تفسير القرآن الكريمالجزء 3 · ص 1 - 9

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253».

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253».

[البقرة: 253].

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا).

وقد أجمع العلماء على أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء، لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا على الجميع.

• فإن قيل: ما الجمع بين هذه الآية وبين الأحاديث الواردة في النهي عن التفضيل:

كحديث أبي هريرة. قَالَ (اسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُ -ﷺ- الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) متفق عليه.

وفي رواية (لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ …).

الجمع من وجوه

الأول: أن النهي في الحديث محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الازدراء به.

واختاره الخطابي، والبغوي، وابن تيمية، وابن أبي العز، وحافظ حكمي.

الثاني: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع.

ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث كما تقدم في حديث أبي هريرة.

الثالث: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل.

الرابع: أن نهيه -ﷺ- على سبيل التواضع منه -ﷺ-.

الخامس: أن النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أن يعلم النبي -ﷺ- أنه سيد ولد آدم.

(مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) يعني موسى ومحمدًا -ﷺ-، وكذلك آدم.

قال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).

وقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).

1

(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي -ﷺ- الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله.

يحتمل: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يؤت أحدًا مثله هذه الفضيلة،

وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، ولم يكن هذا حاصلًا لأبيه داود - عليه السلام -، ومحمد - عليه السلام - مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع.

ويحتمل: أن المراد بهذه الآية محمد - عليه السلام -، لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات) على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلًا عظيمًا فيقال له: من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.

(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله ورسوله إليهم.

كما قال تعالى (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

وقال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).

2

• قوله تعالى (عيسى ابن مريم) قال ابن تيمية: لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد، والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. …

(وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني: أن الله أيده بجبريل عليه السلام.

• فإن قيل: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟

والجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما، وأيضًا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان، وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما، بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا.

(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها الرسل، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل.

• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد الرسل.

قيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع، وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ.

وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبيّ، وهذا كما تقول: اشتريت خيلًا ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسًا وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبيّ فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيًا وحسدًا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بِسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد.

(وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا) أي: ولكن الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم.

3

(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) أي: فمنهم من ثبت على الإيمان.

(وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) أي: ومنهم من حاد وكفر.

(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) أي: لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون.

(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) كل ذلك عن قضاء الله وقدره.

الفوائد

1 - أن الرسل عليهم السلام يتفاضلون.

2 - أن فضل الله يؤتيه من يشاء.

3 - إثبات الكلام لله تعالى.

4 - أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة.

5 - إثبات نبوة عيسى.

6 - أن عيسى مولود.

7 - الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله.

8 - إثبات المشيئة لله تعالى.

9 - بيان حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن وكافر.

4

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254».

[البقرة: 254].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:

الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.

الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.

الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان.

(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) أي: أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إياه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات.

قيل: هذا الأمر مختص بالزكاة، لأن قوله (مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ) كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب.

وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة.

والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد؛ والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم.

(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) يعني يوم القيامة.

(لا بَيْعٌ فِيهِ) أي: لا تستطيعون أن تفتدوا نفوسكم بمال تقدمونه، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، فلا تنفعه صداقة أحد بل ولا نسابته.

كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).

وقال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ).

فالبيع ههنا بمعنى الفدية، كما قال تعالى (فاليوم لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ).

وقال تعالى (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ).

5

وقال تعالى (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا). فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب.

والثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال.

• وإنما قال سبحانه وتعالى (ولا بيع) لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع والشراء، فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره، لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.

(وَلا خُلَّةٌ) أي: ولا صديق يدفع عنكم العذاب.

كما قال تعالى (الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين) وقال (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب) وقال: (وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا).

(وَلا شَفَاعَةٌ) أي: ولا شفيعًا يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إلا أن يأذن الله تعالى.

• قال الرازي: المقصود من الآية أن الإنسان يجيء وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) وقال (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا).

• وينبغي على الإنسان أن ينفق قبل هجوم الموت عليه، قال تعالى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).

وقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

وقال تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).

السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور

• واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور:

أحدها: أن كل أحد يكون مشغولًا بنفسه، على ما قال تعالى (لِكُلّ امرئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن).

والثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى).

6

• قال السعدي: وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين.

(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال

إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى (والكافرون هم الظالمون) وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) (تفسير السعدي).

الفوائد

1 - الأمر بالإنفاق في سبيل الله ومرضاته.

2 - فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله.

3 - بيان منّة الله علينا في الرزق.

4 - أن الإنسان إذا مات انقطع عمله.

5 - ينبغي على الإنسان الإنفاق في حياته قبل موته.

6 - أن القيامة دار جزاء لا دار عمل.

7 - أن الدنيا هي دار العمل، فاليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.

8 - أن يوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح من إنفاق وغيره.

9 - أن الكفر أعظم الظلم.

7

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255».

[البقرة: 255].

هذه الآية أعظم آية في القرآن الكريم كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟. قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) رواه مسلم.

(وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) أي: ليكن العلم هنيئًا لك.

• هنأه النبي -ﷺ- بهذا البصر والفقه والفهم في كتاب الله تبارك وتعالى الذي أهّله ليتعرف على هذا المعنى من بين آلاف الآيات القرآنية، فحكم بأن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله عز وجل.

لماذا هي أعظم آية؟

لأن شرف العلم بشرف المعلوموشرف الذكر بشرف المذكور.

فهذه الآية تتعلق بأسماء الله عز وجل وصفاته بل تتعلق بأعظم الأسماء والصفات، بل تتعلق بأسماء ترجع إليها سائر الأسماء الحسنى التي تدل على أوصاف الكمال، ولذلك كانت هذه الآية أعظم من غيرها.

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة.

• عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ (َكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ، وَلِى حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- «يَا أَبَا

هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا. قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «مَا هِيَ» قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبيُّ -ﷺ- «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قَالَ لَا. قَالَ «ذَاكَ شَيْطَانٌ) رواه البخاري.

8

(اللهُ) اسم من أسماء الله، متضمن للألوهية لله تعالى.

ومعناه: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.

• لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظًا ومعنى.

لفظًا: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.

ومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.

• جميع الأسماء ترجع إليه لفظًا ومعنى: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها.

ومعنى ترجع إليه معنى: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.

• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:

أولًا: محبة الله محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس والأهل والولد والدنيا جميعًا، لأنه المألوه المعبود وحده وهو المنعم المتفضل وحده.

ثانيًا: تعظيمه سبحانه وإجلاله وإخلاص العبودية له وحده من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وغير ذلك من أنواع العبادات.

ثالثًا: الشعور بالعزة به سبحانه والتعلق به وحده، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم.

رابعًا: طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله.

خامسًا: إرادة الله تعالى بالمحبة والولاء، وإفراده تعالى بالحكم والتحاكم.

(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا معبود بحق سواه.

فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدًا لربه، ممتثلًا أوامره مجتنبًا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقًا ناقصًا مدبرًا فقيرًا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئًا من أنواع العبادة.

• في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله (لا إله إلا هو) هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر.

ففيها نفي استحقاق غير الله العبادة، وإثبات استحقاق الألوهية والعبودية لله تعالى.

9