منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 69 - 76

المطلب الثاني نقله للإجماع

قال ابن رجب: (وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه، والرد على مخالفيهم) (^1).

وقال ابن عقيل لما اتُّهِم الحنابلة بالتجسيم: (ينبغي لهؤلاء الجماعة أن يسألوا عن صاحبنا؟ فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله - ﷺ - وأفعاله، إلا ما كان للرأي فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذي أجمعوا على تعديله، على أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة، فإن وافقوا على أننا على مذهبه فقد أجمعوا على سلامتنا معه؛ لأن متبع السليم سليم) (^2).

بل إن ابن عقيل من كبار أئمة الحنابلة وأقواله وترجيحاته معتبرة في المذهب الحنبلي.

ومع قوة حب ابن عقيل لمذهبه، وتعظيمه لإمامه وأصحابه، إلا أنه يتكلم كثيرًا بلسان الاجتهاد والترجيح واتباع الدليل الذي يظهر له، ويقول: (الواجب اتباع الدليل لا اتباع أحمد) (^3). ويقول ابن رجب: (وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب) (^4).

وقال ابن عقيل: (إنما المذهب ما نصره دليله) (^5).

المطلب الثاني نقله للإجماع

الإجماع: هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد - ﷺ - على أمر من أمور الدين (^6).

ولا ريب أن نقل الإجماع لا يكون إلا ممن تضلع في العلم واستقرأ وتتبع أقوال العلماء، وقد كان لابن عقيل نصيب من هذا النقل، ومن الأمثلة على هذا ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾ [الأعراف:12].

  • (^1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 156.
    (^2) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 150.
    (^3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 157.
    (^4) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 157، فقد ذكر عددًا من المسائل التي تفرد بها.
    (^5) الفنون 1/ 237.
    (^6) ينظر: روضة الناظر 1/ 331.
69

قال ابن عقيل: (فأثبت أمره له بالسجود، ولم يقع منه السجود، وقد أجمع المسلمون على أنه عالم بامتناعه قبل وقوع الامتناع منه اهـ) (^1).

- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)﴾ [التوبة:29].

قال ابن عقيل: (يعني: حتى يبذلوها، وينزلوا على حكمنا فيها؛ للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام اهـ) (^2).

- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة:10].

قال ابن عقيل: (وذلك لا يعطي عندي مذهبًا في مسألتنا (^3)؛ لأن المختلفين في هذه المسألة مجمعون على أن هذه الآيات للإباحة والإطلاقِ بحسب دلالة الإجماع اهـ) (^4).

- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].

قال ابن عقيل: (اقتضى ذلك أن البوائن الحوامل لا نفقة عليهن، وعلى هذا لغة العرب لا نعرف سوى ذلك اهـ) (^5).

- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115].

  • (^1) الواضح 3/ 188.
    (^2) التذكرة ص 324.
    (^3) أي مسألة: هل الأمر بعد الحظر للوجوب أو غيره؟.
    (^4) الواضح 2/ 524، الجدل ص 3.
    (^5) الواضح 3/ 272.
70

قال ابن عقيل: (والسبيل ههنا هو الطريق، ولا طريق يحصل الوعيد على سلوك غيره إلا ما يوجبه اجتهادهم؛ إذ كان ما أوجبه نص القرآن، أو تواتر السنة، فذاك سبيل الله ورسوله، أخص به من الإضافة إليهم، والمؤمنون ها هنا هم العلماء، إذ قد أجمعنا على أن العوام والجهال لا سبيل لهم يتبع، فلم يبق إلا العلماء، وقد تواعد على اتباع غير سبيلهم، فثبت أن سبيلهم حق متبع ودليل مرشد، والمخالف له مستحق للعقاب بالوعيد المنصوص في الآية، إذ ليس بين سبيلهم وبين سبيل غيرهم قسم ثالث، فتعين اتباع سبيلهم حيث حصل الوعيد على اتباع غير سبيلهم اهـ) (^1).

المطلب الثالث اهتمامه بالقياس

القياس: هو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (^2).

ولا يمكن القياس إلا لمن وصل مرتبة الاجتهاد بحيث يحيط بطرق الأحكام التي تدرك منها، ويتوصل بها إليها.

ومن الأمثلة التي استعمل فيها ابن عقيل القياس ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25].

قال ابن عقيل: (فأما القياس الواضح فمثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فذِكْر الإحصان ينبه بأعلى حالتيهما على أدناهما، وذكر نصف العذاب يوضح أن العلة فيه الرق، فيلحق بها العبد في نقصان الحد اهـ) (^3).

- قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25].

قال ابن عقيل: (والمحصنات ههنا الحرائر، ثم قاس العلماء عليهن حد العبيد اهـ) (^4).

  • (^1) الواضح 5/ 105، 188.
    (^2) ينظر: روضة الناظر 2/ 227.
    (^3) الجدل ص 12.
    (^4) الواضح 2/ 124.
71

المطلب الرابع منهجه في الاستنباط

وصل ابن عقيل مرتبة عليَّة، حتى عده العلماء من أهل الرأي والاجتهاد والاستنباط

قال عنه ابن رجب: (وكان ابن عقيل رحمه الله من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيرًا بالكلام، مطلعًا على مذاهب المتكلمين، وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله شيء كثير) (^1).

ويقول الذهبي: (وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير) (^2).

وبين ابن عقيل عدم جواز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الخالي من العلم والنقل؛ للنهي عن ذلك بالأدلة الصريحة، منها: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - ﷺ - قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " (^3).

وأما التفسير بالرأي ممن توفر فيه العلم بالأدلة وكيفية استنباط الأحكام منها لغة وشرعًا فلا حرج عليه.

قال ابن عقيل: (فأما نقل التفسير عن الرواية فقربة وطاعة، وقد فسر أحمد وأول كثيرًا من الآي، على مقتضى اللغة) (^4).

وقال ابن تيمية بعد ذكر جملة من الآثار التي تدل على تحرج السلف من التفسير: ... (وهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد) (^5).

وأما ما توصلت إليه من منهج ابن عقيل في الاستنباط عمومًا فأقول فيه ما يلي:

  • (^1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 151.
    (^2) سير أعلام النبلاء 19/ 445.
    (^3) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (2950)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
    (^4) ينظر: الواضح 4/ 63.
    (^5) مجموع الفتاوى 13/ 370.
72

1 - أنه فتح لنفسه العنان في طلب العلم دون تمحيص لنوع العلم والمعلم. قال ابن كثير: (وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوي عليهم فلهذا برز على أقرانه، وبزَّ أهل زمانه في فنون كثيرة) (^1). وقال ابن رجب: (كان أصحابنا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله) (^2).

2 - أنه لما توسعت معارفه واطلاعاته مع ما وهبه الله من الذكاء كثرت آراؤه فأعمل عقله، ولذلك قد يعتقد فيبني على اعتقاده الأدلة، ومن ذلك قوله: (قال سبحانه: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:69] وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:80]، فالأحق أن يكون الشفاء حقيقة مضافًا إلى الخالق سبحانه، والعسل عنده الشفاء، والماء يوجد عند نزوله الإنبات، والمنبت حقيقة هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقول: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ [فاطر:9]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ [النحل:11]، وقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:60] يعني: أنبتنا لكم عنده، وقد أضاف الله سبحانه الإضلال إلى الأصنام والسامري، والضلال فيهم لا بهم) (^3).

  • (^1) البداية والنهاية 16/ 242.
    (^2) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 144.
    (^3) الواضح 1/ 181.
73

3 - أنه اجتهد في كثير من المسائل وانفرد بأقوال كثيرة عن مذهبه، وبيَّن أنه يتبع الدليل دون الأشخاص، قال عنه ابن رجب: (وكان رحمه الله بارعًا في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة وإشارات دقيقة) (^1).

4 - اهتم ابن عقيل بالاستدلال على استنباطاته بالإجماع، أو بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة، أو بأقوال أهل اللغة، أو بالقياس، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من ذلك (^2).

5 - أنه يتلذذ حينما يجتهد في المسائل، ويستنبط الصواب فيها، حيث يقول عن نفسه: (عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه، وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة، وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له، ويسمع من غيره) (^3).

6 - أنه يُقدِّر من يهتم بالاستنباط على غيره، ويوصي بعدم التقليد والجمود في مسائل العلم المتنوعة.

7 - السرعة في الاستنباط، واستحضار الأدلة في المسائل التي يسأل عنها، مما جعله يشتهر أيضًا بالمناظرات مع كبار العلماء. قال ابن الجوزي: (وأفتى ابن عقيل، ودرَّس، وناظر الفحول) (^4).

8 - ذكر ابن عقيل من وجوه ترجيح إحدى القراءات على الأخرى: كثرة من عليها من القراء، أو شهادة الأصول لها، أو كونها في اللغة أظهر، أو كونها موجِبة والأخرى مسقطة، أو كون إحدى القراءتين أعم بحيث تدخل القراءة الأخرى في معناها (^5).

  • (^1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 152.
    (^2) ينظر كذلك: الواضح 3/ 276، التذكرة ص 308، الجدل ص 20.
    (^3) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 158.
    (^4) المنتظم 9/ 213.
    (^5) ينظر: الجدل ص 21.
74

9 - أنه يستنبط من الآيات أبعد من المعاني الظاهرة التي تتبادر لمن قرأ الآية، حيث يقول عند قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:87]: (قبلة: جهة للطاعات ومستقبلًا لله سبحانه في العبادات، ومن كان مأمورًا أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا، وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقًا، وجعلوا بيوتهم قبورًا) (^1). وقال في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:3]: (وقد نفى سبحانه التفاوت عن أفعاله، فكان ذلك تنبيهًا على نفي النقائص عن صفاته اهـ) (^2).

10 - يستنبط أحيانًا ضوابط يدخل تحتها كثيرًا من المسائل حيث يقول: (إذا كنى الله سبحانه عن العبادة ببعض ما فيها من أركانها وتوابعها دل على وجوبه فيها، وكون ذلك الشيء من لوازمها وفروضها، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:78] قال ابن عقيل: (لما كنى عن الصلاة به، دل على وجوبه فيها) (^3).

  • (^1) الفنون 1/ 283.
    (^2) الواضح 2/ 377.
    (^3) الواضح 3/ 213.
75

الفصل الثالث علوم القرآن عند ابن عقيل

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: الناسخ والمنسوخ.

المبحث الثاني: أسباب النزول.

المبحث الثالث: المحكم والمتشابه.

المبحث الرابع: العام والخاص.

76