سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:77]، فالأبد مدة من الزمان مهما طالت، وهو في الآية أبدٌ من الآباد، وهذا هو قول عامة العلماء في معنى الأبد، وفي المراد به بالآية.

  • (^1) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة ص 184.
    (^2) ينظر: التحرير والتنوير 1/ 122.
    (^3) قواعد التفسير 1/ 364.
    (^4) ينظر: الواضح 4/ 104.
103

قال الطبري: (﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:95]: يعني به: ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بالله) (^1).

وقال ابن فارس: (الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة) (^2).

وقال البغوي: (ولن لا تكون للتأبيد (^3)، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:95] إخبارًا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:77]) (^4).

ومثله قال ابن الجوزي (^5).

ومما يؤيد هذا أيضًا حديث سراقة بن مالك في الحج حينما سأل النبي - ﷺ - عن المتعة فقال: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد " (^6).

والمراد بأبد الأبد في هذا الحديث: إلى نهاية الدنيا.

قال ابن الأثير (^7): (والأبد: الدهر، أي: هي لآخر الدهر) (^8).

المسألة الثانية:

  • (^1) جامع البيان 2/ 274.
    (^2) معجم مقاييس اللغة 1/ 34، لسان العرب 3/ 68.
    (^3) خلافًا للزمخشري، ينظر: الكشاف 2/ 145، فهي دعوى بلا دليل، ينظر: مغني اللبيب ص 281.
    (^4) معالم التنزيل 2/ 164.
    (^5) ينظر: زاد المسير 3/ 196.
    (^6) أخرجه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي - ﷺ - (1218).
    (^7) هو أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجزري الشافعي، ويعرف بابن الأثير، من مصنفاته: الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف، النهاية في غريب الحديث والأثر، مات سنة 606 هـ، له ترجمة في: طبقات الشافعية 5/ 153، شذرات الذهب 5/ 22.
    (^8) النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 13.
104

فسر ابن عقيل القضاء بالموت، والقضاء في اللغة: إحكام الأمر وإتقانه، والموت أمر محكم ومتقن، ولذلك سمي قضاء.

قال ابن فارس: (القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته ... وسميت المنية قضاء لأنه أمر يُنْفَذ في ابن آدم وغيره من الخلق) (^1).

وهذا التفسير تؤيده الأدلة، ومن ذلك:

قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:15] أي: قتله (^2).

وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:23] أي: مات على ما عاهد عليه (^3).

قال الطبري: (قالوا: ليمتنا ربك، فيفْرُغ من إماتتنا) (^4).

وقال السمرقندي (^5): (﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:77] يعني: ادع لنا ربك لقبض أرواحنا) (^6).

وتتابع العلماء على هذا التفسير (^7). والله أعلم.

  • (^1) معجم مقاييس اللغة 4/ 99، وينظر: المفردات ص 453.
    (^2) ينظر: معاني القرآن للنحاس 5/ 167.
    (^3) ينظر: معاني القرآن للنحاس 5/ 338.
    (^4) جامع البيان 20/ 649.
    (^5) هو أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، له: بحر العلوم في التفسير، وكتاب النوازل في الفقه، مات سنة 393 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 16/ 322، طبقات الداوودي 2/ 346.
    (^6) تفسير السمرقندي 3/ 252.
    (^7) ينظر: الوجيز 2/ 979، تفسير السمعاني 5/ 117، المفردات ص 454، الكشاف 4/ 276، زاد المسير 7/ 145، تفسير ابن كثير 7/ 3157.
105

قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾ [البقرة:106].8/ 7 - قال ابن عقيل: (﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يعني: خيرًا لكم، وإلا فالقرآن نفسه لا يتفاضل، لكونه كلامًا لله سبحانه، وصفة من صفاته التي لا تحتمل التفاضل والتخاير. وما هو خير لنا يحصل من وجوه:

أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين: أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب، قال النبي - ﷺ - لعائشة: " ثوابك على قدر نصبك " (^1). وقد يكون الخير الأصلح الذي لا نعلم وجهه.

وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة. فإن قيل: فما أفاد التبديل بالمثل شيئًا، إذا كان المثل ما سد مسد مثله.

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الحج باب أجر العمرة على قدر النصب (1695)، ومسلم في كتاب الحج باب وجوه الإحرام (1211).
106