منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 127 - 146

سورة البقرة (3 من 3)

2 - دلالة سياق الآية على تخيير المطيق للصيام من عدمه إذا كان صحيحًا مقيمًا. ... قال النحاس: (في هذه الآية أقوال أصحها أنها منسوخة، سياق الآية يدل على ذلك، والنظر، والتوقيف من رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ - (^1» (^2). فالمعنى المعروف في العربية لـ[يطيقونه]: أي يستطيعونه، قال الجوهري: (في طوْقِي أي: في وُسْعِي، وطوَّقْتُك الشيء أي: كلّفْتُكَه) (^3)، فلا يفيد معنى التكليف إلا مع التشديد، كما أن القول بأن المراد: لا يطيقونه، يرده آخر الآية؛ لأنه والحالة هذه لا يشرع له الصيام، فآخرها هو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾ [البقرة:184].

3 - أن القول الثاني مبني على أن في الآية تقديرًا لمحذوف وهذا خلاف الأصل. قال النحاس: (الصواب أن يقال: الآية منسوخة بقوله جل وعز: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]؛ لأن من لم يجعلها منسوخة جعله مجازًا، وقال المعنى فيه: يطيقونه على جهد، وقال: كانوا يطيقونه، فأضمر كان وهو مستغن عن هذا) (^4).

  • (^1) ثم ذكر بسنده الرواية عن سلمة بن الأكوع وابن عباس - ﵃ -.
    (^2) الناسخ والمنسوخ ص 94.
    (^3) الصحاح 4/ 1252.
    (^4) الناسخ والمنسوخ ص 95.
127

4 - أن من قال بعدم النسخ اعتمد على ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قرأها: ... (يُطَوَّقونه)، أي: يشق عليهم، ولكنها قراءة شاذة (^1). ... قال الطبري: (وأما قراءة من قرأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقونه) فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلاف، وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذر؛ لأن ما جاءت به الحجة من الدين هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله، ولا يُعترض على ما قد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأقوال الشاذة) (^2)، ومثله قال النحاس (^3)، وابن الجوزي (^4).

5 - أن معنى هذه القراءة الشاذة: لا يدل على مشقة تصل بصاحبها إلى الفطر بعد إيجاب الصوم من غير تخيير (^5)، وفي كل عمل مشقة نسبية، خصوصًا أول مشروعيته، وهذا لا يقول به أصحاب القول الثاني.

  • (^1) ينظر: المحتسب 1/ 118.
    (^2) جامع البيان 3/ 180.
    (^3) الناسخ والمنسوخ ص 96.
    (^4) نواسخ القرآن ص 213.
    (^5) ينظر: مناهل العرفان 2/ 259.
128

6 - أن القول بالنسخ هو ما يُحمل عليه تفسير جمهور العلماء، وقراءتهم. ... قال الطبري: (وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184] منسوخ بقول الله تعالى ذكره: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]؛ لأن الهاء التي في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:184] من ذكر الصيام، ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين، فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين كان معلومًا أن الآية منسوخة) (^1). وقال أيضًا: (وأما قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184] فإن قراءة كافة المسلمين: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:184] وعلى ذلك خطوط مصاحفهم وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها لنقل جميعهم تصويب ذلك قرنًا عن قرن) (^2). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾ [البقرة:197].

13/ 12 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ وعنى به: أوجب فيهن اهـ) (^3).

الدراسة:

استدل ابن عقيل هنا على أن الفرض بمعنى الواجب (^4).

  • (^1) جامع البيان 3/ 178.
    (^2) جامع البيان 3/ 161.
    (^3) الواضح 3/ 164.
    (^4) وينظر: الواضح 1/ 125.
129

وتفسير الفرض بالواجب في هذه الآية هو ما حكى الطبري عليه الإجماع فقال: (وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي يكون به الرجل فارضًا الحج، بعد إجماع جميعهم على أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام) (^1).

وقال الجصاص: (ومعنى فرض الحج فيهن: إيجابه فيهن) (^2).

وقال ابن عطية: (أي: من ألزمه نفسه) (^3).

وقال الرازي: (أي: أوجب وقطع) (^4).

وقال ابن كثير: (أي: أوجب بإحرامه حجًا) (^5).

وقال ابن منظور: (وقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجبه على نفسه بإحرامه) (^6).

وهنا يرد سؤال:

هل الفرض في غير هذه الآية بمعنى الواجب على الإطلاق؟ (^7).

قال ابن عقيل: (الفرض والواجب سواء في أصح الروايات عن أحمد - رضي الله عنه -، وبها قال أصحاب الشافعي (^8)، وعنه رواية أخرى: أن الفرض ما ثبت بدليل مقطوع عليه، والواجب غيره، وهو ما ثبت بخبر واحد أو قياس، فالفرض على هذه الرواية آكد من الواجب، وبها قال أبو حنيفة (^9)، وعنه: أن الفرض ما ثبت بقرآن، ولا يسمى فرضًا ما ثبت بسنة النبي - ﷺ -) (^10).

  • (^1) جامع البيان 3/ 453.
    (^2) أحكام القرآن 1/ 366.
    (^3) المحرر الوجيز 1/ 271.
    (^4) تفسير غريب القرآن العظيم ص 281.
    (^5) تفسير ابن كثير 2/ 506.
    (^6) لسان العرب 7/ 202.
    (^7) يراجع في هذه المسألة مفصلًا: المسودة ص 50، العدة 1/ 162، 2/ 176، روضة الناظر 1/ 91، شرح الكوكب المنير 1/ 351.
    (^8) ينظر: المستصفى 1/ 66.
    (^9) ينظر: أصول السرخسي 1/ 110.
    (^10) الواضح في أصول الفقه 3/ 163.
130

وقال الطوفي: (والنزاع لفظي، إذ لا نزاع في انقسام الواجب إلى ظني وقطعي، فليسموا هم القطعي ما شاؤوا) (^1)، وقال أيضًا: (واتفقنا عل تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاؤوا) (^2).

قال ابن اللحام (^3): (فإن أريد: أن المأمور به ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، فلا نزاع في ذلك، وإن أريد: أنه لا تختلف أحكامهما، فهذا محل نظر) (^4)، وهذا كلام يجمع لنا الخلاصة من الخلاف إذ أن اللفظ لا مشاحة في إطلاقه، لكن لا يخفى علينا أن من سوى بينهما يرى أن هنا واجبًا آكد من واجب. والله أعلم.

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾ [البقرة:197].

14/ 13 - قال ابن عقيل: (﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ الرفث: الجماع ودواعيه، والفسوق: السباب، والجدال: المماراة فيما لا يعني اهـ) (^5).

الدراسة:

ذكر ابن عقيل في تفسير هذه الآية معنى ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى: الرفث:

  • (^1) شرح مختصر روضة الناظر 1/ 265، وهذا ما ذهب إليه ابن قدامة في روضة الناظر 1/ 93، والغزالي في المستصفى 1/ 66.
    (^2) شرح مختصر روضة الناظر 1/ 276.
    (^3) هو علي بن محمد بن علي العلاء البعلي ثم الدمشقي الحنبلي، ويعرف بابن اللحام، ممن تتلمذ على ابن رجب وبرع في مذهبه ودرس وأفتى، مات سنة 803 هـ، له ترجمة في: شذرات الذهب 7/ 31.
    (^4) القواعد ص 99.
    (^5) التذكرة ص 104.
131

ذكر العلماء الخلاف في معناها على قولين:

القول الأول: أنه الجماع قاله ابن عباس، وابن عمر (^1)، والحسن، ومجاهد، وقتادة (^2)، والفراء (^3)، وجماعة من السلف.

القول الثاني: أنه الجماع وما دونه من التعريض ونحوه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر أيضًا (^4).

وهذان القولان لا تعارض بينهما؛ فالجميع متفق على أن الجماع رفث، قال ابن عبدالبر: (ولم يختلف العلماء في قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:187] أن الرفث الجماع) (^5)، ولم ينف أصحاب القول الأول ما دونه، فالراجح ما ذكره ابن عقيل وهو الجمع بين القولين بأن الرفث: الجماع ودواعيه، وهذا هو ما رجحه الطبري؛ حيث قال بعد بيانه أن الرفث يطلق على الإفحاش في القول ويستعمل في الكناية عن الجماع: (فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين في تأويله وفي هذا النهي من الله: عن بعض معاني ﴿الرَّفَثُ﴾ أم عن جميع معانيه؟ وجب أن يكون على جميع معانيه، إذ لم يأت خبر بخصوص الرفث الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني الرفث يجب التسليم له، إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلى تأويل باطن إلا بحجة ثابتة) (^6).

وقال الراغب: (الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه) (^7).

وكذا ابن العربي فقد قال: (الرفث: كل قول يتعلق بذكر النساء ... وقد يطلق على الفعل من الجماع والمباشرة ...) (^8).

  • (^1) هو عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي مات سنة 73 هـ، له ترجمة في: الإصابة 4/ 181 (4837)، شذرات الذهب 2/ 15.
    (^2) ينظر جامع البيان 3/ 463 وما بعدها.
    (^3) معاني القرآن 1/ 120.
    (^4) جامع البيان 3/ 458 - 459.
    (^5) التمهيد 22/ 147.
    (^6) جامع البيان 3/ 469.
    (^7) المفردات ص 225.
    (^8) أحكام القرآن 1/ 188.
132

وقال الرازي: (الرفث: الجماع ومنه قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة:187] والرفث أيضًا: الفحش من القول، وتكليم النساء في الجماع) (^1).

الكلمة الثانية: الفسوق:

اختلف أهل التفسير في معناه في هذه الآية على أربعة أقوال:

القول الأول: أن المراد بالفسوق المعاصي كلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة:282] وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء (^2)، ومجاهد (^3)، وخصه بعضهم بما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وأخذ الشعر وتقليم الظفر وما أشبه ذلك وروي هذا عن ابن عمر (^4)، ورجحه الطبري (^5).

القول الثاني: أن المراد به السباب، ومنه قوله - ﷺ -: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (^6) وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس (^7)، وهو تفسير ابن عقيل.

  • (^1) تفسير غريب القرآن العظيم ص 136.
    (^2) هو عطاء بن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني له كتاب تنزيل القرآن، وتفسيره، توفي سنة 135 هـ، له ترجمة في: ميزان الاعتدال 3/ 73، طبقات الداوودي 1/ 385.
    (^3) جامع البيان 3/ 470.
    (^4) جامع البيان 3/ 473.
    (^5) جامع البيان 3/ 476.
    (^6) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (48)، ومسلم في كتاب الإيمان باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (64).
    (^7) جامع البيان 3/ 474.
133

القول الثالث: أن المراد به الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام:145] وهو مروي عن ابن زيد (^1).

القول الرابع: أن المراد به التنابز بالألقاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:11] وهو مروي عن الضحاك بن مزاحم (^2).

ومعنى الفسوق في اللغة شامل لجميع هذه الأقوال فهو واقع على كثير الذنب وقليله (^3)، ولهذا فالراجح صحة الجميع ويجمعها القول الأول، ويكون اختلاف العلماء من باب ذكر المثال.

قال ابن عطية: (وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال) (^4).

وقال القرطبي: (والقول الأول أصح لأنه يتناول جميع الأقوال) (^5).

  • (^1) جامع البيان 3/ 457، وهو عبدالرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني أخو أسامة وعبدالله وفيهم لين وكان عبدالرحمن صاحب قرآن وتفسير جمع تفسيرًا في مجلد وكتابًا في الناسخ والمنسوخ، توفي سنة 182 هـ، وله ترجمة في: سير أعلام النبلاء 8/ 349، طبقات الداوودي 1/ 271.
    (^2) جامع البيان 3/ 476.
    (^3) ينظر: المفردات ص 425، بصائر ذوي التمييز 4/ 192.
    (^4) المحرر الوجيز 1/ 273.
    (^5) الجامع لأحكام القرآن 2/ 271.
134

وقال ابن كثير: (والذين قالوا الفسوق ههنا هو جميع المعاصي الصواب معهم كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم وإن كان في جميع السنة منهيا عنه إلا أنه في الأشهر الحرم آكد ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:36] وقال في الحرم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)﴾ [الحج:25] واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر وما ذكرناه أولى والله أعلم) (^1).

الكلمة الثالثة: الجدال:

قال ابن عقيل: (الجدال: المماراة فيما لا يعني).

وقال الراغب: (الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (^2)، وقد اختلف أهل التفسير في معنى الجدال في هذه الآية على قولين:

أحدهما: أن المعنى لا يمارين أحد أحدًا، فيخرجه المراء إلى الغضب وفعل ما لا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والزهري (^3) وغيرهم (^4).

والقول الثاني: أن المعنى لا شك في الحج ولا مراء، فإنه قد استقام أمره وعرف موضعه ووقته وزال النسيء عنه، وإليه ذهب مجاهد (^5)، ورجحه الطبري (^6)، وابن كثير (^7).

وخلاصة الخلاف في الجدال:

  • (^1) تفسير ابن كثير 1/ 238.
    (^2) المفردات ص 101.
    (^3) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري مات سنة 124 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 326.
    (^4) ينظر: جامع البيان 3/ 478، تفسير ابن أبي حاتم 1/ 348.
    (^5) تفسير عبدالرزاق 1/ 77، جامع البيان 3/ 484.
    (^6) جامع البيان 3/ 487.
    (^7) تفسير ابن كثير 1/ 239.
135

أنه اتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه.

فمحل الخلاف هو ما يجر إلى النزاع والخصام وينافي حرمة الحج، وقد أشار ابن عقيل إلى هذا المعنى حيث قال: (المماراة فيما لا يعني)؛ فذهب البعض إلى العموم وخصه البعض بالاختلاف في وقت أو موضع الحج (^1)، والتعميم أولى للإطلاق في الآية، وهو وإن كان ممنوعًا في كل مكان وزمان، فإنه يغلظ المنع عنه في الحج، والله تعالى أعلم وأحكم.

قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)﴾ [البقرة:228].

15/ 14 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والمراد به كل الحرائر من المطلقات بوائن أو رجعيات، وقال في آخرها: ... ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ يرجع إلى الرجعيات، فالأول على عمومه، والآخر خاص في الرجعيات اهـ) (^2).

  • (^1) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 2/ 272.
    (^2) ينظر: الواضح 3/ 433.
136

الدراسة:

كلام ابن عقيل في هذه الآية واضح، ومثله قال ابن العربي (^1)، إلا أن العموم في لفظ المطلقات مخصوص بالمدخول بهن غير الحوامل فقط، وخرجت المطلقة قبل الدخول بها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49]، وكذلك اللائي لا يحضن سواء كانت صغيرة أو آيسة والحامل بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] (^2).

قال القرطبي في لفظ المطلقات بالآية: (عام في المطلقات ثلاثًا، وفيما دونها لا خلاف فيه، ثم قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ﴾ حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث، وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولًا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة) (^3).

  • (^1) أحكام القرآن 1/ 254.
    (^2) وقد نُقِل الإجماعُ على أن عدة الحامل وضع حملها إلا ما روي عن ابن عباس - ﵁ -، ومذهبه الأخذ باليقين لمعارضة عموم قوله تعالى في المتوفى عنها: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234]، ولم يخص حاملًا من غير حامل، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4]، ولم يخص المتوفى عنها، فمن لم يبلغه حديث سبيعة المتفق عليه لزمه الأخذ باليقين، ينظر: الإجماع لابن المنذر ص 73، والتمهيد لابن عبدالبر 11/ 311.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 3/ 80.
137

والثمرة من الإشارة إلى هذا التفسير: أنه إذا كان أول الآية عامًا وآخرها خاصًا، حُمِل كل واحد منهما على ما ورد، ولا يخص أولها بآخرها (^1). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)﴾.

16/ 15 - قال ابن عقيل: (﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وذلك واقع في الطهر كوقوعه في الحيض، إلا أنه في الحيض أظهر؛ لاتصافه بموضوعه وهو الاجتماع، وذلك إنما يتأتى في الدم اهـ) (^2).

الدراسة:

قبل الدخول فيما أشار إليه ابن عقيل أبين ما يلي:

اتفق أهل اللغة على أن المراد بالقرء: الوقت (^3).

قال الجوهري: (وإنما القرء الوقت، فقد يكون للحيض، وقد يكون للطهر ..) (^4).

وقال ابن العربي: (.. وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه؛ أقربها: أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت) (^5).

لكن اختلف السلف والخلف في المراد بالقروء في الآية قديمًا وحديثًا على قولين (^6):

القول الأول:

  • (^1) ينظر في هذه المسألة: العدة لأبي يعلى 2/ 614، والتمهيد لأبي الخطاب 2/ 167، والواضح 3/ 433.
    (^2) ينظر: الجدل على طريقة الفقهاء ص 3، وينظر: الواضح 4/ 66.
    (^3) ينظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 79، المفردات ص 445.
    (^4) الصحاح 1/ 50.
    (^5) أحكام القرآن 1/ 250.
    (^6) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 250.
138

أنها الأطهار، وهو قو ل عائشة (^1)، وزيد بن ثابت (^2)، وابن عمر (^3)، ومالك (^4)، والشافعي (^5)، ورواية عن أحمد (^6)، وهو قول الفقهاء السبعة (^7)، والزهري (^8).

ويستدلون بقول النبي - ﷺ - لعمر: " مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " (^9).

القول الثاني:

  • (^1) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وهو عبدالله بن عثمان بن عامر بن كعب القرشي التميمي ﵄، ماتت سنة 58 هـ، لها ترجمة في: الإصابة 8/ 16 (11457).
    (^2) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي المقرئ الفرضي مات سنة 45 هـ له ترجمة في: الإصابة 2/ 592 (2882)، سير أعلام النبلاء 2/ 578.
    (^3) جامع البيان 4/ 97.
    (^4) المحرر الوجيز 1/ 304.
    (^5) الرسالة للشافعي 569.
    (^6) المقنع 3/ 1004.
    (^7) الفقهاء السبعة هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبدالله بن عبدالله بن عتبة، وسليمان بن يسار،
    ينظر: حلية الأولياء 2/ 161، سير أعلام النبلاء 4/ 438.
    (^8) معالم التنزيل للبغوي 1/ 150، والزهري هو أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، مات سنة 124 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 326.
    (^9) أخرجه البخاري كتاب الطلاق باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:1] (5251)، ومسلم كتاب الطلاق (1471).
139

أنها الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود (^1)، وأبي موسى الأشعري (^2)،

والأسود (^3)، وعكرمة، والنخعي (^4)، ومجاهد، والضحاك (^5)، والأوزاعي (^6)، والثوري (^7)، وأصح الروايتين عن أحمد (^8).

ويستدلون له بقول النبي - ﷺ - في المستحاضة: " تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها " (^9). وجه الدلالة: أن المرأة إنما تدع الصلاة وقت الحيض، ويدل عليه ما بعده أيضًا.

  • (^1) هو أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود الهذلي المكي المهاجري البدري مات سنة 32 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 1/ 461.
    (^2) هو عبدالله بن قيس أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ، مات سنة 44 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 2/ 380، الجرح والتعديل 5/ 138.
    (^3) هو الأسود بن يزيد بن قيس الإمام أبو عمرو النخعي الكوفي، مات سنة 75 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 50، وينظر في نسبة القول إلى هؤلاء: جامع البيان 4/ 88.
    (^4) هو الإمام الحافظ إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي اليماني ثم الكوفي مات سنة 96 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 520.
    (^5) هو أبو محمد وقيل أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي صاحب التفسير أصله من الكوفة ثم أقام ببلخ، مات سنة 102 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 598.
    (^6) هو عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد أبو عمرو الأوزاعي، مات سنة 157 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 7/ 107، ونسب القول له البغوي في معالم التنزيل 1/ 150.
    (^7) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبدالله الثوري، مات سنة 161 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 7/ 229.
    (^8) المقنع 3/ 1004.
    (^9) أخرجه الترمذي باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (126)، وابن ماجة (625)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/ 40 (109).
140

قال ابن كثير: (فهذا لو صح لكان صريحًا في أن القرء هو الحيض) (^1)؛ وقد صححه بعض العلماء (^2)، فالصواب في المسألة: هو ما ذكره ابن عقيل؛ من أن القرء يقع على الحيض والطهر إلا أنه في الحيض أظهر لصراحة ما استدلوا به وصحته في بيان القرء، ولما جاء في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت النبي - ﷺ - فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله - ﷺ -:

• إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " (^3)، وأما حديث ابن عمر فليس صريحًا في معنى القرء، وإنما هو بيان العدة التي تطلق فيها المرأة، والله أعلم.

قال الجصاص: (قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين، أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملًا لهما لما تأوله السلف عليهما لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات ...) إلى أن قال: (.. ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعًا بينهم مستفيضًا، ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه ..) (^4).

قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾ [البقرة:245].

  • (^1) تفسير ابن كثير 2/ 563.
    (^2) ينظر: صحيح سنن الترمذي للألباني 1/ 40 (109)، إرواء الغليل له أيضًا (2119).
    (^3) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب في المرأة (280)، والنسائي كتاب الطهارة باب ذكر الأقراء 1/ 121، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/ 53 (250).
    (^4) أحكام القرآن للجصاص 1/ 441.
141

17/ 16 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ والمراد به: فقراء عباد الله اهـ) (^1).

الدراسة:

أبان ابن عقيل أن المراد بقوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾: أي يقرض عباده المحتاجين.

وفي تفسيره تخصيص، والآية تدل على ما هو أعم منه.

ففي هذه الآية حث من الله تعالى على جميع الأعمال الصالحة ومنها النفقة في سبيله في كل مجال وفي الجهاد على وجه الخصوص، وهذا ما ذكره عامة أهل العلم.

قال النحاس: (أصل القرض: ما يفعل ليجازى عليه) (^2).

وقال ابن منظور: (وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ﴾ أي: يفعل فعلًا حسنًا في اتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيرًا: قد أحسنت قرضي، وقد أقرضتني قرضًا حسنًا) (^3).

  • (^1) الواضح 2/ 381.
    (^2) معاني القرآن 1/ 247.
    (^3) لسان العرب 7/ 147.
142

وقال الطبري: (القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾ [البقرة:245] يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله فيعين مُضعِفًا (^1)، أو يُقوِّي ذا فاقةٍ أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مقترًا، وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه، وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضًا؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملِّكًا له ليَقضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه قرضًا، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصفنا) (^2).

وقال البغوي: (﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:245] القرض: اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما عدّ لهم من الثواب قرضًا؛ لأنهم يعملونه لطلب ثوابه) (^3).

وقال ابن كثير: (وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:245] يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع) (^4).

  • (^1) المضعِف: الرجل الذي دابته ضعيفة، ينظر: لسان العرب 9/ 206.
    (^2) جامع البيان 4/ 428.
    (^3) معالم التنزيل 1/ 168.
    (^4) تفسير ابن كثير 2/ 610.
143

ومما يؤيد هذا التفسير ويوضحه قول النبي - ﷺ -: " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب: كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " (^1).

فإن قيل: ما مناسبة اختيار هذا الأسلوب: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ دون غيره؟.

فالجواب من وجوه:

1 - أن فيه تأكيدًا لاستحقاق الثواب بالعمل، إذ لا يكون قرضًا إلا والعوض مستحق به (^2).

2 - أن فيه حثًا وترغيبًا على البذل والزيادة في أعمال الخير.

3 - أن في أعمال الخير قطعًا من الوقت أو المال أو غيره لله تعالى، ومن معاني القرض في اللغة: القطع (^3).

4 - أن ما يقدمه الإنسان ينتظر بدله وجزاءه، وهكذا القرض.

5 - أن الجزاء يتأخر عن العمل في الغالب، وكذلك الأمر في القرض (^4).

6 - بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات (^5) بإذنه تعالى وفضله؛ ومما يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل:20].

  • (^1) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض
  • (2579) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^2) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 547.
    (^3) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 306، لسان العرب 7/ 217.
    (^4) ينظر: زاد المسير 1/ 240.
    (^5) التفسير الكبير 4/ 147.
144

7 - ذكر لفظ القرض فيه تقريب للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف رد ما أسلف (^1).

8 - ذكر لفظ القرض فيه ضمان وأمان للمنفق بأنه لن يضيع عليه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:39]. والله أعلم.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)﴾ [البقرة: 283].

18/ 17 - قال ابن عقيل: (ويعتبر القبض في الرهن؛ قال سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ اهـ) (^2).

الدراسة:

استدل ابن عقيل بالآية على اعتبار القبض في الرهن، وهو مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة (^3)، واختلفوا في تحديد نوع اشتراطه، هل هو شرط لزوم، أو شرط تمام؟.

وفائدة الفرق: أن من قال: شرط لزوم قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن الراهن.

ومن قال: شرط تمام قال: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت (^4).

  • (^1) ينظر: التسهيل 1/ 118.
    (^2) ينظر: التذكرة ص 129.
    (^3) ينظر: بداية المجتهد ص 619، أحكام القرآن للجصاص 1/ 635، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 343، بدائع الصنائع 8/ 145، المجموع 12/ 299، المغني 6/ 445.
    (^4) ينظر: بداية المجتهد ص 619.
145

فذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أن عقد الرهن لا يلزم إلا بالقبض؛ للآية التي معنا. فلو لزم عقد الرهن بدون قبض لما كان للتقييد به في الآية فائدة (^1).

وقال المالكية: يلزم الرهن بالعقد، ثم يجبر الراهن على التسليم للمرتهن، وعمدة مالك: قياس الرهن على سائر العقود اللازمة بالقول كالبيع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، والرهن عقد (^2)، ووافقه أحمد في غير المكيل والموزون في رواية ليست هي المذهب (^3).

والقول الأول أقرب للصواب؛ لأن في البيع والعقود اللازمة معاوضة فتلزم بالعقد، والرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض، والصدقة، وهو أشبه بالهبة والتبرع إذ الراهن لا يستحق في مقابله شيء على المرتهن، والإمضاء فيها يكون بالقبض، والرهن الذي لم يقبض لا يلزم إقباضه، كما لو مات الراهن، وقد وصف الله الرهن بكونه مقبوضًا في الآية فيقتضي اشتراطه وعدم لزوم الرهن إلا بالقبض. والله تعالى أعلم.

ومن ثمرات المسألة:

1 - أنه لو تعاقد الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن في يد الراهن، لم يصح الرهن (^4).

2 - أن الرهن الذي لم يقبض لا يلزم إقباضه، كما لو مات الراهن فلا يلزم الورثة تسليم الرهن.

  • (^1) ينظر: النكت والعيون 1/ 359، بدائع الصنائع 8/ 145، المجموع 12/ 299، زاد المسير 1/ 280، المغني 6/ 445، وهو قول ابن حزم في المحلى 8/ 230.
    (^2) ينظر: بداية المجتهد ص 619، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 343، المغني 6/ 446، الجامع لأحكام القرآن 3/ 265.
    (^3) الكافي في فقه الإمام أحمد 2/ 74.
    (^4) بدائع الصنائع 8/ 148.
146