المبحث الثالث تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تخصيص العموم.
المطلب الثاني: دفع موهم التناقض.
المبحث الثالث تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تخصيص العموم.
المطلب الثاني: دفع موهم التناقض.
الصحابة - رضي الله عنهم - هم أهل اللسان، وقد شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، وأحوال من نزل فيهم القرآن، وقد زكاهم الله تعالى ورسوله مما يدل على سلامة مقصدهم، وصحة فهمهم، وأنهم المرجع بعد الله ورسوله، ولهذا فالصحابة المصدر الثالث من مصادر التفسير بعد تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة.
قال شيخ الإسلام: (فإن لم تجده - يعني التفسير في القرآن ولا في السنة - فارجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح لا سيما كبراؤهم، كالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين كابن مسعود وابن عباس، وإذا لم تجده - يعني فيما تقدم - فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين (^1)، كمجاهد وسعيد بن جبير ...) (^2).
وقال ابن القيم في قبول تفسير الصحابة: (لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم) (^1).
ومن أنواع تفسير الصحابة للقرآن تخصيص عمومه، وهذا مبني على ما قبله من مصادر الصحابة في التفسير، فهم يرجعون للقرآن ثم للسنة ثم للغة العربية مع ما لديهم من ملكة الاجتهاد وقوة الاستنباط (^2).
ومن الأمثلة التي استدل بها ابن عقيل على تخصيص الصحابة لعموم القرآن:
- قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:11].
قال ابن عقيل: (احتجت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - بعموم آية المواريث على أبي بكر الصديق لما منعها ميراث أبيها، فلم ينكر عليها احتجاجها بالآية، بل عدل إلى ما رواه عن النبي - ﷺ - من دليل التخصيص، وهو قوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة " (^3» (^4).
- قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24].
استدل بها ابن عقيل على جواز تخصيص الكتاب بالسنة بتخصيص الصحابة لها: بحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " (^5) (^6).
لما كان الصحابة أقرب الناس إلى فهم التنزيل، فهم مرجع للعلماء في دفع ما يوهم التناقض بين الآيات.
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن عقيل في هذا المعنى ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39)﴾ [الرحمن:39]، وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)﴾ [الحجر:92].
قال ابن عقيل: (قال ابن عباس: يُسألون في موضع، ولا يُسألون في موضع، يعني بذلك اختلاف المقامات، فإن القيامة ذات مقامات مختلفة) (^1).
- قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:6] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:23].
قال ابن عقيل: (لما اختلف علي وعثمان في الجمع بين الأختين - يعني المملوكتين -، فقال عثمان: يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:6]، وقال: علي: لا يجوز، واحتج بعموم قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:23]) (^2).
ومما يلاحظ في نقل ابن عقيل لأقوال الصحابة والتابعين ما يلي:
1 - الاهتمام بالاستدلال بأقوال الصحابة والتابعين، وبيان شيء مما اختلفوا فيه (^3).
2 - نقل بعض المعاني اللغوية في الآيات عن الصحابة (^4).
3 - الإشارة إلى تفاسير الصحابة للمسائل الفقهية في القرآن (^5).
4 - الإشارة بقلة إلى تفاسير بعض التابعين (^6).
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اهتمامه بمعاني المفردات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر.
المطلب الثاني: عنايته بالشعر، وأقوال العرب.
المطلب الثالث: اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير.
القرآن الكريم نزل بأفصح لغة، وهي اللغة العربية، ومن هنا كان من وسائل التفسير عند العلماء الأخذ بما دلت عليه لغة العرب؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين.
قال شيخ الإسلام: (ويُرجَع - يعني: في تفسير القرآن - إلى لغة القرآن، أو السنة، أو لغة العرب، ومن تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه، ويحرم بمجرد الرأي، وقال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله) (^1).
ويلاحظ ملاحظة بيِّنة اهتمام ابن عقيل بمعاني المفردات ومعاني الحروف ومرجع الضمائر، ولا شك أن هذا من الأهمية بمكان، وقد أفرد له العلماء مؤلفات مستقلة وهي المسماة: بـ كلمات القرآن، أو غريب القرآن ونحوها، وهناك من أفرد لمعاني الحروف أيضًا مؤلفًا (^2)، وبعضهم أفرد لها بابًا مستقلًا ضمن مصنفاتهم، كأهل اللغة (^3)، وأهل الأصول (^4)، وبعض من ألف في القرآن وعلومه (^5)، ولم يغفلها أغلب المفسرين.
وكذلك مرجع الضمير فله أثر كبير في إيضاح المعنى وتيسير الفهم والتدبر، وقد نال حظًا وافرًا من بحوث العلماء، وبيان القواعد في استعمالاته والترجيح بين احتمالاته (^6).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمعتني بغريبه - يعني: تفسير القرآن - لا بد له من معرفة الحروف ...) إلى أن قال: (ومنه: معرفة ما وضع له الضمير، وما يعود عليه) (^1).
وقد أكثر ابن عقيل من هذا - كما سيأتي - مما يدل على تضلعه في اللغة ومعرفته لما دق من المعاني.
ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)﴾ [يونس:87].
قال ابن عقيل: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلًا لله سبحانه في العبادات) (^2).
- قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:91].
قال ابن عقيل: (أي: لا نفهم) (^3).
- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:9].
قال ابن عقيل: (الجور: هو الميل عن الحق، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال) (^4).
- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:50].
قال ابن عقيل: (يعني: خرج؛ فهذا حد الفسق أصلًا في اللغة اهـ) (^5).
- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:79].
قال ابن عقيل: (زيادة في عملك، وهي في الشرع: ما في فعله ثواب، ولا يلام تاركه، وقيل: ما رُغِّب فيه مما لا يقبح تركه اهـ) (^6).
- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:2].
قال ابن عقيل: (أي: مع أموالكم اهـ) (^1).
- قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)﴾ [يونس:46].
قال ابن عقيل: (﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ بمعنى: والله شهيد على فعلهم حال فعلهم لا مرتبًا على فعلهم، ويحتمل أن تكون على أصلها للتراخي بكون شهود الباري متراخيًا عن وفاته - ﷺ -؛ فإنه قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)﴾ [يونس:46] اهـ) (^2).
- قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد:11].
قال ابن عقيل: (من أمر الله، مكان بأمر الله) (^3).
- قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:14].
قال ابن عقيل: (أي: أنزل من علم الله اهـ) (^4).
- قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾ [الزلزلة:5].
قال ابن عقيل: (يعني: إليها اهـ) (^5).
- قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)﴾ [الكهف:80].
قال ابن عقيل: (﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف:80] يرجع إلى الخضر، وأنه لما اطلع على ما يكون منه، خشي أن يبلغ فيكفر، ويكفِّر أبويه) (^6).
- قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)﴾ [الأنبياء:78].
قال ابن عقيل: (إنما أراد به: حكم الأنبياء كلهم، ويحتمل: أنه أراد داود وسليمان والمحكوم له اهـ) (^1).
- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:4 - 5].
قال ابن عقيل: (الاستثناء يعود إلى جميعها، فكأنه يقول بمقتضى الظاهر: فلا تجلدوهم، واقبلوا شهادتهم، ولا تفسقوهم إلا أن الحد استوفي بدليل انفرد به) (^2).
- قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)﴾ [الشعراء:15].
قال ابن عقيل: (المراد بها: موسى وهارون وفرعون، مستمعون ما تقولا ويقال لكما) (^3).
- قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)﴾ [الزخرف:55].
قال ابن عقيل: (قوله: ﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف:55] يرجع إلى موسى بدليل قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:150] اهـ) (^4).