منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 459 - 468

سورة الواقعة

سورة الواقعة

قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)﴾ [الواقعة:25 - 26].

134/ 1 - قال ابن عقيل: (قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)﴾ [الواقعة:25 - 26]، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [النساء:29]، كل ذلك استثناء منقطع، بمعنى: لكن يسمعون التسليم، لكن كلوها بتجارة، لكن رحمة منا (^1)، لكن من رحم (^2) ...) إلى أن قال: (وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:98]، لكن قوم يونس، وهذا قول سيبويه (^3) اهـ) (^4).

الدراسة:

كل هذه الآيات التي ذكرها ابن عقيل فيها استثناء، وقد حكم بأنه استثناء منقطع: ... وهو ما لم يكن فيه المستثنى جنسًا من المستثنى منه (^5)، ويصح أن يقع الحرف: [لكن] موقع أداة الاستثناء مع استقامة المعنى (^6).

ولكون الآيات في موضوع واحد صار بحثها واحدًا.

  • (^1) يريد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ
  • (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ [يس:43 - 44]، ينظر: الكتاب 2/ 322.
    (^2) يريد قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:43] ينظر: الأمالي النحوية 4/ 32.
    (^3) الكتاب 2/ 325، وينظر: العدة 2/ 676.
    (^4) الواضح 3/ 488.
    (^5) ينظر: الكتاب 2/ 325، شرح المفصل 2/ 79، الأمالي النحوية 4/ 32.
    (^6) ينظر: ضياء السالك 2/ 167.
459

قال القرطبي: (﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن يقولون قيلًا أو يسمعون) (^1)، ووافقه جمع من المفسرين (^2).

وقال أيضًا: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29] هذا استثناء منقطع، أي: ولكن تجارة عن تراض) (^3).

وهذا هو قول أكثر المفسرين (^4).

وقال الطبري: (نَصْبُ: ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:98]؛ نُصِبوا لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ومن غير جنسهم وشكلهم، وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعًا، ولكنهم كما وصفت، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) (^5).

وقال الفراء: (ثم استثنى قوم يونس بالنصب على الانقطاع مما قبله ..) إلى أن قال: (ولو كان الاستثناء ها هنا وقع على طائفة منهم لكان رفعًا) (^6).

وقال الزجاج: (ولا أعلم أحدًا قرأ بالرفع) (^7).

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن 17/ 206.
    (^2) ينظر: تفسير النسفي 4/ 216، تفسير الثعالبي 4/ 252، فتح القدير 5/ 187، الاستثناء في القرآن الكريم ص 125.
    (^3) الجامع لأحكام القرآن 5/ 151.
    (^4) ينظر: الوجيز 1/ 261، التبيان في إعراب القرآن 1/ 351، تفسير البيضاوي 2/ 176، مجموع الفتاوى 17/ 441، كتاب [إلا] بمعنى [لكن] ص 47.
    (^5) جامع البيان 12/ 292.
    (^6) معاني القرآن 1/ 479.
    (^7) معاني القرآن وإعرابه 3/ 35.
460

وممن قال بهذا: النحاس (^1)، والجصاص (^2)، والسمرقندي (^3)، وغيرهم (^4).

وأشار قوم إلى أنه: يجوز أن يكون هذا الاستثناء متصلًا (^5).

والراجح في هذا هو أن الاستثناء منقطع كما قال ابن عقيل؛ لأمور منها:

1 - أنه قول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين، بل نقل بعضهم الإجماع، قال ابن عطية: (ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وكذلك رسمه النحويون أجمع) (^6).

2 - حكم بعض الأئمة من اللغويين والمفسرين بضعف القول الثاني، كما سيأتي.

  • (^1) معاني القرآن 3/ 319، ونسبه للخليل وسيبويه.
    (^2) أحكام القرآن 2/ 384.
    (^3) تفسير السمرقندي 2/ 133.
    (^4) ينظر: الكشاف 2/ 353، المحرر الوجيز 3/ 144، التفسير الكبير 17/ 132، إملاء ما من به الرحمن 2/ 33.
    (^5) ينظر: الكشاف 2/ 353، المحرر الوجيز 3/ 144، التبيان في إعراب القرآن 1/ 351.
    (^6) المحرر الوجيز 3/ 144.
461

3 - أن القول: إن الاستثناء متصل، قد يوهم معنى فاسدًا، قال العكبري (^1): (قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [البقرة:282]، الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل، والتقدير: لا تأكلوها بسببٍ إلا أن تكون تجارة، وهذا ضعيف؛ لأنه قال بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل) (^2). وقال الزركشي: (إذ لو كان متصلًا لكان المعنى: فهل آمنت قرية إلا قوم يونس فلا يؤمنون، فيكون طلب الإيمان من خلاف قوم يونس، وذلك باطل؛ لأن الله تعالى يطلب من كل شخص الإيمان، فدل على أن المعنى: لكن قوم يونس) (^3)، وقال الشوكاني في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)﴾ [الواقعة:26]: (وقيل الاستثناء متصل وهو بعيد؛ لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم) (^4).

4 - أن القول بأن الاستثناء منقطع لا يترتب عليه أي محذور، فهو أسلوب عربي فصيح، والقول بخلافه نوع من التكلف.

5 - أن القول: إن الاستثناء متصل، يلزم منه: التقدير لمضمر، أو التضمين، وهذا خلاف الأصل، قال مكي: (ويجوز أن يكون على الاستثناء الذي هو غير منقطع، على أن يضمر في الكلام حذف مضاف تقديره: فلولا كان أهل قرية آمنوا، ويجوز الرفع على أن تجعل [إلا] بمعنى [غير] صفة للأهل المحذوفين في المعنى، ثم تعرب ما بعد إلا بمثل إعراب غير لو ظهرت في موضع إلا) (^5). والله أعلم.

  • (^1) هو أبو البقاء عبدالله بن الحسين بن عبدالله العُكْبَري النحوي الحنبلي، جمع فنونًا من العلم، له من المصنفات: التبيان في إعراب القرآن، إعراب الحديث، مات سنة 616 هـ، له ترجمة في: طبقات الداوودي 1/ 231، شذرات الذهب 5/ 67.
    (^2) التبيان في إعراب القرآن 1/ 351.
    (^3) البرهان 4/ 237.
    (^4) فتح القدير 5/ 187.
    (^5) مشكل إعراب القرآن 1/ 354.
462

سورة المجادلة

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾ [المجادلة:12].

135/ 1 - قال ابن عقيل: (نُسخ ذلك الوجوب إلى جواز فعلها وجواز تركها بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)﴾ [المجادلة:13] اهـ) (^1).

الدراسة:

ذهب ابن عقيل إلى أن آية المناجاة منسوخة بما بعدها، وهو المروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (^2)، وهو قول قتادة (^3)، والنحاس (^4)، ومكي (^5)، وابن الجوزي (^6)، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء في القديم والحديث (^7).

قال النحاس: (أكثر العلماء على أن هذه الآية منسوخة) (^8).

بل أثبت النسخ فيها كل من ألف في الناسخ والمنسوخ (^9).

وذكر بعض العلماء أن هذه هي الآية الوحيدة المتفق على نسخها في القرآن (^10).

  • (^1) الواضح 1/ 251.
    (^2) ينظر: جامع البيان 22/ 482.
    (^3) الناسخ والمنسوخ له ص 47.
    (^4) الناسخ والمنسوخ له ص 700.
    (^5) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 368.
    (^6) نواسخ القرآن له ص 529.
    (^7) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 17/ 301، الإتقان 2/ 49، مناهل العرفان 2/ 268.
    (^8) الناسخ والمنسوخ ص 700، وينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 426.
    (^9) ينظر مثلًا: الناسخ والمنسوخ للمقري ص 174، والناسخ والمنسوخ لابن حزم ص 59، ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي ص 52.
    (^10) الآيات المنسوخة في القرآن الكريم لعبدالله بن محمد الشنقيطي ص 97.
463

وأشار الزرقاني إلى أنه قيل: لا نسخ فيها؛ بحجة أن الآية الثانية بيان للصدقة المأمور بها في الأولى، وأنه يصح أن تكون صدقة غير مالية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله.

ثم قال ردًا على هذه الحجة: (وأنت خبير بأن هذا ضرب من التكلف في التأويل، يأباه ما هو معروف من معنى الصدقة حتى أصبح لفظها حقيقة عرفية في البذل المالي وحده) (^1).

ويرد هذا أيضًا: الأمر في آخر الآية عند عدم الفعل بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله، مما يثبت أن المراد بالصدقة قبل هذا الأمر غيرَ الصلاة والزكاة والطاعة حيث يقول سبحانه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)﴾ [المجادلة:13]. والله أعلم.

سورة الحشر

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾ [الحشر:2].

136/ 1 - قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:2]: (يأمر بالاعتبار لأولي الأبصار، والنبي - ﷺ - داخل في ذلك؛ لأنه من أهل البصائر، بل أشرفهم وأسبقهم في ذلك اهـ) (^2).

  • (^1) مناهل العرفان 2/ 268.
    (^2) الواضح 5/ 398.
464

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى مسألتين:

المسألة الأولى:

الاستدلال بهذه الآية: على أن النبي - ﷺ - له حق الاجتهاد في الحكم بين الناس؛ لأنه ذكر هذه الآية ضمن أدلته على أن النبي - ﷺ - كان يجتهد في الحوادث، ويحكم فيها باجتهاده، وهذه المسألة قد سبق الحديث عنها عند قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:159] (^1).

المسألة الثانية:

أشار ابن عقيل إلى أن النبي - ﷺ - أشرف أهل البصائر، وهذا أمر حتم لا يُختلف فيه، فهو - ﷺ - القدوة الأولى لأمته، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21] [الأحزاب:21]، ولا يصل إلى الاقتداء إلا من وصفهم الله في الآية فقال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ [الأحزاب:21]، وقد اجتمع فيه - ﷺ - كمال العقل وحسن التفكر، فكان أهلًا لحمل الرسالة وتبليغها، قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:44].

قال الشوكاني عن النبي - ﷺ -: (وهو أجل المتفكرين في آيات الله وأعظم المعتبرين لها) (^2).

وقد خص الله تعالى أولي الأبصار بالاعتبار؛ لأنهم هم أهله والمستفيدون منه.

  • (^1) ينظر: ص 159.
    (^2) ينظر: إرشاد الفحول 2/ 305.
465

سورة الممتحنة

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)﴾ [الممتحنة:10].

137/ 1 - قال ابن عقيل: (يقع على الظن اسم العلم في غالب الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:10]، ولا طريق لنا إلى علم ذلك، وإنما المراد: ظننتموهن مؤمنات اهـ) (^1).

الدراسة:

أشار ابن عقيل في هذه الآية إلى أن العلم يطلق ويراد به الظن؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ....﴾ [الممتحنة:10] ووجه الاستدلال: أنه لا يمكن معرفة إيمان المهاجرات علمًا يقينًا؛ فالمراد بالعلم في الآية: الظن، وهذا ما ذكره الجصاص (^2)، والسمرقندي (^3)، والسمعاني (^4)، وغيرهم (^5).

ويشهد له في الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:10]، فبني آدم لهم الظاهر والله أعلم بالسرائر.

  • (^1) الواضح 3/ 488.
    (^2) أحكام القرآن 3/ 226.
    (^3) تفسير السمرقندي 3/ 416.
    (^4) تفسير السمعاني 5/ 418.
    (^5) ينظر: الكشاف 4/ 516، التفسير الكبير 20/ 167، الجامع لأحكام القرآن 18/ 63.
466

قال القرطبي: (﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:10] أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن؛ لأنه متولي السرائر) (^1).

ومن الأدلة على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:81].

قال الجصاص في تفسيرها: (يعني: من الأمر الظاهر لا من الحقيقة، وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر وإن لم يعلم حقيقة وهو كقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ...﴾ [الممتحنة:10] ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علمًا وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن) (^2).

وقال الرازي: (إن الظن قد يسمى بالعلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:10]، ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وذلك لا يفيد إلا الظن، فههنا الله تعالى سمى الظن علمًا) (^3).

فإن قيل: ما الفائدة من استعمال العلم مكان الظن؟.

فيجاب بما قال الرازي: (نقول إنه من باب أن الظن الغالب، وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم) (^4).

وقال البيضاوي: (﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:10]: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علمًا إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به) (^5).

  • (^1) الجامع لأحكام القرآن 18/ 63.
    (^2) أحكام القرآن 3/ 226، وينظر 3/ 584.
    (^3) التفسير الكبير 20/ 167.
    (^4) التفسير الكبير 29/ 265، تفسير النسفي 4/ 249.
    (^5) تفسير البيضاوي 5/ 329.
467

وقال الزركشي: (إن بين الظن والعلم قدرًا مشتركًا وهو الرجحان فتجوز بأحدهما عن الآخر) (^1).

وقال الفيروزابادي (^2): (واعلم أن العلم على ثلاث درجات: أحدها: ما وقع من عيان وهو البصر، والثاني: ما استند إلى السمع وهو الاستفاضة، والثالث: ما استند إلى العلم وهو علم التجربة. على أن طرق العلم لا تنحصر فيما ذكرناه؛ فإن سائر الحواس توجب العلم، وكذا ما يدرك بالباطن وهي الوجدانيات، وكذا ما يدرك بالمخبِر الصادق وإن كان واحدًا، وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط وإن لم يكن تجربة) (^3).

فتبين لي من كلام العلماء أن اختيار هذا اللفظ للاعتقاد الغالب الراجح؛ ليدخل فيه الاعتقاد اليقيني الجازم (^4) - إذا وجد - من باب أولى (^5)، كما أن فيه حث على التثبت والتأكد في الامتحان بما يُستطاع من الدلائل والأمارات (^6). والله أعلم.

  • (^1) البرهان 3/ 346.
    (^2) هو محمد بن يعقوب بن محمد أبو الطاهر الفيروزابادي - وبعضهم بالذال - الشيرازي اللغوي الشافعي، من مصنفاته: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، والقاموس المحيط، مات سنة 817 هـ، له ترجمة في: شذرات الذهب 7/ 126، البدر الطالع 2/ 149.
    (^3) بصائر ذوي التمييز 4/ 92.
    (^4) ينظر في تعريف العلم: المفردات ص 384، التعريفات ص 155، المعجم الوسيط ص 624.
    (^5) ينظر: تفسير ابن كثير 8/ 3500.
    (^6) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 156.
468