منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 196 - 213

سورة النساء (3 من 3)

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)﴾ [النساء:92].

36/ 14 - قال ابن عقيل: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، والخطأ لا يقال: إنه له، لأنه لا يوصف بحظر ولا إباحة، لكن إن قتله خطأ؛ فتحرير رقبة اهـ) (^1).

الدراسة:

فسر ابن عقيل [إلا] في الآية بمعنى: [لكن]؛ فيكون الاستثناء منقطعًا؛ لأنه لا يقال: إن للمؤمن أن يقتل مؤمنًا خطأً، وبهذا فسره جمهور المفسرين (^2)، وهذا هو القول الأول.

قال الطبري: (إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس ذلك مما جعل له ربه فأباحه له، وهذا من الاستثناء الذي تسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع) (^3).

وقال في موضع آخر: (فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى: إلا خطأ فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ) (^4).

وقال الزجاج: (﴿إِلَّا خَطَأً﴾ استثناء ليس من الأول) (^5) - يعني منقطع -.

  • (^1) الواضح 3/ 487.
    (^2) ينظر: المحرر الوجيز 4/ 169، زاد المسير 2/ 162.
    (^3) جامع البيان 7/ 305.
    (^4) جامع البيان 5/ 687.
    (^5) معاني القرآن وإعرابه 2/ 90.
196

ومثله قال النحاس (^1)، و[إلا] تأتي بمعنى [لكن] كثير (^2).

قال القرطبي: (إلا خطأً أي: لكن خطأ) (^3).

القول الثاني: ذهب قوم إلى أن هذا الاستثناء متصل، ويفسرون: [كان] بالثبوت والاستقرار، والمعنى عندهم: وما ثبت ولا استقر ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا

إلا خطأً (^4)، قالوا: وفائدة كونه متصلًا أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال، كمن يقتل من يظنه كافرًا ثم يتبين أنه مسلم.

وهذا قول ضعيف، وقد استنكره ابن العربي فقال: (فيا لله! ويا للعالمين من هذا الكلام! كيف يصح في عقل عاقل أن يقول: أبيح له أن يقتله خطأ، ومن شرط الإذن والإباحة المكلف وقصده، وذلك ضد الخطأ؛ فالكلام لا يتحصل معقولًا ...) إلى أن قال: (وفي هذا القول من التهافت لمن تأمله ما يغني عن رده) (^5).

القول الثالث: ذهب قوم إلى أن [إلا] بمعنى [الواو]، ويكون المعنى: ليس له أن يقتله عمدًا ولا خطأً، واستدلوا باستعمال [إلا] مقام [الواو] عند العرب.

كما في قول عمرو بن معدِيكَرِبَ (^6):

وكلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدَانِ. يعني: والفرقدان (^7).

  • (^1) معاني القرآن 2/ 158.
    (^2) ينظر: جامع البيان 5/ 685، معاني القرآن للنحاس 2/ 159.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 3/ 192.
    (^4) الكشاف 1/ 580، وينظر: فتح القدير 1/ 629.
    (^5) أحكام القرآن 1/ 597.
    (^6) ينظر: ديوانه ص 181.
    (^7) الفرقدان: نجمان في السماء لا يغربان، لكنهما يطوفان بالجدي، وقيل: هما كوكبان قريبان من القطب، وقيل: هما كوكبان في بنات نعش الصغرى، ينظر: لسان العرب 3/ 334.
197

ويرد عليه بقول ابن عقيل: إن الخطأ لا يوصف بحظر ولا إباحة، وقد خطأ هذا القول أبو جعفر النحاس من وجهين فقال: (إحداهما: أن لا يعرف أن تكون [إلا] بمعنى حرف عاطف. والجهة الأخرى: أن الخطأ لا يحصَر، لأنه ليس بشيء يقصد، ولو كان يقصد لكان عمدًا) (^1).

والذي يترجح لي أن الاستثناء منقطع، وأن [إلا] بمعنى [لكن]، فهو القول السالم من الاعتراض، وهو قول الجمهور. والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)﴾ [النساء:92].

37/ 15 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ بعد قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، تقييد بالإيمان، وهو تخصيص في الحقيقة اهـ) (^2).

الدراسة:

بين ابن عقيل أن الرقبة في هذه الآية مقيدة ومخصوصة بالإيمان.

  • (^1) معاني القرآن 2/ 159.
    (^2) الواضح 1/ 257.
198

وقد نُقل الإجماع على تقييد الرقبة بالإيمان في هذه الآية (^1).

كما قال السمرقندي: (يعني: فعليه عتق رقبة مؤمنة، ولو أعتق رقبة كافرة لم يجز بالإجماع) (^2).

وقال ابن كثير: (ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة؛ فلا تجزئ الكافرة) (^3).

وفي الحكمة من التقييد بالإيمان قال ابن العربي: (وهذا يقتضي كمالها في صفات الدين، فتكمل في صفات المالية حتى لا تكون معيبة، لا سيما وقد أتلف شخصا في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه عن شغل غيره، وأيضًا فإنما يُعتق بكل عضو منه عضو منها من النار حتى الفرج بالفرج، فمتى نقص عضو منها لم تكمل شروطها، وهذا بديع) (^4). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)﴾ [النساء:105].

38/ 16 - قال ابن عقيل: (﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وهذا يعم ما يراه من النص والاستنباط من النصوص، واسم الرأي بالاجتهاد أخص منه بالنصوص اهـ) (^5).

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى مسألتين:

المسألة الأولى:

  • (^1) واختلف العلماء في القدر المجزئ من الإيمان، ينظر: الجامع لأحكام القرآن 5/ 214، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 7/ 671: (وقال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ولو أعتق مذنبًا أجزأه عتقه بإجماع العلماء)، واختلفوا أيضًا في: حمل الرقبة المطلقة ككفارة اليمين على المقيدة بالإيمان ككفارة القتل، ينظر: فتح الباري 11/ 734، نيل الأوطار 4/ 603.
    (^2) تفسير السمرقندي 1/ 352.
    (^3) تفسير ابن كثير 2/ 981.
    (^4) أحكام القرآن 1/ 599.
    (^5) الواضح 5/ 398.
199

الاستدلال بهذه الآية: على أن النبي - ﷺ - له حق الاجتهاد في الحكم بين الناس، وهذه المسألة قد سبق الحديث عنها عند قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:159] (^1).

المسألة الثانية:

أن اسم الرأي يدخل فيه ما رآه النبي - ﷺ - من النص، وما اجتهد في استنباطه منه، لكن لفظة الرأي أقرب إلى الاجتهاد في الاستنباط المطلق من الاجتهاد المقيد بالنصوص، وهذا مما يقوي ما قاله ابن عقيل.

فقوله ﴿أَرَاكَ﴾ في الآية أقرب في المعنى إلى الاستنباط والاجتهاد من الاقتصار على النص مع إفادته للمعنيين (^2).

قال الكيا الهراسي (^3): (يحتمل الوحي والاجتهاد جميعًا) (^4).

وقال ابن عطية: (وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ معناه: على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي) (^5).

وقال القرطبي: (وهذا أصل في القياس وهو يدل على أن النبي - ﷺ - إذا رأى شيئًا أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة، فأما أحدنا إذا رأى شيئًا يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يُرِد رؤية العين هنا لأن الحكم لا يُرى) (^6).

  • (^1) ينظر: ص 159.
    (^2) ينظر: النكت والعيون 1/ 528، زاد المسير 2/ 114.
    (^3) هو أبو الحسن علي بن محمد الطبري الشافعي، المعروف بالكياالهراسي، تفقه على الإمام الجويني، وتأثر به، مات سنة 504 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 19/ 350، شذرات الذهب 4/ 8.
    (^4) أحكام القرآن 1/ 498.
    (^5) المحرر الوجيز 2/ 108، وينظر: فتح القدير 1/ 646.
    (^6) الجامع لأحكام القرآن 5/ 376.
200

والمراد أن الله سبحانه وتعالى أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالة على وصف الأحوال التي يتحقق بها العدل فيحكم بين الناس على حسب ذلك، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبيَّنة في الكتاب (^1)، ولا يلزم أن يكون في كل جزئية وفرع نص أو وحي، وهذا واضح ولله الحمد. والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)﴾ [النساء:115].

39/ 17 - قال ابن عقيل: (والسبيل ها هنا هو الطريق، ولا طريق يحصل الوعيد على سلوك غيره إلا ما يوجبه اجتهادهم؛ إذ كان ما أوجبه نص القرآن، أو تواتر السنة، فذاك سبيل الله ورسوله، أخص به من الإضافة إليهم، والمؤمنون ههنا هم العلماء، إذ قد أجمعنا على أن العوام والجهال لا سبيل لهم يتبع، فلم يبق إلا العلماء، وقد تواعد على اتباع غير سبيلهم، فثبت أن سبيلهم حق متبع ودليل مرشد، والمخالف له مستحق للعقاب بالوعيد المنصوص في الآية، إذ ليس بين سبيلهم وبين سبيل غيرهم قسم ثالث، فتعين اتباع سبيلهم حيث حصل الوعيد على اتباع غير سبيلهم اهـ) (^2).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في تفسير هذه الآية إلى ثلاث مسائل:

المسألة الأولى:

أن معنى السبيل هنا: الطريق، وهو المعنى الأصلي له.

قال ابن منظور: (والسبيل في الأصل: الطريق) (^3)، وهو ما ذكره المفسرون (^4).

المسألة الثانية:

  • (^1) ينظر: التحرير والتنوير 3/ 192.
    (^2) الواضح 5/ 105، 188.
    (^3) لسان العرب 11/ 320، وينظر: معجم مقاييس اللغة 3/ 130.
    (^4) ينظر: المفردات ص 250، معالم التنزيل 1/ 383.
201

أن المراد به في الآية: الاجتهاد في أمور الدين، ولهذا استدل بها المفسرون على صحة الإجماع وحجيته.

قال الجصاص: (فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم) (^1).

وقال السمرقندي: (وفي الآية دليل أن الإجماع حجة؛ لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين) (^2).

ويتفرع عن هذه المسألة: تحريم مخالفة ما اجتمعت عليه هذه الأمة فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فقد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، وهذا الحكم ظاهر من الوعيد المنصوص عليه في الآية: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)﴾ [النساء:115] (^3).

المسألة الثالثة:

أن المراد بالمؤمنين في الآية: العلماء، ولم أجد أحدًا من المفسرين خص المؤمنين بالعلماء، ولكن يظهر أن هذا التخصيص قد انبنى على ما قبله وهو: أن المراد بسبيل المؤمنين اجتهادهم ولا يكون الاجتهاد إلا للعلماء، ويؤكد هذا ما استدل به من أن العوام والجهال لا سبيل لهم يُتبع، وهو كما قال، والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)﴾ [النساء:157].

40/ 18 - قال ابن عقيل: (قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، بمعنى: لكن اتباع الظن اهـ) (^4).

  • (^1) أحكام القرآن 2/ 353، وينظر: الكشاف 1/ 598، تفسير النسفي 1/ 251.
    (^2) تفسير السمرقندي 1/ 363.
    (^3) ينظر: تفسير ابن كثير 3/ 1018، تفسير البيضاوي 2/ 253.
    (^4) الواضح 3/ 487.
202

الدراسة:

اختلف العلماء في هذه الآية، هل الاستثناء منقطع أو متصل؟.

القول الأول: ذهب ابن عقيل إلى أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن اتباع الظن، وذلك لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، وهذا قول الطبري (^1)، والواحدي (^2)، والبغوي (^3)، والزمخشري (^4)، وابن الجوزي (^5)، والقرطبي (^6)، وغيرهم (^7).

القول الثاني: أن الاستثناء متصل، وبه قال ابن عطية: (وهو استثناء متصل؛ إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد: أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز: علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه) (^8).

وقال أبو السعود (^9): (ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزمًا كان أو غيرَه فالاستثناء حينئذ متصل) (^10).

والراجح قول الجمهور بأن الاستثناء منقطع، و[إلا] تستخدم مكان [لكن] عند العرب كثيرًا، وإنما تستعمل في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان [إلا] [لكن]؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن، وجدت المعنى صحيحًا (^11)، ويصير الاستثناء منقطعًا، وعلى هذا لا نحتاج إلى تفسير العلم بالظن. والله أعلم.

  • (^1) جامع البيان 2/ 160.
    (^2) الوجيز 1/ 130.
    (^3) معالم التنزيل 1/ 396.
    (^4) الكشاف 1/ 621.
    (^5) زاد المسير 2/ 246.
    (^6) الجامع لأحكام القرآن 6/ 9.
    (^7) ينظر: تفسير النسفي 1/ 262، التسهيل 1/ 218، أضواء البيان 2/ 510، التحرير والتنوير 6/ 22.
    (^8) المحرر الوجيز 2/ 134.
    (^9) هو أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، صنف إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن العظيم في التفسير، وله حاشية على تفسير الكشاف، مات سنة 982 هـ، له ترجمة في: طبقات الأدنه وي ص 398، شذرات الذهب 8/ 398.
    (^10) تفسير أبي السعود 2/ 218.
    (^11) ينظر: جامع البيان 2/ 159.
203

قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)﴾ [النساء:160 - 161].

41/ 19 - قال ابن عقيل: (فأخبر سبحانه وتعالى أنه يحرم المباحات في زمان النبوات عقوبة على أكل المحرمات، والآن، فلم يبق طريق للنسخ فيحرم عليك، لكن احذر لا يحرِمك، فإنه كما يمنع بالتحريم منعًا شرعيًا، يمنع بالفقر تارة، مع وجود المشتهيات وتعذر الأثمان، وتارة يوجد المال، ثم يسلط على الأبدان أنواع الأمراض المانعة من تأتي الأثمان (^1) وإباحة الشرائع (^2)، هذا من بعض عقوباته العاجلة اهـ) (^3).

الدراسة:

تناول ابن عقيل في هذه الآية مسألتين:

المسألة الأولى: أن سبب تحريم المباحات شرعًا على الأمم السابقة هو أكلهم المحرمات، وهذا سنة من سنن الله في كونه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾ [إبراهيم:7]، وقد أشار المفسرون من السلف والخلف إلى هذا السبب عند هذه الآية وغيرها في كتاب الله تعالى.

  • (^1) أي: أن المرض يمنع التكسب في البيع والشراء وطلب المال، فلا تتيسر له الأثمان مثلما كان قبل المرض.
    (^2) أي: أنه يحرم عليهم ما كان مباحًا في الشريعة بسبب ظلمهم ومعاصيهم.
    (^3) الفنون 1/ 409.
204

قال الجصاص: (قال قتادة: (عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم)، وفي ذلك دليل على جواز تغليظ المحنة عليهم، بالتحريم الشرعي عقوبة لهم على ظلمهم؛ لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أنه حرم عليهم طيبات بظلمهم وصدهم عن سبيل الله؛ والذي حرم عليهم ما بينه تعالى في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)﴾ [الأنعام:146]) (^1).

وقال القرطبي: (﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام:146]، أي: بظلمهم عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء، وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، واستحلالهم أموال الناس بالباطل، وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب؛ لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة) (^2).

وطريق التحريم الشرعي هو نسخ الحل، وقد انقطع بعد زمن النبي - ﷺ -.

المسألة الثانية: التحذير من الوقوع في الظلم مما يكون سببًا للتحريم الكوني بالفقر أو المرض وهذا من العقوبات العاجلة، أضف إلى ذلك أن عقوبة الظلم بأنواعه ظلمات يوم القيامة، وهذه من اللطائف التي ينبغي أن لا يغفل عنها المفسرون، ليكون للتفسير تأثير في القلب والقالب.

  • (^1) أحكام القرآن 2/ 366.
    (^2) الجامع لأحكام القرآن 7/ 127، وينظر: 6/ 12.
205

قال الرازي: (واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق؛ أما ظلم الخلق: فإليه الإشارة بقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:160]، ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال؛ فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه، وتارة بطريق الرشوة، وهو المراد بقوله: قال تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:161]، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:42]؛ فهذه الأربعة، هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة؛ أما التشديد في الدنيا: فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم، وأما التشديد في الآخرة: فهو المراد من قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:161]) (^1). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)﴾ [النساء:165].

  • (^1) التفسير الكبير 11/ 83.
206

42/ 20 - قال ابن عقيل: (﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾ [الإسراء:15]، كان من مقتضى شرطه سبحانه أن لا يعذب الأطفال والمجانين؛ إذ لا رسالة إليهم، ولا خطاب لهم، وقد صرح به في آية أخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:172 - 173]، فما شرطه الباري لئلا يقال: لا يفعله، ولا يجوز أن يفعله، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]، يقطع حجة المتعلقين في التكاليف بالأقدار، لأن الله سبحانه إذا ترك عن نفسه حجة بعد الرسل لا يبقى ما يكون حجة عليه، ولا حجة لمكلف بعد الرسل، كذلك لا تبعة على صبي ومجنون مع عدم الرسالة إليه اهـ) (^1).

الدراسة:

في كلام ابن عقيل على هذه الآية مسألتان:

المسألة الأولى: عدم تعذيب الأطفال والمجانين، وهو مستنبط من الآية إذ لا رسالة إليهم، ولا خطاب لهم، وقد صرح سبحانه بهذا في آية الأعراف التي ذكرها ابن عقيل.

والكلام عن الأطفال ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 - أطفال الأنبياء / قال ابن عطية: (أجمعت الأمة على أن أولاد الأنبياء في الجنة) (^2).

  • (^1) الواضح 1/ 139.
    (^2) المحرر الوجيز 5/ 339.
207

2 - أطفال المؤمنين / قال الجمهور: هم في الجنة، وقال قوم: تحت المشيئة. والراجح قول الجمهور، كما قال ابن تيمية: (لكن من ليس بمكلف من الأطفال والمجانين قد رفع القلم عنهم؛ فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطنًا وظاهرًا ما يكونون به من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعًا لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:21]) (^1)، وقال النووي: (أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفًا، وتوقف فيه بعض من لا يعتد به) (^2).

3 - أطفال المشركين / قال الجمهور: هم تحت مشيئة الله، وقال قوم: في النار (^3)، وقال جماعة من المحققين: إنهم في الجنة (^4).

  • (^1) مجموع الفتاوى 10/ 431، وينظر أيضًا: 15/ 272، شرح العقيدة الطحاوية 2/ 670.
    (^2) شرح النووي على مسلم 16/ 207.
    (^3) ينظر: التمهيد 18/ 96، طريق الهجرتين ص 571 فقد عرضا الخلاف والأدلة، المحرر الوجيز 5/ 339.
    (^4) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم في كتاب القدر باب حكم موتى المشركين 16/ 208، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 4/ 74.
208

قال القرطبي: (وأنهم إن ماتوا صغارًا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال؛ لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر، أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:172]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره) (^1).

ويدل عليه أيضًا: حديث رؤيا النبي - ﷺ - لإبراهيم الخليل عليه السلام في الجنة وحوله وِلْدان، قال - ﷺ -: " وأما الوِلْدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة "، قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين، فقال رسول الله - ﷺ -: " وأولاد المشركين " (^2).

والذي عليه السلف والأئمة إنه لا يعذب إلا من بلغته الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل كما دل عليه الكتاب والسنة (^3)، قال النووي: (وهذا متفق عليه) (^4).

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن 14/ 29، وينظر: 17/ 114، التفسير الكبير 23/ 72، أهل الفترة ومن في حكمهم ص 89 وما بعدها.
    (^2) أخرجه البخاري في كتاب التعبير باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح
  • (7047) من حديث سمرة - ﵁ -.
    (^3) ينظر: الجواب الصحيح 2/ 296.
    (^4) شرح النووي على مسلم 16/ 208.
209

وذهب بعض العلماء إلى استحباب السكوت وعدم الخوض فيما أخفاه الله من أمر الجزاء والحساب لهؤلاء الأطفال والمجانين؛ بدليل قوله - ﷺ -: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ... قالوا يا رسول الله: أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (^1).

قال الغزنوي (^2): (فإذا اختلف الناس فيهم فالسكوت أولى، فهم في مشيئة الله تعالى) (^3).

المسألة الثانية: في الآية دليل على قطع حجة المتعلقين في التكاليف بالأقدار، وأنه لا حجة لمكلف بعد بلوغ الرسالة إليه، وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة.

قال ابن تيمية: (فإن الاحتجاج به - أي القدر - باطل باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وإنما يَحْتج به على القبائح والمظالم من هو متناقض القول متبع لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري؛ أيُّ مذهب وافق هواك تمذهبت به، ولو كان القدر حجة لفاعل الفواحش والمظالم، لم يحسن أن يلوم أحد أحدًا، ولا يعاقب أحد أحدًا، فكان للإنسان أن يفعل في دم غيره وماله وأهله ما يشتهيه من المظالم والقبائح؛ ويحتج بأن ذلك مقدر عليه) (^4).

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب القدر باب الله أعلم بما كانوا عاملين (6599 - 6600)، ومسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين
  • (2658) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^2) هو أحمد بن محمد بن محمود الغزنوي الكاشاني الحنفي، فقيه أصولي، من مصنفاته: أصول الدين، مات سنة 593 هـ، له ترجمة في: الأعلام 1/ 217، معجم المؤلفين 2/ 156.
    (^3) أصول الدين ص 210.
    (^4) منهاج السنة 3/ 23.
210

وقال ابن القيم: (الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته، كما فعل آدم ...) إلى أن قال: (ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل) (^1).

وقال ابن عثيمين: (وأما إجماع السلف على بطلان القول بالجبر؛ فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال به، بل رَدُّ من أدرك منهم بدعتَه موروث معلوم) (^2). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)﴾ [النساء:171].

43/ 21 - قال ابن عقيل: (﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:171] روح ملك، وإضافة تجميل وتقريب كقوله في الكعبة ﴿بَيْتِيَ﴾ [البقرة:125]، وتسميته روح آدم ﴿رُوحِي﴾ [الحجر:29] لا أن البيت مسكنه، ولا الروح صفته، لكن خلقه، وبَجَّلَهُما بالإضافة إليه، وكفى بذلك تعظيمًا وتشريفًا اهـ) (^3).

  • (^1) شفاء العليل ص 18.
    (^2) القول المفيد على كتاب التوحيد 2/ 399، وبين أن احتجاج العاصي بالقدر باطل بالشرع والنظر، ينظر: 2/ 406.
    (^3) الواضح 2/ 382.
211

44/ 22 - وقال أيضًا: (والذي أزال إشكال قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:171]، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:29]، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:34]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:75]، قولُه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)﴾ [آل عمران: 59] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:59] اهـ) (^1).

الدراسة:

تطرق ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين:

المسألة الأولى:

أن إضافة الروح لله إضافة تجميل وتقريب، وتعظيم وتشريف، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في كل ما أضيف إلى الله وهو عين قائمة بنفسها.

قال ابن تيمية: (وما أضيف إلى الله، أو قيل هو منه، فعلى وجهين: إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو مملوك له، ومِن لابتداء الغاية، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:17]، وقال في المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:171]، وما كان صفة لا يقوم بنفسه كالعلم والكلام فهو صفة له، كما يقال كلام الله وعلم الله) (^2).

وقال ابن جماعة (^3): (أما قوله في حق آدم من روحي، فهو من إضافة خلق إلى خالقه، وملك إلى مالكه؛ لأن الأرواح كلها بيد الله تعالى لا أنه جزء منه - تعالى الله عن ذلك -وإضافته إليه إضافة تشريف) (^4).

المسألة الثانية:

أن مما أزال إشكال الآيات السابقة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:59]، أي أنه مخلوق.

  • (^1) الواضح 4/ 7.
    (^2) مجموع الفتاوى 17/ 283، 6/ 174، فتح الباري 13/ 544، شرح العقيدة الطحاوية 2/ 563.
    (^3) هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي، نهل من فنون كثيرة، مات سنة 733 هـ، له ترجمة في: شذرات الذهب 6/ 105، فوات الوفيات 2/ 292.
    (^4) إيضاح الدليل ص 142.
212

والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر ومنها:

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:62]، وقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:164]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)﴾ [الشعراء:26]، والأرواح مربوبة، وكل مربوب مخلوقُ رب العالمين.

ومن الأحاديث:

حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - قال: " كان الله ولم يكن شيء غيره " (^1)، وقوله - ﷺ -: " الأرواح جنود مجندة " (^2)، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الروح مخلوقة (^3). والله تعالى أعلم.

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:27] (3191).
    (^2) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب الأرواح جنود مجندة
  • (3336) من حديث عائشة ﵂، ومسلم في كتاب البر والصلة باب الأرواح جنود مجندة
  • (2638) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^3) وينظر للاستزادة في هذه المسألة: شرح العقيدة الطحاوية 2/ 562، مجموع الفتاوى 4/ 219 وما بعدها، الروح ص 196، فتح الباري 13/ 544.
213