المقومات الشخصية لمعلم القرآن الكريمالجزء 1 · ص 46 - 53

التدرج في التعليم

التدرج في التعليم

2 - التدرج في التعليم:

لا ريب أن البداءة بتعليم الأصول والكليات قبل الفروع والجزئيات، يعد السلَّم السوي في مراتب التعليم، وأدعى لثبات العلم ورسوخه لدى المتعلم.

وقد قرر المنهج النبوي هذه الطريقة في التعليم، فعن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "كنا مع النبي ﷺ، ونحن فتيان حَزاوِرة (2)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا" (3) .

ودلَّ حديث ابن عمر - وهو من صغار الصحابة - أن هذا المنهج سرى على الصحابة عمومًا، فقال - رضي الله عنه -: "لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها" (4)، ثم بيَّن أن هذا المنهج طرأ عليه تغيير في جيل التابعين، فيقول عن بعض من شاهد طريقة تعلمهم القرآن:

  • (2) جمع حَزْور وحَزوَّر، وهو الفتى الذي قارب البلوغ، (النهاية لابن الأثير: 1 / 380) .
  • (3) رواه ابن ماجه في مقدمة سننه: 1 / 23.
  • (4) سبق تخريجه ص: 28.
46

"ولقد رأيت اليوم رجالًا، يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل" (1) .

وهذا الذي يتحدث عنه - رضي الله عنه - حقيقة مرة نلحظها اليوم في بعض روَّاد حلق القرآن، فتجد الواحد منهم من أبعد الناس خلقًا وأدبًا وسلوكًا عما يدعو إليه القرآن، وما ذلك إلا لتحوُّل المنهج الصحيح في الأخذ والتلقي، فأصبح الأمر مجرد ألفاظ يرددها ويحفظها، فلا تجد لها مسلكًا إلى القلب، فلا ينتفع بهذا الكلام المبارك.

ومن هذا المبدأ يجب على كل معلم لكتاب الله أن يكون حكيمًا في تعليمه، متفهمًا لما يعطيه، فقد جاء عن الضحاك في معنى قوله تعالى: ﴿ِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)، قال: "حق على من تعلَّم القرآن أن يكون فقيهًا" (2) .

وقال البخاري: "ويقال: الرباني الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره" (3)، أي يبدأ بالقضايا الواضحة السهلة، قبل المسائل الدقيقة والكبيرة (4) .

لذلك على المعلم أن يراعي مدارك الطلاب، ومستوياتهم، وأعمارهم، ويعطي كلًا بما يقدر عليه.

  • (1) تتمة الحديث السابق، والدَّقَل: رديء التمر.
  • (2) تفسير ابن كثير: 1 / 385.
  • (3) كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل (فتح الباري: 1 / 192) .
  • (4) انظر فتح الباري: 1 / 195.
47

وقد أشار الإمام النووي لهذا المسلك التربوي، فقال: "وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية" (1) .

وفي ضوء ما سبق يتعين على معلم كتاب الله استخدام أسلوب التدرج التربوي في التعليم والتأديب، وذلك أن الوصول بالمتعلم إلى الكمال التربوي لا يتم إلا بالتدرج، وأي استعجال في التعليم، أو التربية في الحلقات القرآنية، دون مراعاة هذه القاعدة، فإنه يعني الفشل التربوي، والإخفاق في تحقيق الأهداف التربوية (2) .

  • (1) التبيان: 33.
  • (2) انظر مهارات التدريس في الحلقات القرآنية: 222.
48

مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب

3 - مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب:

تحتاج العملية التربوية إلى اهتمام بالغ في مراعاة تمايز الطلاب في القدرة على الاستيعاب، والتلقي، والفهم، والحفظ.

وهذا الأصل التربوي له امتداده من السنة العطرة، ومن هدي معلم البشرية ﷺ، فكان شديد المراعاة له بين المتعلِّمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحد بقدر فهمه، وبما يلائم منزلته، وكان ﷺ يحافظ على قلوب المبتدئين، فلا يعلمهم ما يعلِّم المنتهين، ويجيب كل سائل عن سؤاله يما يهمه ويناسب حاله، ويوصي كل واحد - ممن طلبوا منه الوصية - بغير ما أوصى به الآخر، لاختلاف أحوالهم، وأعطى أجوبة حول أفضل الأعمال أو أحبها إلى الله تعالى، بحسب

48

ما رآه من السائل أنه أفضل وأهم له؛ نظرًا لحاجاته وأحواله، ولهذا كله أمثلة عديدة وشهيرة في السنة النبوية (1) .

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - الذي قال عنه ﷺ: "إنك غليِّم معلَّم" (2)، والذي قال عن نفسه: "ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه"، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ، فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه (3) - يسير على هذا المبدأ، فيقول: "ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (4) .

والممارس لمهنة التعليم يلحظ فروقًا بارزة بين الطلاب، ومن مهام المدرس أن يستطيع معرفة نفسية واستعداد كل طالب، وما يقدر عليه، وهي خصيصة من خصائص المدرس الناجح.

وقد قرر الآجري هذه القاعدة بقوله - عن مقرئ القرآن -: "وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه القرآن ما يصلح لمثله" (5) .

ففي جانب حفظ القرآن الكريم تجد بعض الطلاب لديه قدرة على حفظ خمس آيات في اليوم، وبعضهم لديه قدرة على حفظ صفحة، وبعضهم

  • (1) انظر الرسول المعلم ﷺ وأساليبه في التعليم، والأمثلة المذكورة فيه: 81 - 91.
  • (2) رواه أحمد: 1 / 379، والفسوي في المعرفة والتاريخ: 2 / 537 بلفظ (إنك غلام معلَّم)، وحسَّنه الشيخ شعيب الأرناؤوط (سير أعلام النبلاء: 1 / 465) .
  • (3) رواه مسلم: 4 / 1912.
  • (4) رواه مسلم في مقدمة صحيحة: 1 / 11.
  • (5) أخلاق حملة القرآن: 47.
49

لديه قابلية لحفظ ثلاثين آية أو أكثر، ولنا شاهد في عز الدين بن جماعة (ت: 819 هـ)، الذي كان يحفظ كل يوم حزبين من القرآن الكريم، فحفظه في شهر واحد (1) .

وفي جانب الفهم، تجد بعض المتعلمين يفهم بتقرير يسير من المدرس، وبعضهم يحتاج لبسط وتوضيح وإعادة، وبعضهم يحتاج لأمثلة بيانية.

وفي جانب علم التجويد تواجه بعض المتلقنين من يكتفي بما يلقى إليه من تقويم وتصحيح، وبعضهم عنده قابلية لحفظ القاعدة والأمثلة عليها، وبعضهم لديه قدرة على حفظ المتون المساعدة، كحفظ متن الجزرية، أو (تحفة الأطفال) للجمزوري، أو (لآلئ البيان في تجويد القرآن) للشيخ إبراهيم بن علي بن علي شحاتة السمنودي المعاصر، أو ما شابهها من المتون السائرة الشهيرة في هذا العلم.

فعلى المعلِّم ملاحظة هذا التباين الواضح، ومراعاة الفروق البارزة بين المتعلمين، ومن الخطأ الجلي لدى بعض معلمي القرآن، المساواة بين الطلاب، وحمل الضعيف - حملًا عنيفًا - ليبلغ إلى مستوى الطالب اليقظ النبيه، وهذا لا يعني ترك التحفيز أو رفع الهمم، أو مكافأة المحسن، وعقاب المقصر، بل المقصود أن ترك الأخذ بمبدأ مراعاة الفروق في التعليم والتوجيه، يوجد نشئًا متفسخًا، ويبرز نوعيات من الطلبة نافرة، أو يؤدي إلى ظهور طبقة تحملت فوق ما تستوعب.

  • (1) انظر طبقات المفسرين للداودي: 2 / 94.
50

الرفق في التعليم

4 - الرفق في التعليم:

يعد الرفق من الأصول المهمة في التعليم والتربية، ومما يباركه الله تعالى ويحبه، فقد قال ﷺ: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه" (1) .

وتزاد أهمية هذا الأسلوب الرقيق الرفيع، لدى ضعاف العقول، كالصغار الذين يحملون في حناياهم أحاسيس مرهفة، وشخصيات لمَّاحة، أو لدى غلاظ الطباع الذين لم يتأدبوا بعلم، أو تحضر، أو مجالسة، كأهل البادية ونحوهم، مما يحمِّل المدرس عبئًا كبيرًا ومسؤولية زائدة، يحتسب أجرها عند الله تعالى.

ويعتبر التواضع وخفض الجناح للمتعلِّم من أعظم صور الرفق به، لما يولده في نفسه من امتزاج العلم والأدب في هذه المظهرية العالية، فيدنو له علم أستاذه، وتنشأ بينهما علاقة دافئة، توصل له هذا العلم.

"إن التواضع كالأرض المنخفضة تجتمع فيها خيرات السماء، على حين تغادر القمم والسفوح، ولو لم يكن في التواضع سوى جعل صاحبه قادرًا على جذب من هم أكثر منه تفوقًا، لكان مكسبًا كبيرًا، وعلى كل حال، فإن المتكبر يظل هو الخاسر؛ حيث يفقد دفء الألفة وحرارة الالتحام بالآخرين، وبذلك فإن ما يزهو به، يكون عامل إقصاء له عن الناس، وحرمان مما تمسّ حاجته إليه" (2) .

  • (1) رواه البخاري
  • (6024) (فتح الباري: 10 / 463)، ومسلم
  • (2593) في الصحيح: 4 / 2003 - 2004.
  • (2) العيش في الزمان الصعب: العلاقات الاجتماعية: 25 - 26.
51

ومن صور الرفق بالطالب ألا يردَّ لكونه غير صحيح النية بطلبه القرآن، قال النووي - رحمه الله -: "قال العلماء - رضي الله عنهم -: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية، فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية. وقالوا: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، معناه: كانت عاقبته أن صار لله تعالى" (1) .

وقال الذهبي - في ترجمة معمر بن راشد -: "نعم يطلبه أولًا والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك. ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم، وعلامة ذلك أنه يُقصر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قَصْد التكثر بعلمه ويزري على نفسه" (2) .

ومن صور الرفق بالطالب أن يتخول الرد اللطيف عليه حين خطئه، قال الآجري - في أخلاق المقرئ -: "وينبغي لمن قرأ عليه القرآن فأخطأ فيه، أو غلط ألا يعنفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، ويصبر عليه؛ فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه، وبالحري ألا يعود إلى المسجد" (3) .

نعم؛ لأن العنف من أسباب النفور والهجر، فيحرص المدرس أن يكون ردّه على الطالب بطريقة لطيفة، لا تعنيف فيها ولا زجر، ولا استعجال،

  • (1) التبيان: 34 - 35، ونحوه في تذكرة السامع: 47، ومنجد المقرئين: 63.
  • (2) سير أعلام النبلاء: 7 / 17 (قاله الذهبي تعليقًا على قول معمر بن راشد: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله) .
  • (3) أخلاق حملة القرآن: 53.
52

ويتمنى بقلبه أن يأتي الطالب بالصواب، فإن عجز أرشده بأن يأتي بآية قبلها، فهو أدعى لاستذكاره واستحضاره، فإن كثر خطؤه أمره بالتوبة إلى الله بقلبه عند تكرار الآية، ثم أرشده للمراجعة المتقنة، والبعد عن كل سبب يؤدي لضعف الحفظ.

وكان من عبارة بعض مشايخنا في الرد أنه كان يقول: "السَّندة تُكَرِّم، والرَّدة تُحطِّم"، أي أن سَنْد الطالب ليتحرى الإجابة الصحيحة، فيه تكريم له واحترام، لأنه يفرح بحسن إجابته، وأن الرد المباشر على الطالب دون تمكين له من الاستحضار، وإنشاء الإجابة السليمة، فيه تحطيم لمشاعره ونفسيته، وهو مأخذ تربوي سديد.

53