منهج ابن عقيل الحنبلي وأقوالهالجزء 1 · ص 61 - 68

المطلب الثاني عنايته بالشعر وأقوال العرب

المطلب الثاني عنايته بالشعر وأقوال العرب

ظهرت عناية ابن عقيل باللغة العربية من جوانب منها: الاستشهاد بالشعر العربي، ونقل أقوال العرب من أمثال ونحوها.

قال الزركشي (^1): (الثالث: - يعني لطالب التفسير - الأخذ بمطلق اللغة؛ فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه: وقد سئل عن القرآن تمثل له رجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني، فقيل: ظاهره المنع، ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة: روايتان عن احمد، وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها) (^2).

ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:177].

قال ابن عقيل: (رجل عدل ورضًا، بمعنى: عادل ومرضي، كما أنشدونا:

تَرْعَى إذا غَفَلت حتَّى إذا ادَّكَرَتْ ... فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ (^3)

  • (^1) هو أبو عبدالله بدر الدين محمد بن بهادر المصري الزركشي الشافعي، فقيه، أصولي، محدث، أديب، من تصانيفه: البرهان في علوم القرآن، مات سنة 794 هـ، له ترجمة في: الدرر الكامنة 3/ 397، شذرات الذهب 6/ 335.
    (^2) البرهان 2/ 160.
    (^3) هذا البيت للخنساء ضمن قصيدة ترثي بها أخاها صخرًا، وهو في وصف ناقة ثكلت ولدها، وروايته في الديوان: تَرتعُ ما رتَعَتْ حتَّى إذا ادَّكَرَتْ ... فَإنَّما هيَ إقْبَالٌ وإدْبارُ، يعني: لا تنفك تقبل وتدبر، كأنها خلقت منهما، ينظر: ديوانها: ص 39.
61

يعنون: فإنما هي مقبلة مدبرة، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:177] والمراد به: البار، أو البر بر من آمن بالله اهـ) (^1).

- قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)﴾ [يونس:46].

قال ابن عقيل: (قال الله سبحانه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)﴾ [يونس:46]، والمراد: والله شهيد، إذ شهادة الله لا يتقدمها شيء، فتترتب عليه، وقال الشاعر:

كَهَزِّ الرُّدَينِيِّ تَحتَ العَجاجِ ... جَرى في الأنَابيبِ ثم اضطَرب (^2)

ومعلوم أن الاضطراب لا يتأخر عن الاهتزاز، ولا يترتب عليه، وإنما أراد به: واضطرب) (^3).

- قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:22].

  • (^1) ينظر: الواضح 1/ 207.
    (^2) هذا البيت لأبي دؤاد الإيادي ضمن قصيدة يصف فيها فرسه، وقوله: الرديني، قال ابن منظور: (والرمح الرديني: زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهري، تسمى ردينة، وكانا يقوّمان القنا بخط هجر) ينظر: لسان العرب 13/ 178، والمعنى أنه متى جرى الهز في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب دون تراخ، ينظر البيت في: مغني اللبيب ص 127.
    (^3) الواضح 3/ 302.
62

قال ابن عقيل: (﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هو حقيقة في الوطء؛ بدليل أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، مثل قوله: " ملعون ناكح البهيمة "، " ناكح يده ملعون " (^1) ولا عقد وقولهم: أنْكَحْنا الفَرَا فسَنَرى. ثم استعمل في العقد، فيحرم عليه أن يتزوج من تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء اهـ) (^2).

- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل:9].

قال ابن عقيل: (الجور هو الميل عن الحق، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾، وتقول العرب: جار السهم، إذا مال اهـ) (^3).

- قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:33].

قال ابن عقيل: (والظلم هو الانتقاص قال سبحانه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وتقول العرب: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما انتقص من حق الشبه، ومن قال: إنه وضع الشيء في غير موضعه، فما خرج بهذا عن الانتقاص اهـ) (^4).

المطلب الثالث اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير

من أوجه إعجاز القرآن بلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يعهد لها مثيل (^5).

ومن الأمثلة المستنبطة من كلام ابن عقيل ما يلي:

- قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾ [التوبة:62].

  • (^1) سيأتي تخريجهما في موضعه.
    (^2) الواضح 4/ 50.
    (^3) الواضح 1/ 150.
    (^4) الواضح 1/ 151.
    (^5) ينظر: إعجاز القرآن للباقلاني ص 30 وما بعدها.
63

قال ابن عقيل: (﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولم يقل يرضوهما وطلب رسول الله - ﷺ - ما ذكره الله في كتابه، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغ من الجمع بالواو اهـ) (^1).

- قوله سبحانه: ﴿دَخَلَ وَنَحْنُ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾ [يوسف:36].

قال ابن عقيل: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يريد به ما يصير خمرًا، وإنما يعصر عصيرًا) (^2).

- قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43].

قال ابن عقيل: (حقيقة في اللمس، إلا أنه يطلق على الجماع مجازًا؛ فيحمل عليهما جميعًا، ويوجب الوضوء منهما جميعًا، فنقول: كل معنيين جاز إرادتهما بلفظ يصلح لهما فهما كالمعنيين المتفقين اهـ) (^3).

- قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)﴾ [يوسف:82].

قال ابن عقيل: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ معناه: سل أهل، فحذف أهلها المراد سؤالهم، وأقام القرية اهـ) (^4).

- قوله تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:117].

  • (^1) الواضح 3/ 305.
    (^2) الواضح 2/ 385.
    (^3) الواضح 4/ 51.
    (^4) الواضح 2/ 385.
64

قال ابن عقيل: (فلعمري إنها مزية وحجة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيب بدليل أنه قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم بنيان المسجد وهو يحمل اللبن: " لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة " (^1)، ولو عقل منها الترتيب، لما خالف ترتيب القرآن) (^2).

- قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:79].

قال ابن عقيل: (وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم) (^3).

- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)﴾ [الفرقان:68 - 69].

قال ابن عقيل: (فظاهر هذه الآية مقابلة ما ذكره من العقاب في مقابلة ما عدَّدَه من الذنوب والجرائم، لا سيما مع قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ﴾، فذكر المضاعفة إنما وقع لمكان مضاعفة جرائمهم جريمة بعد جريمة؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعود إلى الجمل المتقدمة كلها، وما ذكر المضاعفة إلا مقابلة اهـ) (^4).

- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:35].

  • (^1) سيأتي تخريجه في موضعه.
    (^2) الواضح 3/ 307.
    (^3) الواضح 5/ 358.
    (^4) الواضح 3/ 134.
65

قال ابن عقيل: (لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يُستدبر به الفقير، ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله) (^1).

ومما يلاحظ في تفسير ابن عقيل باللغة ما يلي:

1 - تضلعه في اللغة العربية في عامة أبوابها، ويتبين هذا من خلال اهتمامه بمعاني الكلمات، ومعاني الحروف، ومرجع الضمائر، ونحوها.

2 - احتجاجه بلغة العرب في الترجيح، فيقول مثلًا: (وعلى هذا لغة العرب، لا نعرف سوى ذلك) (^2).

3 - ذكر الأوجه البلاغية في الآيات، والترجيح بقوله مثلًا: (واستعمال كذا أبلغ من كذا) (^3).

4 - الإشارة إلى بعض لطائف التفسير، والوعظ من خلال التفسير (^4).

5 - النقل عن أئمة اللغة، أو الإشارة إلى أقوالهم (^5).

6 - لفت النظر إلى فهم خاطئ لبعض الآيات، وبيان المعنى الصحيح لها (^6).

7 - دقة عباراته مع اختصارها وقوة الأسلوب.

  • (^1) الفنون 2/ 478.
    (^2) ينظر: الواضح 3/ 272.
    (^3) ينظر: الواضح 3/ 305.
    (^4) ينظر: الفنون 2/ 478.
    (^5) ينظر: الواضح 3/ 488.
    (^6) ينظر: الفنون 1/ 355.
66

المبحث الخامس تفسيره لآيات الأحكام

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: مذهبه الفقهي.

المطلب الثاني: نقله للإجماع.

المطلب الثالث: اهتمامه بالقياس.

المطلب الرابع: منهجه في الاستنباط.

67

المطلب الأول مذهبه الفقهي

تفقه ابن عقيل على مذهب الإمام أحمد، وهذا هو ما اتفقت عليه كتب التراجم، حيث نُسب إلى الحنابلة (^1). يقول ابن عقيل: (وشيخي في الفقه: القاضي أبو يعلى) (^2)، وهو شيخ الحنابلة في وقته، وأول من أخذ عنه ابن عقيل الفقه (^3).

  • (^1) ذيل طبقات الحنابلة 1/ 142.
    (^2) ينظر: تاريخ بغداد 17/ 609، سير أعلام النبلاء 18/ 89.
    (^3)
68