المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريمالجزء 1 · ص 40 - 46

الاستمرار في طلب العلم

الاستمرار في طلب العلم

(3) الاستمرار في طلب العلم:

يعد مبدأ الثبات والمواظبة على طلب العلم، والتزود منه من صفات المعلم الكفء الناجح؛ لأن سلَّم التعلم لا منتهى له، فلا يحد بمرحلة دراسية، ولا بشهادة علمية، ولا بسنوات عمرية.

40

ثبت عن الإمام مالك - رحمه الله - أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يكون عنده العلم أن يترك التعلُّم" (1) .

وقال ابن عبد البر: "ورأيت في كتاب (جامع القراءات) لأبي بكر بن مجاهد - رحمه الله -[عن] ابن مناذر قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دام تحسن به الحياة" (2) .

ومما يلحظ في جانب التعليم أن المدرس لا يكون مؤثرًا إلا إذا كان مليًّا بالعلم، مجددًا في عطائه لطلابه، ولا غرو أن التعليم المتين بعدها سينتج طلابًا أكفاء.

  • (1) جامع بيان العلم وفضله: 1 / 401.
  • (2) المصدر السابق: 1 / 407.
41

الفصل الثالث: المقومات التربوية

مدخل

الفصل الثالث

المقومات التربوية

تعد الصفات التربوية التي ينبغي للمدرس اكتسابها الميدان العملي لتطبيق أسس التعليم ومراحله، ويستطيع من خلالها قطف ثمرة جهده بتوفيق الله تعالى.

فاكتساب المعلم للمهارات التربوية، بحيث تكون له خلقًا وسجية، عامل مهم لتطويع رسالته، وأداء مهمته على النحو السليم المرضي، وهذا يتطلب منه أن يكون ملمًا ببعض الصفات والخصائص التربوية؛ لكي يمتلك ناصية التوجيه والتربية.

كما لا ريب أن نبذ المعلم للآداب الحميدة والوسائل الناجحة في التعليم، أو جهله بها، واستبداده برأية الشخصي وما ورثه من أساليب منفرة، سبب مباشر في تعويق العملية التربوية.

وقد أسهم علماء القراءة في إيراد بعض الآداب والصفات في مقدمات أو ثنايا كتبهم، لتكون أنموذحًا يحتذى في الآداب والسلوك والتربية، مثلما فعل أبو مزاحم الخاقاني (ت: 325 هـ) - وهو أول من ألَّف في علم التجويد - في قصيدته الرائية في التجويد؛ إذْ ضمنها عشرين بيتًا في

الآداب، ومثل مكي بن أبي طالب القيسي (ت: 437 هـ)؛ إذ جعل في مقدمة كتابه (الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة) عدة أبواب في الآداب الحميدة، وكالشاطبي (ت: 590 هـ)؛ إذ طعَّم مقدمة وخاتمة قصيدته اللامية في القراءات السبع (حرز الأماني) ببعض الصفات التربوية،

42

وكابن الجزري (ت: 833 هـ) الذي ذكر في مطالع كتابه (منجد المقرئين ومرشد الطالبين) جملة من الآداب والصفات التي تلزم مدرس القراءة، وكذلك فعل الصفاقسي (ت: 1117 هـ) في مقدمة كتابه (غيث النفع في القراءات السبع) .

وسوف أتناول بالحديث بعض الصفات التربوية لمدرس القرآن، التي أراها حرية بالإيراد في هذا المقام؛ لما لها من أهمية في فاعلية الدور الذي يؤديه.

43

وضوح الغاية من التعليم

1 - وضوح الغاية من التعليم:

إن وضوح الغاية لدى حامل مشعل التوجيه والقيادة (المدرس)، يعد محور ارتكاز رسالته التربوية؛ لأنه إذا اتضح أمام ناظريه هدفه الذي يريد تحقيقه، استطاع أن يوجِّه نفسه مع الأحوال التي تمر به، وتحمَّل لأجل غايته النبيلة المصاعب والمتاعب التي تواجهه.

لذلك نجد أن القرآن الكريم جلَّى هذه الحقيقة وأفصح عنها في قول الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ «الأعراف: 2)، فقوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، أي ضيق، واضح في تقرير وتأكيد وضوح الغاية من التبليغ، فالنهي في قوله: ﴿فَلا يَكُنْ﴾ متوجه إلى الحرج للمبالغة في التكليف، باقتلاع الضيق من أصله، وذلك على طريقة العرب في قولهم: (لا أرينَّك ههنا)، أي لا تحضر فأراك (1) .

  • (1) انظر تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: 8 / 13.
43

فوضوح الهدف يعتبر القوة الدافعة لتحقيق الغاية التي يصبو إليها كل صاحب مبدأ.

لهذا نجد ابن جماعة حدَّد أول غايات العالم مع طلبته بقوله: "أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله ﷺ وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين" (1) .

ومن غايات مدرس القرآن الكريم أن يكون مقصوده من التدريس:

أ - نشر القرآن الكريم، وتحصيل الأجور العظيمة التي رتبها الشارع على تعليم القرآن الكريم، وتلاوته، والاستماع إليه، تحقيقًا لقول النبي ﷺ: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (2) .

ب - التأسي والاقتداء بالرسول ﷺ، وصحابته، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة وأئمتها الذين قاموا بهذا الدور؛ تحقيقًا لقول النبي ﷺ: "بلغوا عني ولو آية (3) " (6) .

  • (1) تذكرة السامع والمتكلم: 47.
  • (2) سبق تخريجه ص: 5.
  • (3) رواه البخاري
  • (3461) (فتح الباري: 6 / 572)، وأحمد في المسند: 2 / 159، والترمذي (تحفة الأحوذي: 7 / 431)، وغيرهم.
  • (6) انظر المدارس والكتاتيب القرآنية: 14.
44

ج - تقوية صلة التلميذ بكتاب الله، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

د - حفظ الطالب لأكبر عدد ممكن من سور القرآن الكريم.

هـ - ربط التلميذ بصلاة الجماعة في المسجد، وإفادته من الدروس وحلق العلم المنعقدة فيه، وبخاصة فيما يخص القرآن الكريم.

وحفظ التلميذ وصيانته من الآفات والمفاسد الاجتماعية (1) .

وكما أن وضوح الهدف التعليمي لدى المدرس هو عون له في قيامه بوظيفته المناطة به، كذلك وضوحه لدى التلميذ يثير فيه دوافع التلقي اليقظ، والاستعداد الجيد، لذا يرى بعض التربويين أنه يجب على المدرس أن يُذكِّر الطلاب بأهداف التعلم في الأسبوع الأول من كل عام دراسي (2) .

وحتى يحقق المدرس غايته ومراده من التعليم، ينبغي أن يكون قدوة لطلابه في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته في العمل بتعاليم القرآن، وتعظيمه، وتقدير حملته، وإبراز محاسنهم، وغض الطرف عن هفواتهم وزلاتهم، والتزام الصدق، والتلفظ بالألفاظ الحسنة، وترك الألفاظ البذيئة، والقيام بواجب النصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الالتزام والتقيد بالمواعيد، والحرص على مطابقة الفعل للقول.

وقد أدرك السلف - رحمهم الله تعالى - هذا الأمر، فهذا عمر بن عتبة يقول لمعلم ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن

  • (1) انظر التقييم الذاتي لمعلّم التربية الإسلامية: 97، 98.
  • (2) انظر طرق تدريس القرآن الكريم للزعبلاوي: 28.
45

عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت" (1) .

  • (1) المدارس والكتاتيب القرآنية: 17.
46