منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 44 - 51

المطلب الرابع جمع النظائر

المطلب الرابع جمع النظائر

اهتم ابن عقيل بجمع النظائر، وفيه دلالة على ملكة عنده في الحفظ واستحضار الآيات في الموضوع الواحد، وهذا مما يتميز به العلماء، وقد سلك هذا المنهج كثير من العلماء كالطبري (^1)، والبغوي (^2)، وابن كثير (^3)، وغيرهم.

وجمع النظائر يوضح الأدلة في الموضوع الواحد مما يجعل المعنى واضحًا والتفسير أدق.

ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾ [النساء:77].

قال ابن عقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:77]، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ [النساء:124]: (فذكر القليل تنبيهًا على الكثير، نافيًا للظلم عن نفسه سبحانه اهـ) (^4).

- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)﴾ [الأنعام:76].

  • (^1) ينظر: جامع البيان 4/ 178، 9/ 114، 23/ 468.
    (^2) ينظر: معالم التنزيل 1/ 206، 2/ 88، والبغوي هو أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، من مصنفاته: معالم التنزيل، مات سنة 516 هـ، له ترجمة في: طبقات السيوطي ص 38، طبقات الداوودي 1/ 161.
    (^3) ينظر: تفسير ابن كثير 5/ 2020، 8/ 3615.
    (^4) الواضح 3/ 259.
44

قال ابن عقيل: (﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام:76]، أزال الاشتباه من قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:22]، ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [الأنعام:158]، ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:210]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:158]، وأنه ليس بالانتقال المشاكل لأفول النجوم اهـ) (^1).

ومما يلاحظ في استدلال ابن عقيل بالقرآن ما يلي:

1 - الاهتمام بتفسير القرآن بالقرآن عمومًا، ويظهر ذلك في الأنواع التي مر ذكرها.

2 - جمع النظائر، وعد عدد من الآي التي تحمل معنى واحدًا في موضع واحد.

3 - الاستشهاد بالقرآن في مواضع كثيرة على المعاني التي يذكرها في التفسير.

4 - محاولة الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض، وبيان أن بعض الآيات موضح للبعض الآخر.

  • (^1) الواضح 4/ 7.
45

المبحث الثاني تفسير القرآن بالسنة

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: تخصيص العموم.

المطلب الثاني: بيان المجمل.

المطلب الثالث الترجيح بالسنة:

46

المطلب الأول تخصيص العموم

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44]، بين الله تعالى في هذه الآية أن مهمة الرسول - ﷺ - بيان القرآن؛ والنبي - ﷺ - معصوم في أمور التبليغ، ومؤيد بالوحي، وعلى هذا فيلزمنا الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه لا يمكن الاستغناء عن البيان النبوي؛ فلا أحد من خلق الله أعلم بمراد الله من رسوله - ﷺ -.

قال شيخ الإسلام: (فإن لم تجده - أي التفسير بالقرآن - فبالسنة، فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له) (^1).

وقد نهج ابن عقيل في تفسيره القرآن بالسنة أنواعًا منها: تخصيص عموم القرآن بالسنة.

  • (^1) مقدمة التفسير ص 106.
47

قال الآلوسي (^1): (ومذهب الأئمة الأربعة: جواز تخصيص عموم القرآن بالسنة مطلقًا) (^2).

ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38].

قال ابن عقيل: (خص بما روي عن النبي - ﷺ -: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (^3» (^4).

- قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24].

استدل بها ابن عقيل على جواز تخصيص الكتاب بالسنة بتخصيص الصحابة لها: بحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " (^5) (^6).

المطلب الثاني بيان المجمل

السنة هي المصدر الثاني لتفسير القرآن، وفي القرآن ما هو مجمل كما سبق فقد جاءت السنة مبينة وموضحة لما يحتاج إلى بيان وإيضاح (^7)، وعند التأمل نجد ابن عقيل جعل السنة بيانًا للقرآن في مواضع منها:

- قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)﴾ [النساء:15].

  • (^1) هو أبو الوفاء شهاب الدين محمود بن عبدالله الحسيني الآلوسي، شارك في علوم كثيرة، ومن تصانيفه: روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، مات سنة 1270 هـ، له ترجمة في: معجم المؤلفين 12/ 175، الأعلام 8/ 53.
    (^2) روح المعاني 18/ 9.
    (^3) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^4) الواضح 2/ 96، 3/ 435.
    (^5) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^6) الواضح 3/ 379، 1/ 192.
    (^7) ينظر: مقدمة التفسير ص 106.
48

قال ابن عقيل بعدها: (ثم بين السبيل، فقال - ﷺ -: " قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (^1) اهـ) (^2).

- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:141].

قال ابن عقيل: (فبين النبي - ﷺ - أن المراد به العشر من السَّيْح، أو نصف العشر من سَقْي الكُلَف، أو ربع العشر من الأثمان (^3) اهـ) (^4).

- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:151].

قال ابن عقيل: (بينت السنة المستثنى بقوله - ﷺ -: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " (^5) اهـ) (^6).

المطلب الثالث الترجيح بالسنة

السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وأقوال النبي - ﷺ - فاصلة ومرجحة بين الأقوال، ومما يدل على اهتمام ابن عقيل بالسنة أنه يرجح أقواله بالأدلة من السنة النبوية، ومما يشهد لهذا الأمثلة التالية:

- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:22].

قال ابن عقيل في النكاح: (هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة "، " ناكح يده ملعون " (^7) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى. ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (^8).

  • (^1) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^2) الواضح 1/ 193.
    (^3) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^4) الواضح 1/ 188.
    (^5) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^6) الواضح 2/ 8.
    (^7) سيأتي تخريجهما في موضعه.
    (^8) الواضح 4/ 50.
49

- قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:80].

قال ابن عقيل مرجحًا أن للخطاب نفسه معنى هو حجة شرعية بدليل فهم النبي - ﷺ - هذا من القرآن حيث قال بعد نزول الآية: (...: " والله لأزيدن على السبعين " (^1)، فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافها) (^2).

- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:117].

قال ابن عقيل: (فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن: " لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة " (^3)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن) (^4).

ومما يلاحظ في استدلال ابن عقيل بالسنة ما يلي:

1 - اهتمامه بأدلة السنة في التفسير وغيره من العلوم.

2 - ذكر عدد من الأحاديث في الموضوع الواحد (^5).

3 - أنه لا يعزو الحديث لمن أخرجه في الغالب (^6).

4 - يذكر في أحيان قليلة صحابي الحديث (^7).

5 - ذكره للأحاديث بالمعنى كثير، وأحيانًا بالإشارة إلى ما اشتهر به الحديث فقط (^8).

  • (^1) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^2) الواضح 3/ 269.
    (^3) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^4) الواضح 3/ 307.
    (^5) ينظر: الواضح 4/ 50، 145.
    (^6) ينظر: الواضح 1/ 193.
    (^7) ينظر: الواضح 3/ 379.
    (^8) ينظر: الواضح 2/ 8، 4/ 50.
50

6 - أنه يستشهد بالأحاديث الضعيفة دون بيان ضعفها (^1)، ولذلك قال ابن رجب عن ابن عقيل: (وكان يخونه قلة بضاعته في الحديث، فلو كان متضلعًا من الحديث والآثار، ومتوسعًا في علومها لكملت له أدوات الاجتهاد ... ولكن الكمال لله) (^2)، وقال ضمن ترجمته لابن الجوزي: (وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون) (^3).

  • (^1) ينظر: الواضح 4/ 50.
    (^2) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 157.
    (^3) الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 414.
51