منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 263 - 273

سورة التوبة (1 من 2)

قال ابن عباس - رضي الله عنه -: (والأسف على وجهين: الغضب والحزن) (^1).

وقال النحاس: (الأسف: الشديد الغضب المغيظ ويكون الحزين) (^2).

وقال ابن منظور: (الأسف: المبالغة في الحزن والغضب) (^3).

وأكثر العلماء على ذكر القولين (^4)، فكلاهما صحيح ولا تعارض بينهما فبالإمكان الجمع بينهما بما قال الرازي: (قال الواحدي: والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنًا، والأخرى غضبًا؛ فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفًا حزينًا لأن الله تعالى فتنهم وقد كان تعالى قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه:85]) (^5).

وقال ابن عطية: (والأسف قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن، والمعنيان مترتبان ههنا) (^6). والله تعالى أعلم.

سورة التوبة

قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)﴾

[التوبة:29].

61/ 1 - قال ابن عقيل: (يعنى: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (^7).

  • (^1) جامع البيان 10/ 450.
    (^2) معاني القرآن 3/ 82.
    (^3) لسان العرب 9/ 5.
    (^4) ينظر: تفسير السمعاني 2/ 217، المفردات ص 24، المحرر الوجيز 2/ 456، التفسير الكبير 15/ 10، الجامع لأحكام القرآن 7/ 286، أضواء البيان 3/ 56.
    (^5) التفسير الكبير 15/ 10.
    (^6) المحرر الوجيز 2/ 456.
    (^7) التذكرة ص 324.
263

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى أن معنى الإعطاء في الآية الالتزام بإعطاء الجزية، والنزول على حكم المسلمين، وهذان هما الشرطان لجواز عقد الذمة (^1)، وذلك للإجماع بأن القتل يرتفع عنهم بعد الالتزام وقبل العطاء، ولأن العطاء يكون في آخر الحول باتفاق (^2)، ولقول النبي - ﷺ - في حديث بريدة - رضي الله عنه -: " فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " (^3).

قال ابن قدامة: (ولا تعتبر حقيقة الإعطاء، ولا جريان الأحكام، لأن إعطاء الجزية إنما يكون في آخر الحول، والكف عنهم في ابتدائه عند البذل. والمراد بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ [التوبة:29] أي يلتزموا الإعطاء، ويجيبوا إلى بذله، كقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:5]، والمراد به: التزام ذلك دون حقيقته، فإن الزكاة إنما يجب أداؤها عند الحول) (^4). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾ [التوبة:35].

  • (^1) ينظر: المغني 13/ 207، المجموع 21/ 329.
    (^2) نقل الاتفاق ابن رشد في بداية المجتهد ص 332، وينظر: المجموع 21/ 302.
    (^3) أخرجه مسلم في كتاب السير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث .. (1731).
    (^4) المغني 13/ 207، وينظر في هذه المسألة: المدونة 1/ 529، بدائع الصنائع 9/ 426، المجموع 21/ 329، ومن التفاسير: أحكام القرآن 1/ 156، الجامع لأحكام القرآن 8/ 110، زاد المسير 3/ 317، تفسير ابن كثير 4/ 1643.
264

62/ 2 - قال ابن عقيل: (﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾؛ لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله اهـ) (^1).

الدراسة:

جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف .. "الحديث (^2).

وقد التمس العلماء الحكمة من تخصيص هذه الأعضاء، ومن ذلك ما ذكره ابن عقيل في كلامه السابق، وهو من ألطفها، فالجزاء من جنس العمل.

قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، ومن وجاهة عند الناس وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونًا عندهم، يُتلقون بالجميل، ويُحَيون بالإكرام، ويُبجلون ويُحتَشمون، ومن أكل طيباتٍ يتضلعون منها وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمةٍ من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم لا يُخطِرون ببالهم قول رسول الله - ﷺ -: " ذهب أهل الدثور بالأجور " (^3).

  • (^1) الفنون 2/ 478.
    (^2) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة (987).
    (^3) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف
  • (1006) من حديث أبي ذر - ﵁ -.
265

وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازْوَرُّوا عنه (^1)، وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم.

وقيل: معناه يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم) (^2).

وقال ابن عاشور: (والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكي، فإن تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصناف من الآلام، وسُلك في التعبير عن التعميم مسلكُ الإطناب بالتعداد لاستحضار حالة ذلك العقاب الأليم، تهويلًا لشأنه، فلذلك لم يقل: فتكوى بها أجسادهم) (^3). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ [التوبة:46].

63/ 3 - قال ابن عقيل: (قال الله في حق قوم: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ [التوبة:46]، وأبان علة الكراهة، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)﴾ [التوبة:47]، فأبان علة عاقبتهم وتثبيطهم عن الخروج لمصلحة جيش رسول الله - ﷺ - لما أراد بجيشه الأصلح اهـ) (^4).

  • (^1) الازورار عن الشيء: العدول عنه، ينظر: لسان العرب 4/ 335.
    (^2) الكشاف 2/ 256، وينظر في هذه المسألة: تفسير البيضاوي 3/ 143، التفسير الكبير 16/ 39، تفسير الثعالبي 2/ 128، روح المعاني 10/ 88.
    (^3) التحرير والتنوير 6/ 179.
    (^4) الواضح 3/ 215.
266

الدراسة:

أبان ابن عقيل في كلامه على هذه الآية أن الله تعالى كره خروج المنافقين مع الرسول - ﷺ -، والكره عند أهل الحق من صفات الله الحقيقية على ما يليق به سبحانه، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم المخلوق (^1).

قال ابن عثيمين: (وفي الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:46]- إثبات أن الله عز وجل يكره، وهذا ثابت في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:23] إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)﴾ [الإسراء:38] ... وقال النبي - ﷺ -: " إن الله كره لكم قيل وقال " (^2)، فالكراهة ثابتة بالكتاب والسنة) (^3).

وقد بين الله سبب الكراهة في الآية التالية لها، بأنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا فسادًا، ولأسرعوا المشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة (^4)، وفي منعهم وتثبيطهم الحكمة العظيمة: وهي مصلحة جيش النبي - ﷺ -، لما أراد الله له الأصلح، وهذا هو ما عليه جميع المفسرين (^5).

  • (^1) ينظر: شرح العقيدة الواسطية لهراس ص 109.
    (^2) أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض وأداء الديون باب ما ينهى عن إضاعة المال (2408)، ومسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة
  • (1715) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
    (^3) شرح العقيدة الواسطية له ص 227.
    (^4) ينظر: تفسير ابن كثير 4/ 1664.
    (^5) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 3/ 155، المحرر الوجيز 3/ 40، التفسير الكبير 16/ 63، الجامع لأحكام القرآن 8/ 156.
267

قال الطبري: (وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله - ﷺ - والمؤمنين به؛ لعلمه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا) (^1).

وقال ابن كثير: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:46]، أي: أبغض أن يخرجوا معكم قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾، أي: أخرهم، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ [التوبة:46]، أي: قدرًا، ثم بين وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ التوبة:47]) (^2).

وقال ابن أبي العز: (فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهو طاعة؛ فلما كرهه منهم، ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:47]، أي: فسادًا وشرًا) (^3).

وقال الشنقيطي: (إن الله تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا يخرجون إليها معه - ﷺ -، والله ثبطهم عنها لحكمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآية [التوبة:46]، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:47]) (^4).

  • (^1) جامع البيان 11/ 482.
    (^2) تفسير ابن كثير 4/ 1664.
    (^3) شرح العقيدة الطحاوية 1/ 333.
    (^4) أضواء البيان 1/ 356.
268

وقال السعدي: (﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهِ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:46] معكم في الخروج للغزو ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ قدَرًا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم على الخروج وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم؛ بل خذلهم ..) إلى أن قال: (ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:47]، أي: نقصًا) (^1). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾ [التوبة:62].

64/ 4 - قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله - ﷺ - ما ذكره الله في كتابه (^2)، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (^3).

الدراسة:

للعلماء في إفراد الضمير: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:62] توجيهات كثيرة، أهمها ثلاثة:

1 - أن الإفراد جاء لتعظيم الله سبحانه.

2 - أنه في حكم أمر واحد إذ في رضى الله رضى رسوله - ﷺ - (^4).

  • (^1) تفسير السعدي 3/ 243.
    (^2) يقصد به حديث الخطيب الذي قال: ومن يعصهما، فقال النبي - ﷺ - " بئس الخطيب أنت .. " الحديث أخرجه مسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة (870).
    (^3) الواضح 3/ 305.
    (^4) ينظر: الكشاف 2/ 272، التسهيل 1/ 362، تفسير أبي السعود 3/ 164.
269

3 - أن الكلام فيه جملتان، حُذف خبر أحدهما لدلالة الثاني عليه (^1)، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه.

قال ابن عاشور: (وإنما أفرد الضمير في قوله: ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:62] مع أن المعاد اثنان؛ لأنه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك ...) إلى أن قال: (ومن نكتة ذلك الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاءين) (^2).

4 - ما ذكره ابن عقيل، وهو أن هاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو.

وكل ما ذكر من التوجيهات له حظ من النظر، وهذا من إعجاز القرآن.

قال الرازي: (وأما قوله ﴿يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:62] بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول، ففيه وجوه:

الأول: أنه تعالى لا يُذكر مع غيره بالذكر المجمل بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيما له.

والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله فاقتصر على ذكره ...

الثالث: يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله:

نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (^3)

والرابع: أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر.

  • (^1) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 458، معاني القرآن للنحاس 3/ 228، تفسير السمرقندي 2/ 69، المحرر الوجيز 3/ 53، الجامع لأحكام القرآن 8/ 193.
    (^2) التحرير والتنوير 10/ 245.
    (^3) اختُلف في نسبة هذا البيت، والصحيح أنه لعمرو بن امرئ القيس كما نص على ذلك أكثر العلماء، ومنهم البغدادي في: خزانة الأدب 2/ 190، وابن منظور في لسان العرب 5/ 46، ونُسب هذا البيت إلى قيس بن الخَطِيم، ينظر: الكتاب لسيبويه 1/ 75، شرح ابن عقيل 1/ 191، ولم أجده في ديوانه، ولكنه في ملحقاته تحقيق: د. ناصر الدين الأسد ص 173.
270

الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول مطابقًا لرضا الله تعالى، وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع الاكتفاء بذكر أحدهما، كما يقال: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني.

السادس: التقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك اهـ) (^1). والله أعلم.

قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)﴾ [التوبة:80].

65/ 5 - قال ابن عقيل: (قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:80]، فقال النبي - ﷺ -: " والله لأزيدن على السبعين " (^2)، فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافها اهـ) (^3).

  • (^1) التفسير الكبير 16/ 95.
    (^2) أخرجه بهذا اللفظ عبدالرزاق في تفسيره 2/ 284، وأخرجه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:80]
  • (4670) بلفظ: " سأزيده على السبعين " من حديث ابن عمر - ﵁ -.
    (^3) الواضح 3/ 269.
271

الدراسة:

استدل ابن عقيل بهذه الآية على أن النبي - ﷺ - فهم من الآية أن ما زاد على السبعين من الاستغفار جائز، بدليل قوله - ﷺ -: " لأزيدن على السبعين "، وهذا استدلال بمفهوم العدد ودليل الخطاب، وهو حجة شرعية (^1)، لولا أنه جاء في كتاب الله ما يبين المراد في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:6]، وأن المراد بالسبعين مرة: التكثير، وهذا هو ما ذكره جمهور العلماء (^2).

قال ابن حجر: (لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا) (^3).

ولفظ السبعين قد جرى عند العرب مجرى المثل للتكثير، والرسول - ﷺ - أبلغ العرب (^4).

قال الزركشي: (قالوا: المراد بها الكثرة، وخصوص السبعين ليس مرادًا) (^5).

  • (^1) ينظر: الواضح 3/ 266، التفسير الكبير 16/ 117، فتح الباري 8/ 428.
    (^2) ينظر: العدة 2/ 448، تفسير البيضاوي 4/ 161، معالم التنزيل 2/ 266، البرهان 4/ 120، التسهيل 1/ 365، شرح الكوكب المنير 3/ 507.
    (^3) فتح الباري 8/ 428.
    (^4) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 3/ 185، الكشاف 2/ 281، لسان العرب 8/ 147، تفسير النسفي 2/ 138، شرح الكوكب المنير 3/ 508.
    (^5) البرهان في علوم القرآن 4/ 120.
272

وقال البيضاوي (^1): (وقد شاع استعمال السبعة، والسبعين، والسبعمائة، ونحوها في التكثير؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره) (^2).

وعلى فرض صحة ما روي عن النبي - ﷺ - بلفظ الحديث السابق: " لأزيدن " فالجواب:

1 - فيجوز أنه - ﷺ - لم يعلم بَوَاطن المنافقين (^3).

2 - ويجوز أنه قصد طلب المغفرة لهم لا لأجل أنه عقل ذلك من النطق، فلم يقل ليُغفر لهم؛ بل إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم (^4).

3 - ويجوز أن يكون من جهة علمه أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه.

4 - ويجوز أن لا يكون الفهم من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي - ﷺ - وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل.

5 - أو أنه - ﷺ - إنما نهي عن الاستغفار لهم بعد ذلك (^5).

  • (^1) هو أبو سعيد عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي الشيرازي الشافعي قاض ومفسر، صنف: أنوار التنزيل وأسرار التأويل في التفسير، وطوالع الأنوار في العقيدة، مات سنة 685 هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي 1/ 248، البداية والنهاية 17/ 606.
    (^2) تفسير البيضاوي 3/ 161، وينظر: لسان العرب 8/ 146، فتح القدير 2/ 494.
    (^3) ينظر: المحلى 13/ 76.
    (^4) ينظر: الكشاف 2/ 281.
    (^5) ينظر: البحر المحيط للزركشي 5/ 173.
273