منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 214 - 226

سورة المائدة (1 من 2)

سورة المائدة

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾ [المائدة:2].

45/ 1 - قال ابن عقيل: (﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:2]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:10]، وذلك لا يعطي عندي مذهبًا في مسألتنا (^1)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (^2).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في كلامه إلى مسألتين مترابطتين:

المسألة الأولى: صيغة الأمر بعد الحظر، هل هي للوجوب أو غيره؟ (^3).

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وإليه مال الشافعي وبعض أصحابه (^4) والحنابلة (^5).

واستدلوا باستعماله في عرف الناس؛ كمن قال لغلامه: لا تدخل بيت فلان، ثم قال: ادخله. وباستعماله أيضًا في عرف الشارع كما في الآيتين اللتين معنا.

  • (^1) وهي: هل الأمر بعد الحظر للوجوب أو غيره؟.
    (^2) الواضح 2/ 524، الجدل ص 3.
    (^3) وهذا عند من قال بأن: الأصل في الأمر الوجوب.
    (^4) ينظر: البحر المحيط للزركشي 3/ 304.
    (^5) ينظر: العدة 1/ 256.
214

القول الثاني: أن الأمر بعد الحظر للوجوب، وإليه مال عامة الحنفية (^1)، واختاره القرطبي (^2)، ونُسب لبعض الحنابلة (^3)، استدلالًا بأصله وصيغته، وكذلك قوله تعالى بعد النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5]، والأمر هنا للوجوب.

القول الثالث: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان واجبًا فواجب، وإن كان مستحبًا فمستحب، وإن كان مباحًا فمباح، وهو رأي المحققين من العلماء كابن تيمية (^4)، والزركشي (^5)، وغيرهم (^6).

ودليلهم: أن هذا الحكم مبني على الاستقراء التام.

قال ابن كثير: (وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السبر (^7) أنه يَرُد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب. ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة. يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه) (^8).

وقال الشنقيطي: (وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب ...) إلى أن قال: (وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية) (^9).

  • (^1) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 277، أصول السرخسي 1/ 19، كشف الأسرار 1/ 120.
    (^2) الجامع لأحكام القرآن 6/ 44.
    (^3) ينظر: القواعد لابن اللحام ص 222.
    (^4) ينظر: المسودة ص 16، القواعد لابن اللحام ص 222.
    (^5) ينظر: البحر المحيط 2/ 378.
    (^6) ينظر: المسودة ص 16، القواعد لابن اللحام ص 222، تفسير السعدي 2/ 238.
    (^7) أي: التتبع والاستقراء.
    (^8) تفسير ابن كثير 3/ 1089.
    (^9) أضواء البيان 1/ 257.
215

فمن أمثلة الواجب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5]، كان واجبًا ثم نهي عنه في الأشهر الحرم ثم أمر به فيرجع للوجوب.

ومن أمثله المستحب: قوله - ﷺ -: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " (^1)، كانت الزيارة مستحبة ثم نهي عنها ثم أمر بها فترجع للاستحباب.

ومن أمثلة المباح وهو كثير: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:2]، كان الصيد مباحًا ثم نهي عنه حال الإحرام ثم أمر به فيرجع للإباحة.

وهذا هو القول الراجح الذي يجمع بين الأقوال، ويسلم من الاعتراض، ولا حاجة للتوقف في هذه المسألة، بعد هذا الاستقراء.

ويجاب عما استدل به أصحاب القول الأول بما يلي:

أما استدلالهم بالعرف، فنقول: العرف لا يقبل هنا؛ لأن الحكم مبناه على الشرع، وإذا سلمنا بقبول العرف؛ فالعرف موافق لقولنا: بأن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه؛ فمثلًا لو قال الطبيب: لا تشرب الدواء، ثم قال: اشربه، ولو قال لغلامه: لا تنظف البيت - لعارض - ثم قال: نظفها، لرجع إلى الوجوب.

وأما استدلالهم بعرف الشارع، وذكر أمثلة له، فهو استقراء ناقص، ولا شك أن الاستقراء التام مقدم عليه.

وأما استدلال من قال: يرجع لأصله وهو الوجوب، فإنه ينتقض عليه بآيات أخر، منها الآية التي معنا (^2).

  • (^1) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب استئذان النبي - ﷺ - ربه ﷿ في زيارة قبر أمه
  • (977) من حديث بريدة - ﵁ -.
    (^2) ينظر للاستزادة: نهاية السول 2/ 272، المعتمد 1، 82، المسودة ص 16، العدة 1/ 256، روضة الناظر 2/ 75، شرح الكوكب المنير 3/ 56، البحر المحيط للزركشي 2/ 378، المذكرة في أصول الفقه ص 192.
216

المسألة الثانية: نبه ابن عقيل إلى أن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن آية المائدة والجمعة السابقتين للإباحة والإطلاق. وقد حكى الإجماع ثلة من العلماء.

قال الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا، يعني: بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، فاصطادوا إن شئتم حينئذ؛ لأن المعنى الذي من أجله كنت حرمته عليكم في حال إحرامكم قد زال. وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل) (^1).

وقال ابن العربي: (وهو محمول على الإباحة اتفاقًا) (^2).

وقال ابن عطية: (وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:10] أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر: الإباحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:10] أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة:2]) (^3). وقال ابن جزي: (فالأمر هنا إباحة بإجماع) (^4).

ولم أجد من خالف في أن الأمر للإباحة في هاتين الآيتين من المفسرين (^5).

والسر في مجيء الإباحة بصيغة الأمر تأكيدُها (^6) كي لا يبقى أدنى شبهة أو حرج في بقاء شيء من النهي الأول. والله أعلم.

  • (^1) جامع البيان 8/ 42.
    (^2) أحكام القرآن 2/ 20.
    (^3) المحرر الوجيز 5/ 309.
    (^4) التسهيل 1/ 223.
    (^5) ينظر: تفسير السمرقندي 1/ 390، تفسير السمعاني 2/ 8، زاد المسير 2/ 274، التفسير الكبير 11/ 103.
    (^6) ينظر: التحرير والتنوير 6/ 85.
217

قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾ [المائدة:3].

46/ 2 - قال ابن عقيل: (﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، والمراد به: إمساككم إياها، وتناولكم منها أكلًا واستعمالًا (^1)، فعاد النهي إلى أفعالنا فيها، ومقصودِنا إلى التناول لها والانتفاع بها، الذي يدخل تحت مقدورنا، إذ لم تكن هي بأعيانها داخلة تحت مقدورنا فتحرم ذواتها علينا اهـ) (^2).

  • (^1) مثال الاستعمال: التداوي بالميتة، طلاء السفن والاستصباح بدهنها، بيعها أو بعضها، الانتفاع بها أو ببعض أجزائها، على خلاف في أكثرها، ينظر: الموسوعة الفقهية 39/ 387 وما بعدها.
    (^2) الواضح 2/ 443.
218

الدراسة:

وضح ابن عقيل أن المراد بالآية تحريم أفعالنا في الميتة، وليس تحريم ذواتها، لأن تحريم الذوات لا يدخل تحت مقدورنا، وأول ما يتبادر إلى الذهن ما قاله ابن عقيل، ولم يقل أحد من المفسرين بخلافه (^1). وقد سبق الحديث عن مثل هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء:23] (^2).

قال الآلوسي: (﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:173] أي: أكلها والانتفاع بها، وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف، وليست مما تتعلق بالأعيان؛ إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة؛ لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل) (^3).

وعلى هذا فالأصل في الأكل أو الاستعمال للميتة التحريم إلا ما خصه الدليل. والله أعلم.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ [المائدة:33].

47/ 3 - قال ابن عقيل: (واعلم أن حدودهم على الترتيب دون التخيير فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، وإن لم يوجد منه إلا النهب نُفي عن البلاد اهـ) (^4).

  • (^1) ينظر على سبيل المثال: تفسير السمرقندي 1/ 391، الجلالين ص 26، أضواء البيان 2/ 244.
    (^2) ينظر: ص 185.
    (^3) روح المعاني 2/ 41.
    (^4) التذكرة ص 308.
219

الدراسة:

أشار ابن عقيل في تفسير هذه الآية إلى أن عقوبة المحاربين مرتبة على حسب جنايتهم.

واختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

وقبل الدخول في المسألة فقد أجمع العلماء على أن من قتل من المحاربين فإن الإمام يقتله حدًا ولا يجوز العفو عنه بحال (^1).

القول الأول: وهو قول ابن عقيل: أنها على الترتيب على قدر جناية المحارب، وهو قول كثير من أهل العلم كالشافعية (^2)، والحنابلة (^3)، وهو قريب من قول الحنفية، على اختلاف في كيفية التفصيل (^4)، وهو قول: ابن عباس، والنخعي، والحسن، وقتادة (^5).

قالوا: إن أخذ المحاربون المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخافوا الطريق نفوا من الأرض، وحجتهم: أن العقوبة يجب أن تكون على قدر الاعتداء، وأن الله أوجب على القاتل القود، وعلى السارق القطع، ويستدلون بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - بهذه الكيفية (^6).

القول الثاني: أن الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء على المحاربين حسب المصلحة، وهو قول مالك.

  • (^1) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص 100، دقائق التفسير 3/ 35.
    (^2) ينظر: الحاوي 13/ 353، المجموع 22/ 227.
    (^3) ينظر: المغني 12/ 475، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 76.
    (^4) ينظر: بدائع الصنائع 9/ 367، حاشية ابن عابدين 6/ 139.
    (^5) ينظر: جامع البيان 8/ 373 وما بعدها.
    (^6) أخرجه البيهقي في كتاب السرقة باب قطاع الطريق 8/ 491 (17313)، ينظر: التلخيص 4/ 197، نيل الأوطار 7/ 167، وضعفه الألباني في الإرواء 8/ 92.
220

قال الشنقيطي: (وكون الإمام مخيرًا بينهما مطلقًا من غير تفصيل هو مذهب مالك) (^1)، وهو قول مجاهد، وعطاء، والضحاك (^2)، واستحسنه النحاس (^3)، واستظهره القرطبي (^4).

وحجتهم: أن حرف [أو] المذكور في آية المحاربة يفيد التخيير؛ لأن استعماله في القرآن في كل ما أوجب فرضًا بمعنى التخيير، كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:89].

وسبب الخلاف: هل حرف [أو] للتخيير، أو للتفصيل على حسب جناياتهم؟ (^5).

والقول الراجح: أن عقوباتهم ترتب وتفصل على قدر جناياتهم؛ وذلك لأمور منها:

1 - أن اختلاف العقوبات توجب اختلاف أسبابها، ومن قال بالتخيير سوى بينها.

2 - أن القول بالتخيير يفضي إلى أن يعاقب من قل جرمه بأغلظ العقوبات ومن كثر جرمه بأخف العقوبات، والترتيب يمنع من هذا التناقض.

3 - أنه بدأ بالأغلظ فالأخف، وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداية بالأخف، ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ، ككفارة الظهار والقتل.

4 - أن النبي - ﷺ - قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك

  • (^1) ينظر: أضواء البيان 1/ 301 - 302.
    (^2) ينظر: جامع البيان 8/ 378 وما بعدها.
    (^3) معاني القرآن 2/ 300.
    (^4) الجامع لأحكام القرآن 6/ 152.
    (^5) بداية المجتهد ص 764.
221

للجماعة " (^1)، ومن قال بالتخيير جوز القتل في غيرها.

5 - قول النبي - ﷺ -: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا " (^2)، والقول بالتخيير خلاف هذا.

6 - أما قولهم: إن [أو] في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فقد أجاب عنه الطبري بأنه: (كلام لا معنى له؛ لأن [أو] في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني) (^3)، ومعناها هنا: التنويع والتفصيل والتقسيم (^4).

وهذا القول هو ما رجحه الطبري (^5)، والشنقيطي (^6)، وكثير من أهل العلم (^7).

والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾ [المائدة:38].

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الديات باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:45] (6878)، ومسلم في كتاب القسامة باب ما يباح به دم المسلم
  • (1676) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
    (^2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] وفي كم يقطع؟ (6789)، ومسلم في كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها
  • (1684) من حديث عائشة ﵂.
    (^3) جامع البيان 8/ 381، وينظر: مغني اللبيب ص 73.
    (^4) ينظر: بصائر ذوي التمييز 2/ 122.
    (^5) جامع البيان 8/ 381.
    (^6) ينظر: أضواء البيان 1/ 301 - 302.
    (^7) ينظر للاستزادة: جامع البيان 8/ 373 وما بعدها، أحكام القرآن للجصاص 2/ 511، الحاوي 13/ 353، أحكام القرآن لابن العربي 2/ 97، بدائع الصنائع 9/ 366، زاد المسير 2/ 204، الجامع لأحكام القرآن 6/ 99، المغني 12/ 475، أضواء البيان 1/ 303.
222

48/ 4 - قال ابن عقيل: (﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] خُص بما روي عن النبي - ﷺ -: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (^1) اهـ) (^2).

الدراسة:

بين ابن عقيل أن عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:38] مخصوص بما روي عن النبي - ﷺ - في سنته، كالحديث السابق، وقوله - ﷺ -: " تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا " (^3).

وهذا هو ما عليه عامة العلماء.

قال ابن الجوزي: (وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كل سارق، وبينت السنة أن المراد به: السارق لنصاب من حرز مثله) (^4).

وقال ابن عطية: (فلفظ السارق في الآية عموم معناه الخصوص) (^5).

وقال ابن القيم: (تخصيص القرآن بالسنة جائز كما أجمعت الأمة على تخصيص) ... وذكر آيات ومنها: (عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] بقوله - ﷺ -: " لا قطع في ثمر ولا كثر " ونظائر ذلك كثيرة) (^6).

  • (^1) أخرجه أحمد 3/ 463، وأبو داود في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه (4388)، والترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر (1449)، والنسائي في كتاب قطع السارق باب ما لا قطع فيه (4960)، وابن ماجة في كتاب الحدود باب لا يقطع في ثمر ولا كثر
  • (2593) من حديث رافع بن خديج - ﵁ - وصححه محقق المسند، والألباني في الإرواء 8/ 72. والثمر: الرطب ما دام في رأس النخلة؛ فإذا قطع فهو التمر، والكَثَر: جُمَّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخل، ينظر: النهاية 1/ 221 - 4/ 152.
    (^2) الواضح 2/ 96، 3/ 435.
    (^3) سبق تخريجه، ينظر: ص 228.
    (^4) زاد المسير 2/ 207.
    (^5) المحرر الوجيز 2/ 188.
    (^6) أعلام الموقعين 2/ 228.
223

وقيل: إنه يُقطع في القليل والكثير، روي عن الحسن، وهو قول داود، والخوارج (^1).

واستدلوا بعموم الآية، ويجاب بأن الإطلاق مقيد بالأحاديث المذكورة.

واستدلوا أيضًا: بقوله - ﷺ -: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " (^2)، ويجاب عنه: بأن المراد: التنفير عن السرقة، وجعل ما لا قطع فيه بمنزلة ما فيه القطع، وأن من سرق القليل لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة الكثير فتُقطع فيه اليد (^3)، على أنه قيل: إن المراد بالبيضة بيضة الحديد ولا شك أن لها قيمة، وكذلك الحبل فإن في الحبال ما تزيد قيمته على ثلاثة دراهم كحبال السفن (^4)، ولكن مقام المبالغة لا يناسب ذلك (^5).

قال الجصاص: (وروي عن الحسن البصري أنه قال: (يقطع في درهم واحد) وهو قول شاذ، قد اتفق الفقهاء على خلافه ...) إلى أن قال: (ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38]؛ لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول عليه السلام على اعتبار ثمن المجن، ومن اتفاق السلف على ذلك أيضًا؛ فسقط الاحتجاج بعمومه) (^6).

  • (^1) ذكره ابن قدامة في المغني 112/ 418، وابن حجر في فتح الباري 12/ 127 وأشار إلى شذوذه.
    (^2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب لعن الله السارق إذا لم يسم (6783)، مسلم في كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها
  • (1687) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
    (^3) ينظر: فتح الباري 12/ 97، نيل الأوطار 7/ 140.
    (^4) كما فسره بهذا الأعمش وهو أحد رواة الحديث، ينظر: صحيح البخاري ص 1424.
    (^5) ينظر: نيل الأوطار 7/ 140.
    (^6) أحكام القرآن 2/ 520.
224

والقول الراجح هو جواز تخصيص القرآن بالسنة، وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على تخصيص الآية بالسنة (^1). وتفاصيل نصاب القطع وشروطه الأخرى وأقوال العلماء قد أطال فيها أئمة الفقه وشراح الحديث مما لا يناسب التطويل به هنا (^2). والله تعالى أعلم.

قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)﴾ [المائدة:75].

49/ 5 - قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه في عيسى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:75]، وهذا مدح يقتضي النبوة، ثم قال: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:75]، وهذا نقص في الكمال يقتضي التغذية اهـ) (^3).

  • (^1) المغني 12/ 418.
    (^2) ينظر للاستزادة: جامع البيان 8/ 408، أحكام القرآن للجصاص 2/ 520، المحلى 13/ 187، بداية المجتهد ص 757 فقد أجاد في تفصيل المسألة، المغني 12/ 418، الجامع لأحكام القرآن 6/ 160، فتح الباري 12/ 127، فتح القدير 2/ 49، نيل الأوطار 7/ 137.
    (^3) الفنون 2/ 480.
225

الدراسة:

بين ابن عقيل أن الوصف بالرسالة صفة مدح تقتضي النبوة، وقد وصف الله به عيسى عليه السلام، وجاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " (^1). وفي هذا الوصف رد على اليهود في تكذيبهم رسالته.

ثم بين أن أكله الطعام نقص في الكمال يقتضي التغذية، وفي هذا الوصف رد على النصارى الذين غلوا فيه فجعلوه إلهًا، ومعناه أن من يأكل الطعام لا يكون إلهًا يعبد.

قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [المائدة:75] فيه رد على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادعائهم إلهيته، والمعنى: أنه ليس بإله، وإنما حكمه حكم من سبقه من الرسل) (^2).

  • (^1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:171] (3435)، ومسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (28).
    (^2) زاد المسير 2/ 241.
226