منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 177 - 195

سورة النساء (2 من 3)

28/ 6 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ثم بين السبيل، فقال - ﷺ -: " قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (^1) اهـ) (^2).

الدراسة:

فسر ابن عقيل السبيل في الآية بما جاء في الحديث من بيان حد الزاني والزانية، وهو قول جمهور المفسرين (^3)، بل لم أجد من خالف في هذا التفسير على وجه الإجمال، وهذا من بيان الغاية التي جعلها الله أمدًا للحكم الأول، وبعضهم يسمي هذا نسخًا، والأمر في هذا واسع.

قال الطبري: (وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ قول من قال: السبيل التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصنين الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة، لصحة الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه رجم ولم يجلد (^4» (^5).

وقال ابن قدامة: (وبين النبي - ﷺ - السبيل بالحد) (^6).

والمستفاد من تفاسير هذه الآية أربع مسائل:

  • (^1) أخرجه مسلم في كتاب الحدود باب حد الزنى
  • (1690) من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -.
    (^2) الواضح 1/ 193.
    (^3) ينظر: تفسير السمعاني 1/ 406، تفسير السمرقندي 1/ 314، أحكام القرآن للشافعي 1/ 215، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 461، معالم التنزيل 1/ 321، تفسير النسفي 1/ 214، تفسير ابن كثير 2/ 865، الدر المنثور 2/ 456.
    (^4) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب الاعتراف بالزنا (6827)، ومسلم في كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى
  • (1697) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^5) جامع البيان 6/ 498.
    (^6) المغني 12/ 372.
177

المسألة الأولى: أن الحكم الأول في الآية وهو الحبس في البيوت غير معمول به عند الجميع.

قال ابن كثير: (وهو أمر متفق عليه) (^1).

المسألة الثانية: أن المراد بالسبيل في الآية هو إقامة الحد على من ارتكب الفاحشة.

المسألة الثالثة: هل الحديث ناسخ للآية؟.

اختلف العلماء في نسخ القرآن بالسنة، وبسْطُه في كتب الأصول، لكن نقتصر هنا على الآية التي معنا فهم متفقون في الحكم رغم الاختلاف في القول بالنسخ؛ لأنه ليس من النسخ المختلف فيه، بل هو بيان للغاية التي جُعل الحكم إليها، وأترك الكلام لابن تيمية حيث يقول: (وبالجملة فلم يثبت أن شيئًا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن، وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:15]، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: " خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (^2)، وهذه الحجة ضعيفة لوجهين:

أحدهما: أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه، فإن الله مد الحكم إلى غاية، والنبي - ﷺ - بين تلك الغاية، لكن الغاية هنا مجهولة، فصار هذا يقال: إنه نسخ، بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187]، فان هذا لا يسمى نسخًا بلا ريب.

  • (^1) تفسير ابن كثير 2/ 865.
    (^2) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
178

الوجه الثاني: أن جلد الزاني ثابت بنص القرآن، وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وهو قوله: " والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم " (^1)، وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة، وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية [النساء:15] فإن هذا إن قدر أنه منسوخ، فقد نسخه قرآن جاء بعده، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه منقولًا بالتواتر، وليس هذا من موارد النزاع) (^2).

المسألة الرابعة: أنه وقع الخلاف بين الفقهاء في حد الثيب الزاني، هل هو الجلد والرجم، أو الرجم فقط؟.

  • (^1) أخرجه ابن ماجة في كتاب الحدود باب حد الزنى (2553)، وصححه ابن حبان (4429)، وأصله في البخاري
  • (6830) ومسلم
  • (1691) من حديث عمر مطولًا.
    (^2) مجموع الفتاوى 20/ 398، وينظر: زاد المسير 2/ 35، المغني 12/ 308.
179

قال ابن كثير: (وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا لأن النبي - ﷺ - رجم ماعزًا (^1)، والغامدية (^2)، واليهوديين (^3)، ولم يجلدهم قبل ذلك؛ فدل على أن الجلد ليس بحتم بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم) (^4).

وهذا هو ما رجحه الطبري كما هو واضح من كلامه السابق.

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة باب لا يرجم المجنون والمجنونة (5271)، ومسلم في كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى
  • (1691) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^2) أخرجه مسلم في كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى (1695).
    (^3) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في رجم اليهوديين (4446)، قال ابن حجر: (وإسناده ضعيف، وأصل قصة اليهوديين في الزنا والرجم دون ذكر الإحصان في الصحيحين من حديث ابن عمر) تلخيص الحبير 4/ 54.
    (^4) تفسير ابن كثير 2/ 866.
180

قال الشنقيطي: (فلما قال - ﷺ -: " قد جعل الله لهن سبيلا "، ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك ...) إلى أن قال: (ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ: أن النبي - ﷺ - قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله " وهذا قسم منه - ﷺ - أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله: " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " (^1) قالوا: إن قوله: " فإن اعترفت " شرط، وقوله: " فارجمها " جزاء هذا الشرط؛ فدل الربط بين الشرط وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى) (^2). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)﴾ [النساء:22].

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب الاعتراف بالزنا (6827)، ومسلم في كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنى
  • (1697) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^2) أضواء البيان 4/ 25.
181

29/ 7 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة " (^1) " ناكح يده ملعون " (^2) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى (^3). ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (^4).

  • (^1) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد 1/ 217 (1878)، والحاكم 4/ 356، والبيهقي في السنن كتاب الحدود باب من أتى بهيمة 8/ 234
  • (17036) بلفظ: " ملعون من وقع على بهيمة " من حديث ابن عباس - ﵁ -، وإسناده حسن، ينظر: تحقيق المسند، تلخيص الحبير 4/ 55، وقد ورد بلفظ: " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول لهم ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس إلا أن يتوب " من حديث أنس - ﵁ -، قال ابن حجر: (إسناده ضعيف)، ينظر: تلخيص الحبير 3/ 188.
    (^2) سبق تخريجه مع الذي قبله.
    (^3) هذا مثل يضرب: للأمر يتشاورون فيه ويجتمعون عليه ثم يصدرون منه، ففيه معنى الجمع، ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2/ 141، وقيل: يضرب في التحذير من سوء العاقبة، ينظر: مجمع الأمثال 2/ 396، لسان العرب مادة (فرأ) 1/ 121 فقد أشار للأقوال. والفَرَأُ: الحمار الوحشي، وفي المثل: كل الصيد في جوف الفَرَإ، الصحاح 1/ 48.
    (^4) الواضح 4/ 50.
182

الدراسة:

أشار ابن عقيل في كلامه إلى أن النكاح حقيقة في الوطء، واستدل بأنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، وهذه مسألة طال الأخذ فيها والرد، وإذا أمعنا النظر في استعمالاته في القرآن وجدنا أنه استعمل على معان منها: معنى العقد، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49]، وعلى معنى الوطء، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230].

قال الفيروزابادي: (النكاح: الوطء، وقد يكون العقد) (^1)، وبهذا يظهر لنا استعمال اللفظ في كلا المعنيين، والوسيلة للتفريق بين المراد هو سياق الكلام.

وأما المعنى المراد به في الآية التي معنا:

فهو العقد، والدليل على ذلك: اتفاق العلماء على أنه بمجرد عقد الأب تحرم على الابن.

قال ابن كثير: (يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه) (^2).

وقال الشنقيطي: (وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعًا وإن لم يمسها) (^3). والله أعلم.

  • (^1) بصائر ذوي التمييز 5/ 118.
    (^2) تفسير ابن كثير 2/ 875.
    (^3) أضواء البيان 1/ 194.
183

قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)﴾ [النساء:23].

30/ 8 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية والمراد به: حرم عليكم أفعال وأقوال (^1)، كالنكاح والجماع والاستمتاع اهـ) (^2).

الدراسة:

أبان ابن عقيل أن المراد بالآية تحريم أفعال وأقوال وليس تحريم ذوات، وبهذا قال المفسرون، ومنهم: الجصاص (^3)، والسمرقندي (^4)، والزمخشري (^5)، وابن العربي (^6)، والقرطبي (^7)، وغيرهم (^8).

قال الطبري: (فالمعنيّ بقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:3] الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهن) (^9).

  • (^1) المراد بالأفعال واضح، وأما الأقوال فمنها: الكلام في مقدمات الجماع والاستمتاع ونحو ذلك.
    (^2) الواضح 2/ 443.
    (^3) أحكام القرآن 2/ 184.
    (^4) تفسير السمرقندي 1/ 317.
    (^5) الكشاف 1/ 525.
    (^6) أحكام القرآن 1/ 478.
    (^7) الجامع لأحكام القرآن 5/ 105.
    (^8) ينظر: تفسير أبي السعود 2/ 116.
    (^9) جامع البيان 6/ 370.
184

وقال ابن كثير: (وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية [النساء:23]، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء) (^1).

وقال الشنقيطي: (وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:82]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء:23] أي: نكاحها، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:3] أي: أكلها، ونحو ذلك) (^2).

وهذا المعنى واضح لأنه هو المتبادر للذهن، ويؤيده أيضًا:

1 - تقدم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:22] يدل على أن المراد من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23] تحريم نكاحهن، وما بعدها أيضًا في النكاح.

2 - أنه من المعلوم بالضرورة من دين محمد - ﷺ - أن المراد: تحريم نكاحهن، ولو أريد غيره لاحتاج الأمر إلى بيان.

  • (^1) تفسير ابن كثير 2/ 884.
    (^2) أضواء البيان 2/ 244.
185

3 - أن الأصل في الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان، فالمراد: تحريم الفعل المطلوب منها في العرف؛ فإذا قيل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:3]، فهم كل أحد أن المراد: تحريم أكلهما، وإذا قيل: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء:23]، فهم كل أحد أن المراد: تحريم نكاحهن (^1). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)﴾ [النساء:25].

31/ 9 - قال ابن عقيل: (فأما القياس الواضح فمثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25] فذِكْر الإحصان ينبه بأعلى حالتيهما على أدناهما، وذِكْر نصف العذاب يوضح أن العلة فيه الرق، فيلحق بها العبد في نقصان الحد اهـ) (^2).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في كلامه على هذه الآية إلى ثلاث مسائل:

  • (^1) ينظر: الكشاف 1/ 525، التفسير الكبير 10/ 21، تفسير البيضاوي 2/ 165.
    (^2) الجدل ص 12.
186

المسألة الأولى: أن ذكر الحكم في أعلى الحالتين للأمَةِ مُنَبِّهٌ إلى أن أدناهما من باب أولى (^1)، وهذا ما يسمى بالقياس الواضح.

المسألة الثانية: أنه لما ذكر نصف عذاب المحصنة على الأمة اتضح لنا أن العلة في التنصيف الرق، إذ لا فرق بينهما إلا بالرق.

المسألة الثالثة: إلحاق العبد بالأمة في نقصان الحد، وهذا هو قول الجمهور، بل عده بعضهم إجماعًا، ولم يعتد بخلاف من خالف.

قال الجصاص بعد ذكر هذه الآية: (ولم يذكر العبد، واتفقت الأُمَّة على أن العبد يجلد خمسين، فخصصنا الآية بالإجماع) (^2). أي آية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:2].

وقال أيضًا: (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25]؛ فنص على حد الأمة وأنه نصف حد الحرة، واتفق الجميع على أن العبد بمنزلتها لوجود الرق فيه) (^3).

وقال الشنقيطي ضمن ذكر أمثلة للقياس المجمع عليه: (وكذلك قوله تعالى في الإماء: ... ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25] فدخل في ذلك العبد قياسًا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد يعد قوله خلافًا) (^4).

  • (^1) سبقت الإشارة إلى هذه المسألة عند قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران:75] ينظر: ص 156.
    (^2) الفصول في الأصول 1/ 146.
    (^3) أحكام القرآن 3/ 350.
    (^4) أضواء البيان 3/ 132، وكأنه يشير إلى من لا يرى القياس كابن حزم فقد منع قياس العبيد على الإماء في هذه الآية، ينظر: المحلى 13/ 38.
187

وقال أيضًا: (وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص؛ لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد؛ فأجري في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد) (^1). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)﴾ [النساء:25].

32/ 10 - قال ابن عقيل: (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والمحصنات ههنا: الحرائر اهـ) (^2).

الدراسة:

فسر ابن عقيل المحصنات في هذه الآية بالحرائر، وبعد البحث والاطلاع تبين لي أن تفسير المحصنات بالحرائر في الآية التي معنا مما هو كالإجماع بين المفسرين.

ومنهم الطبري (^3)، والواحدي (^4)، والبغوي (^5)، والزمخشري (^6)، وابن الجوزي (^7)،

  • (^1) أضواء البيان 1/ 201، وينظر: البحر المحيط للزركشي 4/ 497، وفتح القدير 1/ 570.
    (^2) الواضح 2/ 124.
    (^3) جامع البيان 6/ 612.
    (^4) الوجيز 1/ 260.
    (^5) معالم التنزيل 1/ 330.
    (^6) الكشاف 1/ 532.
    (^7) زاد المسير 2/ 38.
188

والرازي (^1)، وغيرهم كثير (^2).

قال الجصاص: (أراد به الإحصان من جهة الحرية لا الإحصان الموجب للرجم؛ لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال: عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض) (^3).

وحكى بعضهم قولًا آخر بصيغة التضعيف بأن المراد بالمحصنات: المتزوجات، دون نسبته لأحد (^4)، ولا شك بقوة القول الأول ورجحانه، وعلى فرض ثبوت القول الآخر فلا يؤثر أبدًا في الحكم؛ لأن من قال به: خَصَّ التنصيف بالجلد دون الرجم، والجلد خاص بالبكر دون المزوجة.

ومن الفوائد قول الشنقيطي: (إن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:

الأول / المحصنات: العفائف، ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء:25]، أي: عفائف غير زانيات.

الثاني / المحصنات: الحرائر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25] أي: على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد.

الثالث / أن يراد بالإحصان: التزوج، ومنه على التحقيق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية [النساء:25]، أي: فإذا تزوجن) (^5). والله تعالى أعلم.

  • (^1) التفسير الكبير 10/ 32.
    (^2) ينظر: تفسير النسفي 1/ 220، التسهيل 1/ 185، تفسير أبي السعود 2/ 126.
    (^3) أحكام القرآن 2/ 213.
    (^4) حكاه النحاس في معاني القرآن 2/ 124، والقرطبي 5/ 145، والشوكاني في فتح القدير 1/ 570.
    (^5) أضواء البيان 1/ 196، وينظر: زاد المسير 2/ 33.
189

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)﴾ [النساء:43].

33/ 11 - قال ابن عقيل: (﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والغائط المطمئن من الأرض حقيقة، لكن لما كان المعقول منه قضاء الحاجة، وذِكْر الموضِع تورية وكناية عن الموضَع، صار كأنه قال: أو جاء أحد منكم من الغائط بعد حدثه في الغائط، أو من حاجة الإنسان اهـ) (^1).

الدراسة:

فسر ابن عقيل الغائط بالمكان المطمئن من الأرض وأشار إلى أن هذا هو المعنى الحقيقي له، ولكن المعنى المراد منه في الآية قضاء الحاجة، فسمى الحدث بالغائط من باب تسمية الشيء باسم مكانه، حتى صارت هذه التسمية عرفًا بين الناس، بل غلب الإطلاق على الحاجة.

قال الطبري: (والغائط: ما اتسع من الأودية وتصوب، وجعل كناية عن قضاء حاجة الإنسان؛ لأن العرب كانت تختار قضاء حاجتها في الغيطان، فكثر ذلك منها، حتى غلب ذلك عليهم، فقيل لكل من قضى حاجته التي كانت تقضى في الغيطان حيث قضاها من الأرض: متغوط) (^2).

وقال ابن عطية: (وأصل الغائط ما انخفض من الأرض وكانت العرب تقصد بقضاء حاجتها ذلك الصنف من المواضع حتى كثر استعماله في قضاء الحاجة وصار عرفه) (^3).

  • (^1) الواضح 4/ 49.
    (^2) جامع البيان 7/ 62.
    (^3) المحرر الوجيز 2/ 58.
190

وهو قول: الفراء (^1)، والنحاس (^2)، والسمرقندي (^3)، والسمعاني (^4)، وغيرهم (^5).

والله أعلم.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)﴾ [النساء:43].

34/ 12 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ حقيقة في اللمس، إلا أنه يطلق على الجماع مجازًا؛ فيحمل عليهما جميعًا، ويوجب الوضوء منهما جميعًا، فنقول: كل معنيين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما فهما كالمعنيين المتفقين اهـ) (^6).

وقال أيضًا: (فتبين أن اللمس في الأصل عبارة عن اللمس باليد، ويستدل بقول أهل اللغة، وأن الوطء له اسم يخصه اهـ) (^7).

الدراسة:

في كلام ابن عقيل مسألتان:

المسألة الأولى:

معنى: ﴿لَامَسْتُمُ﴾، ويتفرع عنها إيجاب الوضوء من عدمه.

اختلف العلماء في معناها على قولين:

  • (^1) معاني القرآن 1/ 303.
    (^2) معاني القرآن 2/ 274.
    (^3) تفسير السمرقندي 1/ 332.
    (^4) تفسير السمعاني 1/ 431.
    (^5) ينظر: زاد المسير 2/ 92، التفسير الكبير 10/ 90، الجامع لأحكام القرآن 5/ 220، لسان العرب 7/ 365، غريب القرآن للسجستاني ص 37.
    (^6) الواضح 4/ 51.
    (^7) الجدل ص 21.
191

القول الأول: قول ابن عقيل أن المراد مجرد اللمس؛ وبه ينتقض الوضوء، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، والنخعي، وعطاء (^1)، ورجحه الرازي (^2).

ومن أدلتهم:

1 - استدل له ابن عقيل بقول أهل اللغة (^3).

2 - عن معاذ - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا لقي امرأة وليس بينهما معرفة فليس يأتي الرجل شيئا إلى امرأته إلا قد أتى هو إليها إلا أنه لم يجامعها، قال فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:114]، " فأمره أن يتوضأ ويصلي "، قال معاذ: فقلت يا رسول الله: أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: " بل للمؤمنين عامة " (^4).

القول الثاني: أن المراد بالملامسة الجماع، وهو قول ابن عباس، وعلي رضي الله عنهما، والحسن، ومجاهد، وقتادة (^5).

  • (^1) جامع البيان 7/ 69 وما بعدها.
    (^2) التفسير الكبير 10/ 91.
    (^3) ينظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 210، ولما قال الأعرابي للنبي - ﷺ -: إن امرأته لا ترد يد لامس، قال العلماء: يعني أنها زانية، ولذا قال له - ﷺ -: " طلقها ".
    (^4) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ - باب ومن سورة هود
  • (3113) وقال: (هذا حديث ليس إسناده بمتصل) 5/ 291 وقال الشوكاني: (وفيه انقطاع) نيل الأوطار 1/ 187. وأصله في الصحيحين بدون ذكر الوضوء، ينظر: صحيح البخاري في كتاب الصلاة باب الصلاة كفارة (526)، ومسلم في كتاب التوبة باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:114]
  • (2763) عن ابن مسعود - ﵁ -.
    (^5) جامع البيان 7/ 63 وما بعدها.
192

واحتجوا بأن لفظ المس واللمس استعملا في كلام الله بمعنى الجماع، كما قال تعالى:

﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:237]، وقال سبحانه في آية الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:3] وسبب الخلاف: اشتراك اسم اللمس في كلام العرب على مجرد المس وعلى الجماع (^1).

قلت: والراجح أن المراد بالملامسة في الآية الجماع.

وذلك لصحة الخبر عن عائشة رضي الله عنها: " أن رسول الله - ﷺ - قبل بعض نسائه

ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " (^2)، وفيه دلالة واضحة على أن اللمس المجرد لا ينقض الوضوء (^3).

ومن المرجحات لهذا المعنى:

1 - أنه لم يصرَّح في القرآن بالجماع وإنما عبر عنه بالنكاح أو المس والملامسة.

2 - أنه لم يثبت الوضوء عن النبي - ﷺ - من المس مع عمومه وحاجة الناس إليه.

3 - أن حمله على الجماع يفيد صفة التيمم للحدث الأكبر، وفي هذا زيادة فائدة.

  • (^1) بداية المجتهد ص 36.
    (^2) أخرجه أحمد 6/ 210، وأبو داود في كتاب الطهارة باب الوضوء من القبلة (179)، والترمذي في أبواب الطهارة باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة (86)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 1/ 26، وقال محقق المسند: (إسناده صحيح) 42/ 497.
    (^3) ينظر للاستزادة في هذه المسألة: معاني القرآن للنحاس 2/ 275، أحكام القرآن لابن العربي 1/ 563 وجعلها من مسائل الخلاف الطيولية، المجموع 2/ 30 فقد أطال بذكر الفروع والأدلة ومناقشتها، بداية المجتهد ص 35.
193

قال الرازي: (والحدث نوعان: الأصغر وهو المراد بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:43]، ولو حملنا قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية، فوجب حمله على الحدث الأكبر) (^1).

وما استدل به أصحاب القول الأول من أن معنى اللمس هو مجرد المس فلا ننكر هذا بل هو المعنى الحقيقي، ولكن نقول: إن المقام محفوف بالقرائن التي ترجح حمله على الجماع (^2).

وأما الحديث فضعيف (^3)، وأصله في الصحيحين وليس فيه الأمر بالوضوء.

المسألة الثانية:

ذكر ابن عقيل قاعدة في التفسير: (كل معنيين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما فهما كالمعنيين المتفقين).

ويترتب على هذه القاعدة ما ذكره ابن العربي في هذه الآية: (قلنا: لا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس، ويفيد الحكمين) (^4).

وهذا غير مسلم به، فالقاعدة صحيحة لكن بقي لها قيد، وهو: عدم وجود مانع من جواز حمل اللفظ على المعنيين (^5)، وقد وجد الصارف في مسألتنا هذه عن حمله على معنى اللمس، وهو الحديث السابق، وحديث عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليّ، فإذا قام بسطتهما) (^6). والله أعلم.

  • (^1) التفسير الكبير 10/ 91.
    (^2) ينظر: نيل الأوطار 1/ 179.
    (^3) ضعف إسناده العلماء، ومنهم الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص 383.
    (^4) أحكام القرآن 1/ 564.
    (^5) ينظر في هذه المسألة: شرح الكوكب المنير 3/ 189، مجموع الفتاوى 13/ 340، زاد المعاد 5/ 606، فقد ذكر وجوهًا لفساد القول بالقاعدة على الإطلاق، التحرير والتنوير 1/ 98، قواعد التفسير 2/ 819.
    (^6) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب الصلاة على الفراش (382)، ومسلم في كتاب الصلاة باب الاعتراض بين يدي المصلي (512).
194

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾ [النساء:77].

35/ 13 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾ [النساء:77]،

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)﴾ [النساء:124] ذكر القليل تنبيهًا على الكثير، نافيًا للظلم عن نفسه سبحانه اهـ) (^1).

الدراسة:

جمع ابن عقيل هذه الآيات التي ذكر الله فيها نفي القليل من الظلم عنه سبحانه تنبيهًا على أن نفي الكثير من باب أولى، وهذا من جمع النظائر في المعنى الواحد.

وهذه المسألة قد سبق شبيه بها في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ [آل عمران:75] (^2).

وهذا هو المعروف من استعمال العرب، بل ويستوي في فهمه عامة الناس، وأمثلته كثيرة في القرآن والسنة (^3). والله تعالى أعلم.

  • (^1) الواضح 3/ 259.
    (^2) ينظر: ص 156.
    (^3) ينظر: الواضح 3/ 259.
195