منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 107 - 126

سورة البقرة (2 من 3)

قيل: بل قد يفيد، إما زوال الملل؛ فإن النفوس قد تمل، فإذا انتقلت إلى غيرٍ، سهل عليها التكليف، فإن المغايرة تخفف الأفعال. وقد تكون مثلًا لها في السهولة والأجر، لكن يحصل بتغيرها وتبديلها بغيرها زيادة تعبد، وهو التسليم والتحكم لأمر الله في تغيير أحكامه، ونقل عباده من عبادة إلى عبادة من غير لوم ولا اعتراض، بخلاف ما نطقت به الآيات عن أهل الشرك والنفاق؛ من قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:142]، وقولهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:124]، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:101]، فإذا حصل من المؤمنين المسارعة إلى طاعة الله، والرضا بتبديل الأحكام، وتغير التكليف، كان لهم المضاعفة في الثواب والله أعلم اهـ) (^1).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في كلامه على هذه الآية إلى أربع مسائل، وهي كالتالي:

المسألة الأولى:

معنى: (بخير منها):

قال ابن عقيل: (يعني خيرًا لكم) ولم أجد من خالف من المفسرين في هذا المعنى.

قال الجصاص (^2): (فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو في المصلحة) (^3).

  • (^1) ينظر: الواضح 1/ 254، 4/ 236.
    (^2) هو الإمام أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، كان إمام الحنفية في عصره، مات سنة 370 هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي 1/ 56.
    (^3) أحكام القرآن 1/ 72.
107

وقال الرازي (^1): (أي بخير منها لكم؛ لأنه إن كان أخف كان خيرًا في الدنيا والآخرة، وإن كان أشد كان خيرًا في الآخرة لامتثال أمر الله تعالى فيه) (^2).

المسألة الثانية:

هل يستفاد من هذا المعنى تفاضل كلام الله؟.

الخلاف في هذه المسألة مبسوط في المطولات، وهي مسألة مشهورة عند المتقدمين، هل كلام الله يتفاضل أم لا؟ على قولين:

فالقول الأول: أنه لا يتفاضل؛ وهو قول ابن عقيل وما ذهب إليه ابن جرير الطبري (^3)،

وأبو بكر الجصاص (^4)، وجماعة من الفقهاء.

ودليلهم: أن القرآن كله كلام الله فهو صفة من صفاته فلا تحتمل التفاضل.

والقول الثاني: أنه يتفاضل، وبهذا قال أبو بكر بن العربي (^5)، والقرطبي، وابن تيمية، وكثير من أهل العلم.

ومن أدلتهم: حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يا أبا المنذر: أتدري أي آية من كتاب معك الله أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:255]، قال: فضرب في صدري، وقال: " لِيُهنِك العلم أبا المنذر " (^6).

  • (^1) هو زين الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، من مصنفاته: تفسير غريب القرآن العظيم، ومختار الصحاح، وغيرها، واختلف في سنة وفاته لكنها بعد 666 هـ، ينظر: مقدمة محقق تفسير غريب القرآن العظيم د. حسين ألمالي.
    (^2) تفسير غريب القرآن العظيم ص 206، وذكر مثله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 2/ 48، والفيروزابادي في بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 2/ 573.
    (^3) ينظر: جامع البيان 2/ 403.
    (^4) ينظر: أحكام القرآن 1/ 72.
    (^5) وممن نسب له الاختيار القرطبي في تفسيره 1/ 78.
    (^6) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (810).
108

وقوله - ﷺ - في سورة الإخلاص: " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " (^1)، وغيرها كثير.

قال القرطبي: (والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق) (^2).

وقال أيضًا: (ويدل على القول الأول - يعني التفاضل - قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾) (^3).

وقال ابن الحصار (^4): (عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص) أي الواردة بالتفضيل (^5).

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب فضل قل هو الله أحد
  • (5013) من حديث أبي سعيد - ﵁ -.
    (^2) الجامع لأحكام القرآن 1/ 78.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 2/ 48.
    (^4) هو سعيد بن محمد بن بشر القرطبي المالكي، المشهور بابن الحصار، يعرف بولي بني فطيس، وكان أحد الأذكياء المتفننين، مات سنة 422 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 17/ 474.
    (^5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 1/ 78، ويراجع في هذه المسألة: تفسير ابن كثير 1/ 133، شرح الكوكب المنير 2/ 118 - 122.
109

وأطال ابن تيمية في مجموع الفتاوى الكلام حولها فيما يزيد على خمسين صفحة وحرر محل النزاع، وشفى وكفى، ونص على كلام ابن عقيل في الواضح وبسط الكلام فيه (^1)، ومن ذلك قوله رحمه الله: (والقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وهو الذي عليه أئمة الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم ... ولم يعرف قط أحد من السلف رد مثل هذا ولا قال لا يكون كلام الله بعضه أشرف من بعض فإنه كله من صفات الله ونحو ذلك إنما حدث هذا الإنكار لما ظهرت بدع الجهمية (^2» (^3).

وقال أيضًا في آخر الكلام على المسألة: (فنقول: قد علم أن تفاضل القرآن وغيره من كلام الله ليس باعتبار نسبته إلى المتكلم، فإنه سبحانه واحد، ولكن باعتبار معانيه التي يتكلم بها، وباعتبار ألفاظه المبينة لمعانيه) (^4).

وذكر نحوه الشيخ ابن عثيمين (^5) فقال: (.. وهذا موضع يجب فيه التفصيل؛ فإننا نقول: أما باعتبار المتكلم به؛ فإنه لا يتفاضل؛ لأن المتكلم به واحد وهو الله عز وجل، وأما باعتبار مدلولاته وموضوعاته فإنه يتفاضل ...) (^6).

وبهذا التفصيل يحصل الفصل في المسألة، والله أعلم.

  • (^1) ينظر: مجموع الفتاوى 17/ 47
    (^2) الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان، ومن عقائدهم: نفي جميع أسماء الله تعالى وصفاته، والقول بالإرجاء، وأن القرآن مخلوق، ينظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/ 67، الفرق بين الفرق ص 199.
    (^3) ينظر: مجموع الفتاوى 17/ 13، 46.
    (^4) مجموع الفتاوى 17/ 129، وينظر كلامه في درء تعارض العقل والنقل 7/ 271.
    (^5) هو أبو عبدالله محمد بن صالح بن عثيمين الوهيبي التميمي، من مؤلفاته: تفسير آيات الأحكام ولم يكمل، أصول في التفسير، مات سنة 1420 هـ، له ترجمة في: مقدمة مجموع فتاواه جمع فهد السليمان 1/ 9.
    (^6) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان 8/ 133.
110

المسألة الثالثة:

أوجه الخيرية في النسخ:

قال ابن عقيل: (وما هو خير لنا يحصل من وجوه:

أحدها: في السهولة المخففة عنا ثقل التكليف، وذلك خير من وجهين:

أحدهما: انتفاء المشقة على النفس، والثاني: حصول الاستجابة والمسارعة، فإن النفوس إلى الأسهل أسرع، وإذا أسرعت الاستجابة، تحقق إسقاط الفرض، وحصول الأجر. والثاني من وجوه الخير: كثرة المشقة التي يتوفر بها الثواب ..) (^1).

ومن أوجه الخيرية في النسخ:

1 - حصول الأجر والثواب على الامتثال والانقياد والتسليم (^2)، وزيادته إن كان النسخ إلى أشد (^3)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ [الأحزاب:71]، والتيسير على المكلف إن كان النسخ إلى أخف.

2 - الابتلاء والاختبار لعباده ليظهر الصادق في إيمانه - فينال الخيرية - من الكاذب، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام:165].

3 - تأليف قلوب العباد للتكاليف وتطويرها إلى مرتبة الكمال من خلال التدرج في التشريع، مراعاة لحداثة الناس بالجاهلية، وتطور أحوالهم، فيكون أدعى للقبول، ومثاله: التدرج في تحريم الخمر، والتدرج في فرض الصيام.

4 - تطييب نفس النبي - ﷺ - ونفوس أصحابه في تمييز هذه الأمة وفضلها، ومن ذلك تحويل القبلة إلى الكعبة.

5 - وبالجملة فكل آية ثبت فيها النسخ ففيها حكمة وخير، فالشارع الحكيم يعلم مصالح خلقه ولا يشرع لهم إلا الخير سواء علموه أو خفي عنهم، فالنسخ رفع وإنزال للآيات لمقتض ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل:101] حسب تغير الأحوال والظروف والأزمان (^4).

  • (^1) الواضح 1/ 254.
    (^2) ينظر: مناهل العرفان 2/ 163.
    (^3) ينظر: كشف الأسرار 3/ 187.
    (^4) ينظر: كشف الأسرار 3/ 160.
111

قال الشافعي (^1): (إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيهم فرائض أثبتها، وأخرى نسخها؛ رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه) (^2).

المسألة الرابعة:

معنى ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾، وما فائدة التبديل بالمثل؟.

ذكر ابن عقيل أنه في السهولة أو الصعوبة أو المثوبة، وهذا هو ما ذكره عامة المفسرين.

قال الماوردي: (يعني مثل حكمها، في الخفة والثقل والثواب والأجر) (^3).

وقال البغوي: (في المنفعة والثواب) (^4).

وذَكَر ابن عقيل فائدة التبديل بمثلها بقوله: (إما زوال الملل؛ فإن النفوس قد تمل، فإذا انتقلت إلى غيرٍ سهل عليها التكليف، فإن المغايرة تخفف الأفعال. وقد تكون مثلًا لها في السهولة والأجر، لكن يحصل بتغيرها وتبديلها بغيرها زيادة تعبد، وهو التسليم والتحكم لأمر الله في تغيير أحكامه، ونقل عباده من عبادة إلى عبادة من غير لوم ولا اعتراض) (^5).

وقال ابن الجوزي: (فتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار) (^6).

  • (^1) هو الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، مكي الأصل مصري الدار، مات سنة 204 هـ، له ترجمة في: الجرح والتعديل 7/ 201 (1130)، تهذيب الكمال 24/ 355.
    (^2) الرسالة ص 106.
    (^3) النكت والعيون 1/ 171.
    (^4) معالم التنزيل 1/ 67، ومثله ذكر ابن الجوزي في زاد المسير 1/ 111.
    (^5) الواضح 1/ 255.
    (^6) زاد المسير 1/ 111.
112

وقال الزرقاني (^1): (وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته، فالابتلاء والاختبار، ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك ليميز الخبيث من الطيب) (^2). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾ [البقرة: 143] [البقرة:143]. 9/ 8 -

قال ابن عقيل: (﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: عدولًا؛ بدليل قوله سبحانه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)﴾ [القلم:28]، وقال الشاعر:

هم وسطٌ ترضى الأنامُ بحُكْمِهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بِمُعْظَم (^3) اهـ) (^4).

الدراسة:

أبان ابن عقيل في كلامه معنى ﴿وَسَطًا﴾ في الآية، واستدل لما قال بالقرآن والشعر.

  • (^1) هو محمد عبدالعظيم الزرقاني، من علماء الأزهر، ومن كتبه: مناهل العرفان في علوم القرآن، مات سنة: ... 1367 هـ، له ترجمة في: الأعلام 6/ 210.
    (^2) مناهل العرفان 2/ 196.
    (^3) البيت نسبه الطبري: لزهير 2/ 8، وكذلك القرطبي 2/ 104، وروايته في ديوانه يختلف صدره عما هنا؛ ينظر: ديوان زهير بن أبي سلمى ص 86 فنصه من المعلقة:
    لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ الناسَ أمرُهُم ... إذا طَرَقَت إحدى الليالي بمعظَم. ويُروى بكسر الظاء، والحِلال: جمع حال مثل صاحب وصحاب، الطروق: الإتيان ليلًا، معظم: أمر عظيم. ينظر: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري ص 272، شرح المعلقات السبع للزوزني ص 154.
    (^4) ينظر: الواضح 5/ 106.
113

ومن خلال تتبع كلام المفسرين وأهل اللغة تبين لي أن في هذه الكلمة ثلاثة أقوال:

الأول: العدل. وهو قول ابن عقيل، وبه قال الفراء (^1)، وابن اليزيدي (^2)، والطبري (^3)، وابن فارس (^4)، والجوهري (^5)، والراغب (^6)، والرازي (^7)، ورجحه القرطبي بقوله: (والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها) (^8).

الثاني: الخيار.

قال الطبري: (وأما الوسط، فإنه في كلام العرب الخيار) (^9)، وهذا موافق للقول الأول فالاختلاف فيه اختلاف تنوع، ولذا قال الطبري: (وأما التأويل؛ فإنه جاء الوسط بمعنى العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم) (^10).

الثالث: أن الوسط من التوسط بين الإفراط والتفريط.

قال الكلبي (^11): (يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير؛ لأنهما مذمومان في الدين) (^12).

وهذا التأويل لا يخرج في معناه عما قبله بل أول ما يدخل فيه العدل الخيار، ومن هنا يمكن الجمع بين الأقوال برجوعها إلى معنى واحد وهو العدل الخيار الذي من لازمه عدم الإفراط أو التفريط.

  • (^1) معاني القرآن 1/ 83.
    (^2) ينظر: غريب القرآن وتفسيره ص 31.
    (^3) جامع البيان 2/ 627.
    (^4) معجم مقاييس اللغة 6/ 108.
    (^5) في الصحاح 3/ 975.
    (^6) المفردات ص 595.
    (^7) في تفسير غريب القرآن العظيم ص 291.
    (^8) الجامع لأحكام القرآن 2/ 104.
    (^9) جامع البيان 2/ 626.
    (^10) جامع البيان 2/ 627.
    (^11) هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي الكوفي، مات سنة 146 هـ، ينظر: تهذيب الكمال 25/ 246 (5234)، طبقات الداوودي 2/ 149.
    (^12) معالم التنزيل 1/ 83.
114

قال الطبري: (وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه ... ولا هم أهل تقصير فيه ... ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها) (^1). ولهذا جمع غير واحد من المفسرين بين هذه المعاني في تفسيرها.

قال ابن العربي: (الوسط في اللغة: الخِيَار، وهو العدل) (^2).

وقال البغوي: (أي عدلًا خيارًا) (^3).

ومن الأدلة على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:28].

قال القرطبي: (أي أعدلهم وخيرهم) (^4)، واستدلوا أيضًا بالبيت السابق وسياقه يفيد المعنى المراد نفسه في الآية، والله أعلم.

قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾ [البقرة:177].

10/ 9 - قال ابن عقيل: (﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ والمراد به: البار، أو البر بر من آمن بالله اهـ) (^5).

الدراسة:

اختلف العلماء في معنى الآية على أقوال:

  • (^1) جامع البيان 2/ 626.
    (^2) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 61.
    (^3) معالم التنزيل 1/ 83، وينظر: بهجة الأريب لابن التركماني ص 38.
    (^4) الجامع لأحكام القرآن 2/ 104.
    (^5) ينظر الواضح 1/ 207.
115

القول الأول: أن المعنى: البر بر من آمن بالله، فيكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في اللغة والقرآن تقول العرب: الجود حاتم؛ أي جود حاتم فتستغني بذكر حاتم من إعادة جوده؛ لدلالة الكلام على ما حذفته (^1)، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:82]، والمعنى: أهل القرية، وهذا هو قول الفراء (^2)، وقطرب (^3).

القول الثاني: أن المعنى: ولكن ذا البر من آمن بالله، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك (^4).

حكى القولين الزجاج وغيره (^5)، ومنه قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:163]، أي: ذوو درجات (^6).

القول الثالث: أن المعنى: ولكن البار من آمن بالله، فيكون البر مصدرًا وضع موضع الاسم (^7) كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾ [طه:132] أي: للمتقي (^8)، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على حذف مضاف، كقولك: رجل عدل ورضي (^9)، وهذا اختيار أبي عبيدة (^10).

  • (^1) ينظر: جامع البيان 3/ 77.
    (^2) معاني القرآن 1/ 62.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 2/ 160.
    (^4) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 2/ 160.
    (^5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 232، النكت والعيون 1/ 224، زاد المسير 1/ 155.
    (^6) معالم التنزيل 1/ 100، والجامع لأحكام القرآن 2/ 160.
    (^7) ينظر: جامع البيان 3/ 77.
    (^8) ينظر: معالم التنزيل 1/ 100.
    (^9) ينظر: المحرر الوجيز 1/ 243.
    (^10) ينظر: مجاز القرآن 1/ 65، الجامع لأحكام القرآن 2/ 160، وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى التيمي النحوي البصري، من تصانيفه: مجاز القرآن، مات سنة 210 هـ وقيل غيرها، له ترجمة في: طبقات الداوودي 2/ 326، طبقات الأدنه وي ص 30.
116

وجماع القول في الآية أن الأقوال لا تعارض بينها، بل هي متفقة في المعنى: فالبار، وذا البر، والبر بر من آمن بمعنى واحد، ولذا قال الزجاج: (والمعنى: ولكن ذا البر من آمن بالله، ويجوز أن تكون: ولكن البر بر من آمن بالله ..) (^1).

وكذا قال ابن عقيل: (البار، أو البر: بر من آمن بالله) على التخيير بين الألفاظ.

وقال القرطبي حينما حكى القول الثالث: (ويجوز أن يكون البر بمعنى البارَّ والبَرّ) (^2). والله تعالى أعلم.

قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾ [البقرة:184].

11/ 10 - قال ابن عقيل: (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]: (وتقديره بإجماعنا: فأفطر ... ثم قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ تقديره: فليصم بعدة أيام الإفطار ... وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185] دلالة على أن اليسر هو تأخير الأداء لأجل المرض اهـ) (^3).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في كلامه حول الآية إلى مسائل:

المسألة الأولى: التقدير في قوله: ﴿.. مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ ..﴾:

فيه قولان:

  • (^1) معاني القرآن وإعرابه 1/ 232.
    (^2) الجامع لأحكام القرآن 2/ 160، وينظر: جامع البيان 3/ 77، التفسير الكبير 5/ 38.
    (^3) ينظر: الواضح 3/ 76، والتذكرة ص 109.
117

القول الأول: أن يقدر: فأفطر فعدة، بمعنى أنه لا يقضي إذا صام في المرض أو السفر، وهو مذهب جمهور الفقهاء (^1)، وقد نقل ابن عقيل إجماع الحنابلة، بل نقل بعضهم إجماع المسلين.

ومن ذلك قول ابن عبدالبر: (وأجمع الفقهاء أن المسافر بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر) (^2).

وقال الجصاص: (ويدل على أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه ولا قضاء عليه إلا أن يفطر) (^3).

وقال ابن تيمية: (ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة) (^4) - يعني في السفر - وقال أيضًا: (ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإن الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين) (^5).

وحجتهم ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي - ﷺ -: أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام -، فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر " (^6)، وقال أنس: (كنا نسافر مع النبي - ﷺ -، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) (^7).

  • (^1) ينظر: النكت والعيون 1/ 238، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/ 190، والأم للشافعي 2/ 139، والمغني 4/ 389.
    (^2) التمهيد 7/ 221.
    (^3) أحكام القرآن 1/ 259.
    (^4) ينظر: مجموع الفتاوى 33/ 95.
    (^5) مجموع الفتاوى 22/ 287.
    (^6) أخرجه البخاري في باب الصوم في السفر والإفطار من كتاب الصوم (1943)، ومسلم في باب التخيير في الصوم والفطر في السفر من كتاب الصيام (1121).
    (^7) أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب لم يعب أصحاب النبي - ﷺ - بعضهم بعضًا في الصوم والإفطار (1947)، ومسلم في كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان (1118).
118

القول الثاني: عدم التقدير، وأن القضاء لازم مع وجود السفر صام أو أفطر، وهذا قول داود الظاهري (^1)، وابن حزم (^2)، وحكي عن بعض السلف (^3)، استدلالًا بظاهر الآية، ولقوله - ﷺ -: " ليس من البر الصوم في السفر " (^4)، وغيره من الأدلة التي فيها النهي عن الصوم في السفر، لكن هذا القول مهجور كما أشار ابن عبدالبر إلى هذا بقوله: (هجره الفقهاء كلهم، والسنة ترده) (^5).

وقال الجصاص: (واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم المسافر، غير شيء يروى عن أبي هريرة أنه قال: من صام في السفر فعليه القضاء، وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافًا) (^6).

  • (^1) النكت والعيون 1/ 238. وهو داود بن علي بن خلف الظاهري أبو سليمان، أحد المجتهدين، تنسب إليه الطائفة الظاهرية، سميت لأخذها بظاهر الكتاب والسنة، وإعراضها عن التأويل والرأي، مات سنة 270 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 9/ 20، لسان الميزان 2/ 490.
    (^2) المحلى 6/ 176، وهو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم المحدث الفقيه الأصولي، له كتاب: المحلى شرح المجلى، مات سنة 456 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 18/ 184، شذرات الذهب 3/ 299.
    (^3) منهم عمر وابن عمر وأبو هريرة والزهري والنخعي وغيرهم، ينظر: فتح الباري 4/ 229.
    (^4) أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه واشتد الحر (1946)، ومسلم في كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان
  • (1115) من حديث جابر - ﵁ -.
    (^5) التمهيد 22/ 49.
    (^6) أحكام القرآن 1/ 259.
119

وقال ابن العربي: (قال علماؤنا: هذا القول - يعني الأول - من لطيف الفصاحة، لأن تقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر .... وقد عزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره ....، وجزالة القول وقوة الفصاحة تقتضي [فأفطر]، وقد ثبت عن النبي - ﷺ -: " الصوم في السفر " قولًا وفعلًا) (^1)، وعلى هذا فالراجح القول الأول لقوة أدلتهم وإمكان الجمع بينها وبين أدلة القول الثاني، وهو الذي عليه عامة العلماء.

قال الشافعي: (وكان فرض الصوم والأمر بالفطر في المرض والسفر في آية واحدة، ولم أعلم مخالفًا أن كل آية إنما أنزلت متتابعة لا متفرقة، وقد تنزل الآيتان في السورة مفترقتين فأما آية فلا ; لأن معنى الآية أنها كلام واحد غير منقطع يستأنف بعده غيره فلم يختلفوا كما وصفت أن آية لم تنزل إلا معًا لا مفترقة، فدلت سنة رسول الله على أن أمر الله المريض والمسافر بالفطر إرخاصًا لهما لئلا يُحرَجا إن فعلا؛ لأنهما يجزيهما أن يصوما في تينك الحالين شهر رمضان؛ لأن الفطر في السفر لو كان غير رخصة لمن أراد الفطر فيه لم يصم رسول الله - ﷺ -) (^2).

  • (^1) أحكام القرآن 1/ 112.
    (^2) أحكام القرآن 1/ 107، اختلاف الحديث له ص 492.
120

وقال الطبري: (وهذا القول أولى عندنا بالصواب؛ لإجماع الجميع على أن مريضًا لو صام شهر رمضان - وهو ممن له الإفطار في مرضه - أن صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلومًا بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره، لأن الذي جُعل للمسافر من الإفطار وأُمر به من قضاء عدة من أيام أخر، مثل الذي جُعل من ذلك للمريض وأُمر به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185] فلا عسر أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عِدَّة من أيام أُخَر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه) (^1).

وقال ابن تيمية: (والصحيح ما عليه الأئمة، وليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر، فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزًا ..) (^2).

وتحمل أحاديث النهي الصحيحة على حالات معينة، كمن بلغ منه الصوم مثل ما بلغ من الذي قال له النبي - ﷺ -: " ليس من البر الصوم في السفر " فيحرم عليه لتعريضه نفسه للضرر، وما روي من أخبار فيحمل على هذا إن ثبتت، وما لا يصح فلا يضاف إلى النبي - ﷺ -.

قال الطبري: (وغير جائز أن يضاف إلى النبي - ﷺ - قِيلُ ذلك؛ لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله - ﷺ - واهية الأسانيد لا يجوز الاحتجاج بها في الدين) (^3).

وعلى هذا فكلام ابن عقيل في التقدير هو الصحيح والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية:

  • (^1) جامع البيان 3/ 213.
    (^2) مجموع الفتاوى 22/ 287.
    (^3) جامع البيان 3/ 217.
121

التقدير في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فليصم بعدة أيام الإفطار، وهذا هو ظاهر الآية، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:185] يعني العدد (^1)، فالقضاء على من أفطر لازم بالإجماع، قال ابن قدامة: (ويلزم المسافر والحائض والمريض القضاء إذا أفطروا، بغير خلاف) (^2).

واختلف العلماء في عدد الأيام التي تقضى:

القول الأول: بمثل عدد الأيام التي أفطرها فلو أفطر شهر رمضان وهو ناقص فلا يلزمه إلا تسعًا وعشرين يومًا، وهو مذهب الحنفية (^3)، قال الجصاص: (من غير خلاف من أحد من أصحابنا) (^4)، وهو قول ابن حزم (^5)، والمشهور عند المالكية (^6)، والصحيح من مذهب الحنابلة (^7).

القول الثاني: حكى بعض أصحاب مالك (^8) عنه: أن رمضان يُقضى بالأهلة، بمعنى: أنه إن قضى شهرًا هلاليًا أجزأه سواء كان تامًا أو ناقصًا، وإن لم يقض شهرًا صام بعدد الأيام، وهي رواية عند بعض الحنابلة (^9)، ولا أدري كيف استدلالهم لهذا القول، ولذا قال ابن حزم: (ولا برهان على صحة هذا القول) (^10).

  • (^1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 268.
    (^2) المغني 4/ 389.
    (^3) ينظر: المبسوط 3/ 139.
    (^4) أحكام القرآن 1/ 267.
    (^5) المحلى 6/ 188.
    (^6) شرح مختصر خليل للخرشي 3/ 384.
    (^7) كشاف القناع 2/ 333، والإنصاف 7/ 497.
    (^8) هو أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، من مصنفاته: الموطأ وغيره، مات سنة 179 هـ، له ترجمة في: تهذيب التهذيب 10/ 5، سير أعلام النبلاء 8/ 48. ينظر: شرح مختصر خليل، ونسبه أيضًا لابن وهب 3/ 384.
    (^9) الإنصاف 7/ 497.
    (^10) المحلى 6/ 188.
122

والدليل الواضح مع أصحاب القول الأول، وهو أن الله لم يقل: فشهر من أيام أخر، بل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^1). والله أعلم.

المسألة الثالثة:

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185]، قال ابن عقيل: (دلالة على أن اليسر هو تأخير الأداء لأجل المرض) (^2). وما ذكره ابن عقيل مثال للمراد، والأولى حمل دلالتها على العموم في أمور الدين.

قال القرطبي: (والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78]) (^3)، فهذا المقطع من الآية دليل على أن المأمور به فيما سبق لا يراد به إلا اليسر، ومن ذلك جواز تأخير الصوم للمريض والمسافر وأهل الأعذار، ومن ذلك أن من صام وقد رخص له بالفطر لا يلزمه القضاء على القول الصحيح، ولذا قال الطبري: (قول الله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185]، فلا عسر أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عِدَّة من أيام أُخَر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه) (^4). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾ [البقرة: 184].

  • (^1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 267.
    (^2) الواضح 3/ 76.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 2/ 201.
    (^4) جامع البيان 3/ 214.
123

12/ 11 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184]، ثم نسخ إلى الصوم حتمًا وتعيينًا من غير تخيير، مع الإقامة والصحة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185] اهـ) (^1).

الدراسة:

اختلف العلماء في نسخ هذه الآية على قولين:

القول الأول:

ذهب ابن عقيل إلى أن الآية الأولى تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم والإفطار، وقد نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185].

وهذا هو المروي عن معاذ بن جبل (^2)، وابن عمر (^3)، وعكرمة (^4)، والحسن البصري

  • (^1) الواضح 1/ 251.
    (^2) أخرجه أحمد 5/ 246، والطبري في جامع البيان 3/ 161.
    (^3) أخرجه البخاري في التفسير باب: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]
  • (4506) عن ابن عمر - ﵁ -.
    (^4) هو أبو عبدالله عكرمة القرشي مولاهم المدني البربري الأصل، مات سنة 105 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 12.
124

- رضي الله عنهم - (^1)، وهو قول قتادة (^2)، والنحاس (^3)، ومكي (^4)، والواحدي (^5)، وابن الجوزي (^6)، وغيرهم (^7)، وروي أيضًا عن ابن عباس - رضي الله عنه - (^8).

القول الثاني: ذهب ابن عباس - رضي الله عنه -، والسدي (^9)، إلى أن الآية محكمة، على تأويل: كانوا يطيقونه في حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم (^10)، أو أن معنى يطيقونه: يتكلَّفونه، ويؤيدها قراءة ابن عباس (وعلى الذين يُطَوّقونه) (^11)، أي: يطيقونه على جهد ومشقة.

والراجح هو القول الأول لأمور منها:

  • (^1) ينظر: جامع البيان 3/ 161 وما بعدها، وهو الحسن البصري بن أبي الحسن أبو سعيد مولى زيد بن ثابت له التفسير رواه عنه جماعة، وكتابه إلى عبدالملك بن مروان في الرد على القدرية، توفي سنة 110 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 563، طبقات الداوودي 1/ 150.
    (^2) الناسخ والمنسوخ له ص 37.
    (^3) الناسخ والمنسوخ له ص 94.
    (^4) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 149.
    (^5) الوجيز 1/ 150.
    (^6) نواسخ القرآن ص 203.
    (^7) ينظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي ص 25، مناهل العرفان 2/ 258.
    (^8) ينظر: جامع البيان 3/ 165.
    (^9) ينظر: جامع البيان 3/ 169 وما بعدها.
    (^10) ينظر: المحرر الوجيز 1/ 52.
    (^11) أخرجها عبدالرزاق في مصنفه
  • (7575) عن ابن جريج، وينظر: جامع البيان 3/ 172.
125

1 - يدل عليه فعل الصحابة - رضي الله عنهم - بعد نزول الآية، كما جاء عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أنه قال: (لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها) (^1). ... وقال الطبري خلال ترجيح القول الأول: (يؤيد هذا القول: الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن معاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع، من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله - ﷺ - في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم أفطره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185] فأُلزِموا فرض صومه وبطل الخيار والفدية) (^2).

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]
  • (4507) عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 94.
    (^2) جامع البيان 3/ 178.
126