منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 227 - 239

سورة المائدة (2 من 2)

وقال ابن تيمية: (وهذا ونحوه يتضمن اعترافه بأنه عبد الله، ورسول من الله لا يتعدى حد الرسالة، ولا يدعي المشاركة في الألوهية كما ادعته النصارى في المسيح، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:75]، فتبين أنه لا يتعدى حد الرسالة وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:144]. ولهذا قال - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " (^1» (^2).

وقال أيضًا: (فذكر سبحانه وتعالى: أنهما كانا يأكلان الطعام؛ لأن ذلك من أظهر الأدلة على أنهما مخلوقان مربوبان، إذ الخالق أحد صمد لا يأكل ولا يشرب، وذكر مريم مع المسيح لأن من النصارى من اتخذها إلها آخر فعبدها كما عبد المسيح) (^3).

وقال ابن القيم: (وقد تضمنت هذه الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه:

أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب، وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما، بل هي محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا، إذ من لوازم الإله أن يكون غنيًا.

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم:16]
  • (3445) من حديث عمر - ﵁ -، وتفرد به البخاري عن مسلم، ينظر: المعجم المفهرس 3/ 543.
    (^2) الجواب الصحيح 3/ 158.
    (^3) الجواب الصحيح 4/ 255، وينظر: مجموع الفتاوى 3/ 86.
227

الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره حال انفصالها عنه، بل يستحي من التصريح بذكرها، ولهذا والله أعلم كنى سبحانه عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة، فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدًا من هذا الجنس،

ولو كان يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنسٍ لا يأكل ولا يشرب، ولا يكون منه الفضلات المستقذرة التي يستحي منها ويرغب عن ذكرها) (^1).

وهذا هو ما عليه عامة المفسرين (^2). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾ [المائدة:90].

50/ 6 - قال ابن عقيل: (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾ [المائدة:90]، ثم علل سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة:91] فكل شراب أسكر، وصد عن ذكر الله، وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام ويجب الحد لشربه، ويسمى خمرًا؛ لأن الخمر ما غطى العقل اهـ) (^3).

الدراسة:

في كلام ابن عقيل أربع مسائل:

  • (^1) الصواعق المرسلة 2/ 482، بدائع التفسير 2/ 117.
    (^2) ينظر: جامع البيان 8/ 582، تفسير السمرقندي 1/ 432، تفسير السمعاني 2/ 55، معالم التنزيل 2/ 45، تفسير ابن كثير 3/ 1211، تفسير السعدي 2/ 326.
    (^3) التذكرة ص 308.
228

المسألة الأولى:

أن الله ذكر سبب تحريم الخمر والميسر في الآية التالية؛ ليكون أدعى للقبول، ومما ذكر من المفاسد: إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا من بيان القرآن بالقرآن (^1). أضف إلى ذلك ما أكد الله به تحريمه من الأمر باجتنابه، وترتب الفلاح عليه، وأنه رجس من عمل الشيطان، فهل أنتم منتهون بعد سماع هذه الصوارف، وأمر بالآية التالية بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، فإن تولوا فما على الرسول إلا البلاغ المبين، وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف هذا التكليف (^2).

المسألة الثانية:

أن كل شراب أسكر وصد عن ذكر الله وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام، وهذا بين وواضح؛ لأن الله جل وعلا ذكر العلة في التحريم؛ فإذا وجدت هذه العلة وجد التحريم، وقد بينت السنة ذلك، فقد قال النبي - ﷺ -: " كل شراب أسكر فهو حرام " (^3).

قال الجصاص: (فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه، أحدها: قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:90]، وذلك لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورًا محرمًا، ثم أكده بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:90]، وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)﴾ [المائدة:91]، ومعناه: فانتهوا) (^4).

  • (^1) ينظر: أضواء البيان 2/ 166، تفسير السعدي 1/ 243.
    (^2) ينظر: التفسير الكبير 12/ 68.
    (^3) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة باب الخمر من العسل وهو البِتع (5585)، ومسلم في كتاب الأشربة باب بيان أن كل ما أسكر خمر وأن كل خمر حرام
  • (2001) من حديث عائشة ﵂.
    (^4) أحكام القرآن 1/ 391، 2/ 577.
229

وقد أجمعت الأمة على تحريم الخمر (^1).

المسألة الثالثة:

أنه يجب الحد على من شرب الخمر.

أما حد شارب الخمر فقد ثبت في السنة بأحاديث كثيرة، منها ما روي عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - ﷺ - أتي برجل قد شرب الخمر " فجلده بجريدتين نحو أربعين ". قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر (^2).

وعن السائب بن يزيد - رضي الله عنه - قال: " كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله - ﷺ - وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين " (^3).

وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جلد شارب الخمر، ثم اختلفوا في مقداره ما بين أربعين أو ثمانين، والجمهور على القول بالثمانين (^4).

المسألة الرابعة:

أن الخمر ما غطى العقل، وهذا هو الأصل في معناها بدليل أن كل الاشتقاقات تعود إلى التغطية.

قال ابن فارس: (الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية، والمخالطة في ستر) (^5).

  • (^1) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص 99، التمهيد 15/ 10، الحاوي 13/ 376، بداية المجتهد ص 755، المغني 12/ 493.
    (^2) أخرجه مسلم في كتاب الحدود باب حد الخمر (1706).
    (^3) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال (6779).
    (^4) ينظر: التمهيد 23/ 411، بدائع الصنائع 9/ 213، الحاوي 13/ 412، بداية المجتهد ص 755، المغني 12/ 497.
    (^5) معجم مقاييس اللغة 2/ 215.
230

وقال الرازي: (من الدلائل على أن كل مسكر خمر: التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارًا لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره من وهدة (^1) وأكمة، وخمرت رأس الإناء، أي: غطيته، والخامر: هو الذي يكتم شهادته) (^2). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)﴾ [المائدة:95].

51/ 7 - قال ابن عقيل في قوله تعالى: (﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:93] كان تقييده بالعمد مقيّدًا للحكم بالتقييد، ونافيًا له عما عدم فيه التقييد، وهو صفة العمد اهـ) (^3).

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى مسألتين:

المسألة الأولى:

ذكر قاعدة في المقيد وهي: وجوب تقييد اللفظ بالوصف المذكور في الآية وهو العمد، وأقول هذه القاعدة تحتاج إلى ضابط وليست على إطلاقها وهو أن يقال: ما لم يدل دليل على عدم اعتبار القيد.

  • (^1) الوهدة: الهوة تكون في الأرض، ينظر: لسان العرب 3/ 471.
    (^2) التفسير الكبير 6/ 37.
    (^3) الواضح 3/ 272.
231

فيكون سبك القاعدة: (وجوب العمل بالقيد إلا أن يدل دليل على عدم اعتباره) (^1).

ومن الأمثلة على ذلك:

1 - قيد معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:93]، فالجزاء المذكور في الآية مقيد فيمن تعمد القتل كما ذكر العلماء، وإنما خلافهم في صفة هذا العمد (^2).

2 - قيد غير معتبر، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:23]، فالقيد الأول غير معتبر فتحرم الربيبة ولو لم تكن في الحجر (^3)، والثاني معتبر، فلا تحرم إلا بالدخول بالأم، والذي دل على إلغاء القيد الأول بقية الآية حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:23]، فنفى مفهوم القيد الثاني، والأول خرج مخرج الغالب.

3 - قيد مختلف فيه، وهي:

المسألة الثانية:

هل جزاء الصيد في الإحرام خاص بالمتعمد؟.

اختلف أهل العلم في جزاء الصيد، هل يلزم الناسي؟ أم هو مقيد بالمتعمد فقط؟. ... على أقوال منها:

  • (^1) ينظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن ص 76.
    (^2) ينظر: جامع البيان 7/ 336، الجامع لأحكام القرآن 5/ 211.
    (^3) قال القرطبي: (وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر؛ فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 5/ 74.
232

القول الأول: أن الجزاء خاص بالمتعمد فقط، وذلك لتقييده بالمتعمد في الآية، مما يدل على أن غيره بخلافه؛ ولأن الأصل براءة الذمة، روي هذا عن طاووس (^1)، وسعيد بن جبير (^2)، وبه قال الطبري (^3)، وأحمد في رواية، وهو قول داود (^4)، وهو قول ابن عقيل، واستغربه ابن كثير (^5).

القول الثاني: أن الجزاء خاص بالناسي لإحرامه فقط، وأما الذاكر للإحرام فأمره إلى الله؛ لأن فعله أعظم من أن يكفر، روي هذا القول عن مجاهد، والحسن (^6).

قال ابن قدامة: (ولا نعلم أحدًا خالف في الجزاء في قتل الصيد متعمدًا، إلا الحسن ومجاهدًا) (^7).

واستدل مجاهد بقوله: (فإن كان ذاكرًا لإحرامه فقد حل ولا حج له؛ لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه، كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه) (^8).

  • (^1) هو طاووس بن كيسان أبو عبدالرحمن اليماني، من كبار التابعين أدرك خمسين صحابيًا، مات سنة 106 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 5/ 38، طبقات الأدنه وي ص 12.
    (^2) ينظر: جامع البيان 8/ 677، هو سعيد بن جبير هشام أبو عبدالله الأسدي الفقيه المحدث المفسر، جهبذ علماء التابعين، قتله الحجاج سنة 95 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 4/ 321، طبقات الداوودي 1/ 188.
    (^3) جامع البيان 8/ 679.
    (^4) ينظر: المغني 5/ 397.
    (^5) ينظر: تفسير ابن كثير 3/ 1240.
    (^6) ينظر: جامع البيان 8/ 674، المحرر الوجيز 2/ 237.
    (^7) المغني 5/ 395.
    (^8) الجامع لأحكام القرآن 6/ 199.
233

القول الثالث: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان، روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وعطاء، وهو قول الحنفية (^1)، والمالكية (^2)، والشافعية (^3)، ورواية عن الحنابلة (^4).

قال الزهري: (وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسنة) (^5).

وقال ابن كثير: (والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه ...) ثم قال: (لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم) (^6).

قال ابن بطال (^7): (اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأً، فعليه الجزاء) (^8).

والراجح قول الجمهور، لأن النبي - ﷺ - أوجب الجزاء ولم يفرق بين المتعمد والناسي، فعن جابر - رضي الله عنه - قال: " جعل رسول الله - ﷺ - في الضبع يصيده المحرم كبشًا " (^9) ولم يفرق بين العامد وغيره (^10).

  • (^1) ينظر: شرح فتح القدير 3/ 64.
    (^2) ينظر: بداية المجتهد ص 295.
    (^3) ينظر: المجموع 7/ 316.
    (^4) ينظر: المغني 5/ 396.
    (^5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 198.
    (^6) تفسير ابن كثير 3/ 1240، وينظر: المجموع 7/ 316.
    (^7) هو أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي، شارح صحيح البخاري، مات سنة 449 هـ، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 18/ 47، شذرات الذهب 3/ 283.
    (^8) ينظر: فتح الباري 4/ 21.
    (^9) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة باب في أكل الضبع (3801)، وابن ماجة في كتاب المناسك باب جزاء الصيد يصيبه المحرم (3085)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1/ 623، وصححه ابن خزيمة 4/ 182، وابن حبان 9/ 277، والألباني في الإرواء 4/ 242.
    (^10) ينظر: معاني القرآن للنحاس 2/ 360.
234

وقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:95] يحتمل المتعمد الصيد الذاكر للإحرام، ويحتمل أيضًا المتعمد الصيد الناسي للإحرام، والواجب عدم التفريق بينهما، فيحمل على عموم العمد.

ومما يؤيد هذا القول: أن القتل إتلاف، والإتلاف يضمن عمده وخطؤه؛ فيستدل به على أن التعمد ليس بشرط (^1).

ومن فوائد التقييد به: أن المتعمد إنما ذكر ليُعَلَّقَ به الوعيد في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة:95] إذ لا وعيد على الناسي (^2).

وقال الزركشي: (فإن قيل: فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله، وهلا حُذفت الصفة واقتصر على قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:95]؟. قلنا: لتخصيص الشيء بالذكر فوائد منها: اختصاصه في جنسه بشيء لا يشركه فيه غيره من جملة الجنس كما في هذه الآية) (^3).

ويجاب على دليل مجاهد بما يلي:

1 - أنه خلاف النص؛ فالذاكر لإحرامه متعمد، وفي سياق الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:95] والمخطئ والناسي لا إثم عليهما (^4).

2 - قال القرطبي: (ودليلنا على مجاهد: أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكرًا للإحرام أو ناسيًا له، ولا يصح اعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان) (^5).

  • (^1) ينظر: البرهان 2/ 22، المغني 5/ 397.
    (^2) التسهيل 1/ 250.
    (^3) البرهان 2/ 22، يوضح هذا مثلًا: أننا لو نظرنا إلى قصة سبب النزول لإحدى الآيات لرأينا أن لها اختصاصًا وأولوية في لفظ الآية ومعناها، مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
    (^4) ينظر: المغني 5/ 395.
    (^5) الجامع لأحكام القرآن 6/ 199.
235

ويجاب عن القول الأول: بأن السنة لم تفرق بين العمد والخطأ؛ كما في حديث جابر - رضي الله عنه - ولهذا قال بعض العلماء: وجب الجزاء في العمد بالقرآن وفي الخطأ والنسيان بالسنة (^1). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)﴾ [المائدة:107].

52/ 8 - قال ابن عقيل: (﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:107]، أي: استحق منهم اهـ) (^2).

الدراسة:

اختلف العلماء في تفسير ﴿عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة:107] على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن [على] بمعنى [من]، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)﴾ [المطففين:2]، أي: من الناس، وهذا هو قول ابن قتيبة (^3) (^4)، والسمرقندي (^5)، وهو اختيار ابن عقيل، وابن الجوزي (^6)، والزركشي (^7).

  • (^1) ينظر للاستزادة: المحرر الوجيز 2/ 237، الجامع لأحكام القرآن 6/ 198، زاد المسير 2/ 255، تفسير ابن كثير 3/ 1240، فتح القدير 1/ 97.
    (^2) الواضح 1/ 122.
    (^3) هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، النحوي اللغوي، صنف غريب القرآن، وتأويل مشكل القرآن، مات سنة 276 هـ وقيل غيرها، له ترجمة في: سير أعلام النبلاء 13/ 296، طبقات الداوودي 1/ 251.
    (^4) ينظر: زاد المسير 2/ 273.
    (^5) تفسير السمرقندي 1/ 448.
    (^6) تذكرة الأريب 2/ 278.
    (^7) البرهان 4/ 285.
236

القول الثاني: أن [على] بمعنى [في]، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:102]، أي: في ملك سليمان، وهو قول الفراء (^1)، والطبري (^2)، وقال: (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف الإثم وأقيم مقامه الأوليان؛ لأنهما هما الذان ظلما وأثما فيهما، بما كان من خيانة الذين استحقا الإثم) (^3).

القول الثالث: أن [على] على بابها، قالوا: بقاء على الأصل، وهذا هو قول الأخفش (^4)، والزجاج (^5)، والنحاس حيث قال: (والمعنى: من الذين اسْتَحَقَّ عليهم الإيصاء) (^6).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة:107]، يحتمل أن يكون مضمنًا معنى بغى عليهم، وعدى عليهم، كما يقال في الغصب: غصبت علي مالي، ولهذا قيل: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ [المائدة:107]، أي: كما اعتدوا) (^7).

وقد قال بعض العلماء عن هذه الآية: إنها أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (^8).

قال الزجاج: (وهذا موضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب) (^9).

  • (^1) معاني القرآن 1/ 324.
    (^2) جامع البيان 9/ 101.
    (^3) جامع البيان 9/ 98.
    (^4) معاني القرآن 1/ 266.
    (^5) معاني القرآن وإعرابه 2/ 217.
    (^6) معاني القرآن 2/ 380.
    (^7) مجموع الفتاوى 14/ 485، وهو قول قوي جدًا ومع ذلك لم يجزم به!.
    (^8) ينظر: كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن وعلل القراءات للباقولي 1/ 418، الجامع لأحكام القرآن 6/ 231.
    (^9) معاني القرآن وإعرابه 2/ 216.
237

وقال مكي: (وهذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلِها، ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر) (^1).

والذي ترجح عندي هنا أن [على] على معناها الأصلي، على جميع التقديرات، والمعنى الصحيح لهذه الآية: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم اليمين، والأوليان: مثنى أَوْلى، وإعرابها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هما الأوليان (^2).

وسبب الترجيح:

ما جاء في سبب النزول:

  • (^1) الكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 420.
    (^2) ينظر في هذه المسألة: الناسخ والمنسوخ للنحاس 1/ 412، معاني القراءات ص 146، تفسير السمعاني 2/ 76، إملاء ما من به الرحمن 1/ 230، التبيان في إعراب القرآن 1/ 469، كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن وعلل القراءات للباقولي 1/ 418، زاد المسير 2/ 272، الجامع لأحكام القرآن 6/ 231.
238

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بدَّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا (^1) من فضة مُخَوّصًا (^2) من ذهب، فأحلفهما رسول الله - ﷺ -، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:107]، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:106]) (^3).

قال شيخ الإسلام: (معرفة سبب نزول القرآن، يعين على فهم الآية) (^4).

ومن قواعد الترجيح عند المفسرين: قاعدة (إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) (^5). والله أعلم.

  • (^1) الجام: الإناء من فضة، ينظر: لسان العرب 12/ 112.
    (^2) مخَوّصًا: أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل، ينظر: لسان العرب 7/ 33.
    (^3) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة:106] إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ (108)﴾ [المائدة:108] (2780)، وينظر: أسباب النزول للواحدي ص 172، لباب النقول ص 125.
    (^4) مقدمة التفسير ص 45.
    (^5) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسرين 1/ 241.
239